نبض العراق

الخلافات الدينيّة تتصاعد حول الانتخابات المقبلة في العراق

p
بقلم
بإختصار
تدعو الزعامات الدينيّة في العراق الناخبين إلى اتّخاذ الحذر في الانتخابات المقبلة وتجنّب الإدلاء بالأصوات للفاسدين والفاشلين في إدارة الدولة.

مع قرب الانتخابات البرلمانيّة العراقيّة المقرّرة في 12 أيّار/مايو المقبل، تتصاعد أصوات الشخصيّات والمؤسّسات الدينيّة حول قرار المشاركة في الانتخابات، من داعية إلى تحريمها، إلى التوصية باختيار شخصيّات جديدة، أو مروّجة لبعض الأحزاب السياسيّة الموالية لها.

ولقد كرّر ممثّل المرجع الدينيّ الأعلى السيّد علي السيستاني في خطبته لصلاة الجمعة في 13 نيسان/إبريل الحاليّ رأي المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة في النّجف بعدم انتخاب من فشل في تصدّيه لمسؤوليّة تنفيذيّة أو تشريعيّة سابقاً. وحذّر السيّد أحمد الصافي من إعطاء الأصوات إلى الذين لم يقدّموا أيّ "خدمات" إلى الشعب، مؤكّداً أنّ "المجرّب لا يجرّب"، مشدّداً على اختيار أشخاص يمتلكون القدرة على "اختزال الوقت وسرعة الاستجابة"، لحلّ المشاكل.

وشرع وكلاء ومعتمدو السيّد السيستاني في توضيح رأي المرجع الدينيّ، داعين الناخبين إلى اتّخاذ نهاية الحذر لتجنيب العراق أخطار الاستمرار في اختيار برلمان وحكومة غير صالحتين.

وقال معتمد السيّد السيستاني السيّد رشيد الحسيني خلال مقابلة تلفزيونيّة على قناة "الفرات" في 14 نيسان/إبريل الحاليّ: "إنّ الفاسدين الذين جرّبناهم سرقوا الأمّة وسرقوا البلد، فلا بدّ ألاّ نجرّبهم مرّة ثانية حتّى إذا كانوا من عشيرتنا أو مذهبنا".

وأكّد أنّ "واحداً شيعيّاً فاسداً لا أرجّحه على إنسان مسيحيّ مؤتمن، فالمسيحيّ المؤتمن أولى من شيعيّ فاسد، وإنّ شخصاً لا يصلّي ولا يصوم ومؤتمناً على أموال الناس والبلد فسأعطيه صوتي، ولا أعطيه إلى من يصلّي ويصوم، لكنّه يسرق".

وأشارت شخصيّات أخرى من معتمدي ووكلاء السيستاني بوضوح أكبر إلى ضرورة عدم انتخاب أيّ من استلم منصباً تنفيذيّاً أو تشريعيّاً في حكومات العراق ما بعد عام 2003، مؤكّدة اتّخاذ الحذر الشديد من الشخصيّات الجديدة التي تستخدمها الأحزاب المشاركة في السلطة لخداع الناخب وجلب أصواته، داعية إلى البحث عن التخصّص والأمانة والصدق قبل وأكثر من أيّ شيء آخر.

ولقد وجّه أتباع رجل الدين الشيعيّ مقتدى الصدر في 16 نيسان/إبريل الحاليّ سؤالاً إليه في خصوص "ما قالته المرجعيّة: إنّ المجرّب لا يجرّب، وقلتم: شلع قلع (في إشارة إلى إزاحة الطبقة السياسيّة الحاليّة بشكل كامل)، فهل المقصود من فاز في الانتخابات السابقة أم تنطبق على من شغل منصباً تنفيذيّاً كالوزير والمحافظ ونوّابه"، فأكّد مقتدى الصدر ضرورة اختيار شخصيّات سياسيّة جديدة ومؤتمنة، قائلاً: "مقولة المجرّب لا يجرّب يجب أن تطبّق".

أضاف الصدر: "كلام المرجعيّة يجب أن يعلو فوق صوت الفساد".

ورغم تأكيد الزعماء الدينيّين الشيعة في النّجف أنّهم لا يدعمون أيّ مرشّح أو كيان سياسيّ، فما زالت المدن الشيعيّة، بما فيها النّجف، تملأها صور مرشّحين بجانب صورة زعيم أو مرجع دينيّ، لترغيب المتديّنين في إعطاء أصواتهم لهم، الأمر الذي يعدّ استغلالاً للمؤسّسة الدينيّة وشخصيّاتها من أجل مصالح الأحزاب السياسيّة العراقيّة.

وتشيع مشاعر إحباط واسعة في الشارع العراقيّ من الانتخابات، معتبرة أنّ لا جدوى لها في الظروف الحاليّة. ولقد علّق الصدر على هذه المشاعر، مشيراً إلى أنّ المقاطعة ستأتي بالفاسدين في نهاية الأمر، وقال متوجّهاً إلى العراقيّين: "لا تتركوا العراق يصارع الفاسدين، وحاولوا أن تخلّصوه بأصواتكم أيّها الوطنيّون".

من جهة أخرى، دعا عدد من الزعماء الدينيّين الشعب العراقيّ إلى تحريم الانتخابات، معتبراً أنّه لا تجوز المشاركة فيها ما دامت تؤدّي إلى صعود الفاسدين إلى الحكم، ووصف رجل الدين الشيعيّ المتنفّذ في مدينة الكاظميّة - قرب العاصمة بغداد جواد الخالصي خلال خطبته لصلاة الجمعة في 30 آذار/مارس الماضي الانتخابات التشريعيّة بـ"المزيّفة والخديعة"، مشيراً إلى أنّها من "صنيعة الاحتلال"، داعياً الشعب العراقيّ إلى أن يرفض أن يساق إليها مرّة أخرى، وقال: "ما أوجده الاحتلال من مشروع سياسيّ وانتخابات مزيّفة وطبقة فاسدة، هو الذي أوصل العراق إلى هذه الحال".

وأكّد دعوته إلى الامتناع المطلق عن المشاركة فيها "ترشيحاً وتصويتاً".

وكان جواد الخالصي قد قال سابقاً: "إنّ الذهاب إلى الانتخابات إثمٌ قطعيٌ ظاهرٌ لمن يريد أن يجعل من نفسه أضحوكة وأداةً بيد أعداء الإسلام، ومن أصحاب الفسق والفجور".

وبجانب الدعوات الدينيّة إلى تحريم الانتخابات من منظور دينيّ، هناك دعوات مدنيّة إلى مقاطعتها، داعية إلى تدخّل الأمم المتّحدة في الإشراف على الانتخابات العراقيّة عبر سنّ قوانين جديدة للانتخابات، وتعيين مفوضيّة مستقلّة عن الإحزاب، وإشراف كامل على إجراء الانتخابات.

المفارقة في انتخابات عام 2018، مقارنة بالانتخابات الأولى في عام 2005، أنّ الزعامات الدينيّة السنيّة لا تتردّد في حثّ الشارع السنيّ على المشاركة فيها، رغم أنّ الكثير منها كانت تحرّم الانتخابات في ما قبل، وعلى العكس الزعامات الدينيّة الشيعيّة التي كانت تحثّ على المشاركة في الانتخابات بكلّ إصرار في السابق وقد حاولت دعم كيانات سياسيّة أحياناً، تتّخذ مسافة منها اليوم.

وقد دعا المجمع الفقهيّ العراقيّ لكبار العلماء للدعوة والإفتاء، بوصفه أكبر مرجعيّة لأهل السنّة في العراق، العراقيّين إلى "المشاركة الفاعلة في الانتخابات، ولو بنيّة تقليل الفساد ما أمكن، وعدم الاستسلام لمشاعر الإحباط وعدم الانسياق وراء دعوات الشيطان أو المخادعين".

وأخيراً، يبدو أنّ تنوّع الآراء الدينيّة حول الانتخابات ومحاولة المؤسّسة الدينيّة اتّخاذ مسافة منها، هما تطوّر طبيعيّ للعمليّة الديموقراطيّة في المجتمع العراقيّ الذي لم يتعوّد على ذلك قبل عام 2003، فهناك مسافة كبيرة قطعها الشعب العراقيّ من مجتمع تقليديّ يسير وراء الولاءات الدينيّة والعشائريّة إلى مجتمع متعدّد ومتنوّع سياسيّاً تسعى المؤسّسة الدينيّة فيه إلى الابتعاد عن التدخّل في التنافس السياسيّ للأحزاب.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : parliamentary elections, ali al-sistani, voters, tribal politics, iraqi elections, corruption, shiites, boycott

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept