نبض تركية

تركيا رحّبت بالضربات الأميركيّة في سوريا لكنّها اعتبرتها غير كافية

p
بقلم
بإختصار
إنّ ردود الفعل التركيّة الرسميّة الفوريّة على الضربات التي استهدفت سوريا بقيادة الولايات المتّحدة الأميركيّة تختلف بشكل كبير عن وجهات النظر الشعبيّة. ففيما يشعر أكثريّة الأتراك بالارتياب إزاء قصف الغرب لأمّة مسلمة، ابتهج مؤيّدو أردوغان المصابون بـ"رهاب الأسد".

نفّذت الولايات المتّحدة وحليفتاها بريطانيا وفرنسا ضربة متوقّعة في سوريا في 14 نيسان/أبريل قرابة الساعة الرابعة فجراً بالتوقيت المحليّ. وعلى الرغم من الوقت المتأخّر، كانت أنقرة صاحية تماماً. فقد شاهد كبار المسؤولين الحكوميّين تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مباشرة (التي أدلى بها ليلة 13 نيسان/أبريل بتوقيت الولايات المتّحدة). ومع أنّ تصريحه كان غامضاً نوعاً ما، رأت أنقرة أنّ ترامب كان واضحاً في مسألتين، وهما أنّ بريطانيا وفرنسا حليفتان، وسوريا وإيران وروسيا خصوم.

في الواقع، بالكاد يمكن اعتبار سياسة تركيا بشأن سوريا متّسقة، باستثناء هدف واحد هو الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد. فالمسؤولون في أنقرة يتنافسون على التبجّح بشأن من يكره نظام الأسد أكثر. وقد ابتهجوا عندما سمعوا ترامب يصف الأسد بـ"الحيوان" ويشير إلى "نظام مريع جداً".

ولم تذكر وسائل الإعلام الموالية للحكومة أنّ ترامب أشار في خطابه الأوليّ في 13 نيسان/أبريل إلى أربعة بلدان شرق أوسطيّة (قطر، ومصر، والإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السعوديّة) صديقة – لم تكن تركيا من بينها. وكان لدى ترامب سبب وجيه لعدم إدراج تركيا، فقد التقطِت صور للرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان في 4 نيسان/أبريل وهو يصافح الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين والرئيس الإيرانيّ حسن روحاني معاً في أنقرة.

مباشرة بعد الضربات الجويّة، أعلن المسؤولون في وزارة الدفاع الأميركيّة أنّ الهدف كان تدمير برنامج الأسلحة النوويّة الخاصّ بالأسد. وأوضحت الولايات المتّحدة أنّها لم تنفّذ هذه الهجمات لتغيير مسار السياسة الأميركيّة الحاليّة ولا للإطاحة بنظام الأسد.

وعند سماع ذلك، قال بيروقراطيّ بارز في أنقرة للمونيتور، طالباً عدم الكشف عن اسمه: "لسنا متفاجئين لكنّ أملنا قد خاب. فمع أنّ هذه الخطوة جيّدة، هي صغيرة جداً ومتأخّرة جداً. كان هناك أمل في أن يكون ترامب مختلفاً عن [الرئيس السابق باراك] أوباما وأن يكون حازماً. يبدو أنّ هذه مجرّد فرصة تنتهزها إدارة ترامب لكي تشتّت انتباه الشعب الأميركيّ. لن يتغيّر الكثير بالنسبة إلينا في شمال سوريا".

وكان هاشتاغ #SavasaHayir (لا للحرب) الردّ الأوّل الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعيّ في تركيا صباحاً بعد الضربات الجويّة. وجاء التصريح الرسميّ الأوّل على لسان وزير الخارجيّة التركيّ الذي قال: "نرحّب بهذه العمليّة التي أدخلت الطمأنينة إلى نفوس البشريّة في وجه الهجوم في دوما الذي يُشتبه إلى حدّ كبير في أن يكون النظام [السوريّ] هو من نفّذه".

وعقب هذا التصريح، علّق مسؤولون آخرون على الهجمات التي نُفّذت بقيادة الولايات المتّحدة. فوصف رئيس الوزراء التركيّ بن علي يلدرم تلك الهجمات بأنّها "خطوة إيجابيّة"، مضيفاً أنّه "ينبغي فعل أكثر من ذلك من أجل السلام الدائم". ثمّ اشتكى يلدرم من الغرب، قائلاً إنّ "الناس يموتون منذ سبع سنوات. هل تتذكّرون إنسانيّتكم عند استعمال الأسلحة الكيميائيّة ليس إلا؟" ووجّه تحيّة إلى أردوغان، قائلاً: "هناك بلد واحد فقط يسعى من أجل السلام في سوريا؛ واسم ذلك البلد هو تركيا واسم ذلك القائد هو رجب طيب أردوغان".

وسارع المتّحدث باسم الحكومة ونائب رئيس الوزراء بكر بوزداغ إلى القول للصحافة إنّ قاعدة "إنجرليك" الجويّة التابعة لحلف شمال الأطلسي ("ناتو") في أضنة لم تُستخدم في الضربات الجويّة وإنّ تركيا تبلّغت بالهجمات مسبقاً.

وافق أردوغان بوزداغ الرأي، في خطاب له أثناء تجمّع لحزبه في اسطنبول في 14 نيسان/أبريل، وأخبر الحشود بأنّه لم يغمض له جفن في الليل عقب الأحداث في سوريا. وأثنى أردوغان على المهمّة العسكريّة ورحّب بها، قائلاً: "تلقّى النظام السوريّ الرسالة بأنّ مجازره لن تمرّ مرور الكرام". وأضاف أنّه يعتبر القرار ملائماً وأنّ كلّ من يتحمّل مسؤوليّة وفاة أطفال أبرياء يجب أن يدفع الثمن. لكنّ الرئيس التركيّ انتقد اللجوء إلى هذا النوع من التحرّكات كردّ على الأسلحة الكيميائيّة دون سواها، مشيراً إلى ضرورة معالجة مشكلة الأسلحة التقليديّة أيضاً، التي تودي بحياة عدد أكبر من الناس مقارنة بالأسلحة الكيميائيّة.

أمّا وزير الخارجيّة مولود جاويش أوغلو فقد أطلّ أمام الكاميرات بموقف حازم وقال إنّ الفوضى ستعود إن لم يتمّ إنقاذ سوريا من هذا النظام. وأضاف أنّه كان ينبغي تنفيذ ضربة من قَبل ضدّ النظام الذي قتل أكثر من مليون شخص على حدّ قوله، وأنّ الأسد سيستمرّ في القتل إذا بقي في السلطة. وشدّد جاويش أوغلو أيضاً على أنّ تركيا هي البلد الذي يبذل أكبر قدر من الجهود في هذا الإطار.

ونظراً إلى دعم تركيا الواضح للضربة الأميركيّة في سوريا، سأل المونيتور مسؤولين وخبراء أتراك عن تأثير هذا الدعم على العلاقات التركيّة مع روسيا وإيران. فأجابوا جميعهم بأنّهم واثقون من أنّه لن يؤثّر سلباً على العلاقات التركيّة الروسيّة. لكنّ أحد المسؤولين البارزين قال: "نحتاج إلى التعاون الروسيّ من أجل كبح جماح حزب العمّال الكردستاني في شمال سوريا. نحتاج إلى أن نكون على علاقة جيّدة مع روسيا". وفي جميع التصريحات العلنيّة، استهدف المسؤولون الأتراك سوريا والغرب حصريّاً، مبقين روسيا وإيران خارج الصورة.

وبعد ساعات قليلة، أعلن مكتب أردوغان أنّ بوتين والرئيس التركيّ أجريا مكالمة هاتفيّة واتّفقا على مواصلة الجهود من أجل حلّ سياسيّ في سوريا. وقال بيروقراطيّ آخر للمونيتور إنّ "الوضع أكثر تعقيداً مع إيران. فهي بلد مسلم ومن الصعب بالنسبة إلينا داخليّاً تبرير استهداف إيران مباشرة".

أمّا المعارضة التركيّة فاستنكرت الحرب ولجأت إلى وسائل التواصل الاجتماعيّ حيث انتشر بعد الظهر هاشتاغ #SuriyeninYanindayiz (نحن مع سوريا) الذي انتقد فيه المعارضون حزب العدالة والتنمية بسبب دعمه للهجمات العسكريّة الغربيّة على بلد مسلم في ليلة مقدّسة. فقد صادفت في 13 نيسان/أبريل ذكرى الإسراء والمعراج، وهي إحدى الليالي الخمس المقدّسة في حياة النبي محمّد. واستخدم هذا الهاشتاغ أيضاً القنصل السابق في الموصل أوزتورك يلماز، الذي احتجزه تنظيم الدولة الإسلاميّة رهينة لمدّة 101 يوم. ويشغل يلماز اليوم منصب نائب رئيس حزب الشعب الجمهوريّ المعارض. ونشر على "تويتر" رسالة مصوّرة سأل فيها أردوغان، الذي يطمح إلى أن يكون زعيم المسلمين جميعهم، كيف يمكنه أن يهلّل لقصف دول مسلمة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الشرطة أوقفت مجموعة أرادت التظاهر أمام مقرّ السفارة الأميركيّة في أنقرة.

منذ الضربات الجويّة، امتنعت عدّة شخصيّات بارزة من حزب العدالة والتنمية عن التعليق على الهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي. سأل كاتب العمود في صحيفة "ستار" الموالية للحزب، إرسوي ديدي: "هل هذه عمليّة [عسكريّة] أم عرض لترويج الأسلحة [الأميركيّة]؟" ووصف كاتب العمود في صحيفة "ديلي صباح"، مليح ألتينوك، تصريحات وزارة الخارجيّة التركيّة بأنّها ضرورة في سياق الكلام الدبلوماسيّ، شارحاً أنّه ليس راضياً عن الضربات الأميركيّة في سوريا.

وبرزت الثغرة بين تصريحات حزب العدالة والتنمية الرسميّة والأصوات المدنيّة الموالية له بوضوح تامّ في ردود الفعل العلنيّة على تعليقات بولنت يلدرم، وهو رئيس هيئة الإغاثة الإنسانيّة التي كانت وراء تنظيم أسطول "مافي مرمرة" إلى قطاع غزة سنة 2010. لقد انتقد يلدرم الضربات الجويّة لأنّ عدد الصواريخ لم يكن كافياً. وأثارت تصريحاته التي قال فيها إنّ هذه الهجمات لم تكن على مستوى توقّعاته ضجّة على وسائل التواصل الاجتماعي. واستهزأ المعلّقون الذين يميلون إلى اليسار بالتحديد، بتحالف الإسلاميّين مع الغرب في قصف أمّة مسلمة.

وقد انتقدت المعارضة السياسة الخارجيّة التركيّة باعتبار أنّه يستحيل فكّ رموزها. وجاء في عناوين صحيفة "جمهورييت" اليساريّة: "الإمبرياليّون يقصفون وحزب العدالة والتنمية يهلّل". لكن بغية فهم السياسة الخارجيّة التركيّة، ينبغي أخذ احتقار أنقرة لعائلة الأسد في الاعتبار، بما أنّ ذلك كان النقطة الثابتة الوحيدة في خطابات أردوغان منذ العام 2011. وتدرك الشخصيّات الموالية لحزب العدالة والتنمية ذلك تمام الإدراك، وهي بالتالي واثقة من أنّها تستطيع تسجيل بعض النقاط بمهاجمتها للأسد. ففي 8 نيسان/أبريل، مثلاً، أرسل مراسل صحيفة "ديلي صباح" التي تصدر باللغة الانكليزيّة في واشنطن، رقيب سويلو، تغريدة إلى مستشار الأمن القوميّ الجديد في إدارة ترامب، جون بولتون، جاء فيها: "فليمنحك الله ما يكفي من صواريخ 'توماهوك' للقضاء على الأسد ومؤيّديه". لكنّه حرص على عدم ذكر روسيا أو إيران في تغريدته. وإنّ الامتناع عن ذكرهما يلخّص السياسة التركيّة بشأن سوريا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept