نبض إيران

كيف تسجّل امرأة من أوكلاهوما أهدافاً في إيران

p
بقلم
بإختصار
برزت امرأة من مدينة تولسا في ولاية أوكلاهوما الأميركيّة، على نحو غير متوقَّع، كشخصيّة لها تأثيرها في كرة القدم النسائيّة الإيرانيّة.

أطلقت مراهقات إيرانيّات في زيّهنّ الرياضي المحافظ صيحة ابتهاج هاتفات: "إيران! إيران!"، وذلك في مقطع فيديو يصوّر منتخب البلاد الوطني للفتيات دون سن الـ19، نشرته المدرّبة الإيرانيّة-الأميركيّة كاتايون "كات" خسرويار في "ستوري" عبر "إنستغرام" في 21 آذار/مارس الماضي، بعدما تغلّبت إيران على رومانيا بنتيجة 2-1 في دوري كوبان الربيعي لعام 2018.

وُلِدَت كات في تولسا في ولاية أوكلاهوما الأميركيّة، وزارت إيران لأوّل مرة في صيف العام 2005، مباشرةً قبل سنتها الأخيرة في المدرسة الثانويّة. في ذلك الوقت، كانت كات على قائمة المرشّحات للعب كرة القدم على المستوى الجامعي، لكن قبل ثلاثة أيّام من عودتها إلى الولايات المتّحدة، اكتشفتها المدرّبة الأساسيّة في أوّل منتخب وطني للسيّدات في إيران بعد الثورة، أثناء ممارستها التمارين في نادٍ رياضي محلي. فكانت هذه بداية مسيرتها.

قالت كات لموقع المونيتور، "مع كلّ الأخبار السلبيّة التي كان يتمّ تداولها في وسائل الإعلام عن إيران، أردت أن أُقدِم على خطوة تاريخيّة للمساعدة على مدّ جسرٍ، عن طريق كرة القدم، بين البلدَين اللذين أنتمي إليهما"، مضيفة بقولها، "أبدى مدرّبي في أميركا دعمه لخطوتي، وقال لي إنّ أموراً جيّدة بانتظاري".

في ذلك الصيف، أسّست إيران منتخباً وطنياً للسيدات، مع وضع لمستها الخاصّة على زيّ اللاعبات مراعاةً للشريعة الإسلاميّة: قمصان بأكمام طويلة، وسراويل وحجاب أبيض. وفي السّنوات اللّاحقة، تدرّب الفريق وخاض مباريات عدّة، سعياً منه إلى أن يصبح الأفضل في آسيا. ثم في العام 2011، قبل دقائق من النزول إلى الملعب في مباراة ضدّ الأردن، دخلت مسؤولة في الاتّحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) إلى غرفة الملابس، وطلبت من المنتخب الإيراني الانسحاب من مباريات التأهّل للألعاب الأولمبيّة في لندن في العام 2012، بسبب ملابس اللاعبات. ففجأةً، اعتُبِر أنّ الحجاب الذي واظبت اللّاعبات على وضعه طوال سنوات، يشكّل خرقاً للتنظيمات، لأنّ المسؤولين في الفيفا ارتأوا أنّه يؤدّي إلى خطر الاختناق. كذلك أُرغِمت ثلاث لاعبات أردنيّات على الانسحاب للسّبب عينه. فكانت لهذا القرار آثار مدمّرة على اللاعبات.

قالت كات لموقع المونيتور، "في رأيي، لم يكن العالم جاهزاً لرؤية فريق بكامله يرتدي الحجاب أثناء لعب كرة القدم، لا سيّما وأنّ رئيس الفيفا سابقاً سيب بلاتر صرّح أنّه ’إذا كانت كرة القدم النسائيّة ترغب في الحصول على مزيد من الرعاية والدعم، ينبغي على اللاعبات ارتداء سراويل أقصر وقمصان أضيق‘"، مضيفة، "بما أنّني لعبت مع الحجاب ومن دونه، لم أكترث للأمر، فالأهمّ بالنّسبة إليّ كان أن أتمكّن من اللّعب".

على امتداد ثلاثة أعوام تقريباً، بذل المنتخب الوطني للسيّدات في إيران والأمير الأردني علي بن الحسين – أحد نوّاب رئيس الفيفا في ذلك الوقت، وشقيق الملك عبدالله الثاني – جهوداً دؤوبة لإلغاء حظر الحجاب. غير أنّ المسؤولين لم يوافقوا على الأمر إلا في العام 2013. كان ذلك انتصاراً رائعاً، لكنّه جاء متأخّراً بالنسبة إلى المنتخب الوطني الإيراني للسيّدات لأنّه كان قد انحلّ ولم يعد موجوداً. إلا أنّ الخبر السار هو أنه في خلال الحظر، ساهم المنتخب الوطني الإيراني للسيدات في إطلاق المنتخب العراقي.

في العام 2010، قام الاتّحاد الآسيوي لكرة القدم بترشيح كات للمشاركة في "مشروع المستقبل"، وهو عبارة عن برنامج تدريبي للاعبات كرة القدم دون سنّ الثلاثين. وقد نالت ترخيصاً بدرجة "أيه" من الاتّحاد الدولي لكرة القدم/الاتّحاد الآسيوي لكرة القدم في العام 2014، وهي أوّل امرأة إيرانيّة تحقّق ذلك. قال باشا حاجيان، مؤسّس بودكاست Gol Bezan (هدف!)، لموقع المونيتور، "إنّها حكاية جميلة في عالم كرة القدم أن تكون امرأة إيرانيّة-أميركيّة نشأت في تولسا قد اكتسبت مكانةً تتيح لها تمكين النساء عن طريق كرة القدم في إيران"، مضيفاً، "إنّها تشقّ طريقاً لرسم معالم المشهد الوطني في كرة القدم في بلادنا. لعلّ هوليوود قد تهتمّ بإنتاج فيلم عنها!"

تتولّى كات الآن تدريب فريق اللاعبات دون سن الـ19، وتقوم بنفسها باختيار اللاعبات. تقول في هذا الإطار: "لا أحبّ أن يُفلت منّي أحد، لذلك أتنقّل دائماً في إيران – وصولاً حتى إلى البلدات والقرى الريفيّة، بحثاً عن اللاعبات". وإنّ الكثير من الفتيات اللواتي تختارهنّ كات نشأنَ على لعب كرة القدم في الشوارع والمتنزّهات مع أشقائهن وأنسبائهن. وهي تشاهد الشابات يلعبن كرة قدم الصالات، وهي نسخة عن كرة القدم تجري في ملعب صغير مقفل مع خمس لاعبات في كلّ فريق. وإذا أعجبتها طريقة لعبهنّ، تتحدّث معهنّ للانضمام إلى فريقها.

تقول كات إنّ الآباء يقدّمون دعماً كاملاً لبناتهم اللواتي يلعبن كرة القدم، لأنّه جانب اجتماعي رائع يتباهون به أمام مجتمعاتهم المحليّة. وفي معظم الأحيان، يكون لهذا الأمر تأثير كرة الثلج، فيبادر أولياء أمور آخرون إلى الاتّصال بالاتّحاد الإيراني لكرة القدم للسؤال عن كيفيّة انضمام بناتهم إلى عالم كرة القدم. تُقيم معظم اللاعبات توازناً بين التدريب والدراسة، وتراعي المدارس ظروف الفتيات في ما يتعلّق بالاختبارات وامتحانات آخر السنة. تروي كات أنّها واجهت تجربة واحدة فقط حيث أرغِمت إحدى الفتيات على الخروج من الفريق، فهي "لم تكن تدرس أثناء وجودها في المعسكر التدريبي، فتأخّرت في دروسها وكادت ترسب. فأبعدها والداها عن كرة القدم كي تحسّن علاماتها في المدرسة. وفي حال تحسَّن أداؤها الدراسي، يسمحان لها باستئناف اللعب". وبعد ستة أشهر، عادت إلى الملاعب.

على الرغم من الدعم الذي يُقدّمه الآباء لبناتهم، يُمنَعون من مشاهدتهنّ أثناء اللعب، ويُسمَح للرجال فقط بمشاهدة المباريات عبر التلفزيون الرسمي. كذلك تُمنَع النساء، منذ الثورة الإسلاميّة في العام 1979، من مشاهدة مباريات كرة القدم للرجال، مع العلم بأنّ هذا الحظر ليس وارداً في القوانين والتنظيمات الإيرانيّة. وأحد أسبابه هو أنّ المسؤولين يعتبرون أنه لا يجوز أن تسمع النساء الشتائم التي يطلقها المشجّعون الرجال. لقد ناضلت النساء الإيرانيّات، على امتداد سنوات، من أجل الحصول على حقّ دخول الملاعب لمشاهدة مباريات الرجال، حتّى إنّهن وصلن إلى درجة التنكّر كرجال. ونظّمن أيضاً، على مرّ السنين، تظاهرات خارج الملاعب للمطالبة بحقّهن في الدخول. وجرت التظاهرة الأحدث في الأول من آذار/مارس الماضي أثناء مباراة بين فريقَي "استقلال" و"برسبوليس" في طهران حضرها رئيس اتّحاد الفيفا، جياني إنفانتينو، ووزير الشباب والرياضة الإيراني مسعود سلطاني فر. وقد اعتقلت السلطات 35 امرأة من المشاركات في التظاهرة، وجرى الإفراج عنهنّ لاحقاً. وقد أكّد الرئيس حسن روحاني لإنفانتينو، في خلال زيارته إيران، عن وجود خطط من أجل السماح للمرأة بحضور مباريات كرة القدم. وتجدر الإشارة إلى أنّ روحاني انتقد الحظر في مناسبات عدّة، إلا أنّه كان يواجه دوماً مقاومة من المتشدّدين.

لكن كات متفائلة في هذا الإطار، وتتوقّع رفع الحظر في المستقبل القريب. وهي تقول في هذا الصدد إنّ "المسؤولين مستاؤون جداً من السلوك السيّئ للمتفرّجين الذكور، ولذلك يبحثون عن حلول لجعل الأجواء أكثر تسلية وأماناً"، مضيفة، "يدور الكثير من النقاش حول هذه المسألة، وقد حان الوقت لرفع الحظر عن النساء كي يتمكّنّ من القدوم وتغيير الأجواء في الملاعب".

وفيما يأمل عدد متزايد من النساء الإيرانيّات حضور مباريات كرة القدم في الملاعب، قد يُلهم ذلك أيضاً مزيداً منهنّ لممارسة هذه الرياضة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept