نبض فلسطين

فتح تسعى إلى توثيق علاقاتها مع تركيا

p
بقلم
بإختصار
عقدت حركة "فتح" قبل أيّام مؤتمرها الدوريّ في مدينة إسطنبول، بمشاركة عناصرها من مختلف مناطق تركيا، وجاء لافتاً أنّ تركيا المرتبطة بعلاقات قويّة مع "حماس" توافق على عقد مؤتمر تنظيميّ لحركة "فتح"، الخصم القويّ لـ"حماس"، رغم أنّ تركيا لا تسلم من انتقادات "فتح" واتهامها بدعم "حماس". كيف تدير تركيا علاقاتها بحماس وفتح معاً، وما مصالح الحركتين منها؟ وكيف تتعامل السلطات التركيّة مع تواجد عناصر الحركتين على أراضيها، هل بالمستوى نفسه أم هناك انحياز لطرف من دون الآخر؟

عقدت حركة "فتح" إقليم تركيا بـ20 آذار/مارس مؤتمرها الدوري العام في مدينة إسطنبول بمشاركة عناصرها من المدن التركيّة، وهذا الفرع يتكون من فلسطينيين مقيمين في تركيا.

وناقش المؤتمر الوضع السياسيّ للقضيّة الفلسطينيّة، وشدّد على موقف الرئيس محمود عبّاس الرافض لكلّ مشروع سياسيّ ينتقص من الحقوق الوطنيّة، ودعا إلى نسج أفضل العلاقات بين المؤسّسات الفلسطينيّة بشكل عام ونظيرتها مع التركيّة.

لعلّها المرّة الأولى، التي تعقد فيها "فتح" مؤتمراً تنظيميّاً في تركيا، الأمر الذي يشير إلى تطوّر علاقات فتح مع الحكومة التركية وارتفاع مستوى تنسيقهما، رغم أنّ تركيا يمكن اعتبارها دولة داعمة لـ"حماس"، وتستضيف على أرضها العشرات من كوادرها.

في هذا الإطار، قال السفير الفلسطينيّ في أنقرة عضو المجلس الثوريّ لـ"فتح" فائد مصطفى لـ"المونيتور": "إنّ تركيا علاقاتها وثيقة مع مختلف أطراف الساحة الفلسطينيّة لأنّها تتعامل كدولة، وليس كحزب سياسيّ، وهي معنيّة بأن تكون لديها خطوط مع كلّ الجهات الفلسطينيّة، خصوصاً فتح وحماس، ولا تحابي طرفاً فلسطينيّاً على حساب آخر، فالسياسة التركيّة ترغب في خدمة القضيّة الفلسطينيّة عموماً، وبذلت جهوداً منذ بدء الانقسام الفلسطينيّ في عام 2007 لرأب الصدع بين الأفرقاء وتحقيق المصالحة، وأنا كسفير لديّ ارتباطات مع مختلف أطياف الساحة التركيّة".

يمكن القول أن علاقة فتح مع تركيا كانت عادية خلال السنوات الماضية، لكنها تعززت بصورة لافتة عقب تفاهمات حماس مع محمد دحلان القيادي المفصول من فتح برعاية مصر في يونيو 2017، وتمحورت حول المصالحة المجتمعية في غزة لتعويض عائلات القتلى والجرحى من فتح وحماس الذين أصيبوا خلال الاشتباكات المسلحة بين فتح وحماس في 2007، قبيل سيطرة حماس على غزة، ودعوة المجلس التشريعي للانعقاد في غزة.

هذه التفاهمات لم يكن صداها إيجابياً لدى فتح وتركيا، اللتان تتفقان في معاداة دحلان، فالأولى فصلته من الحركة منذ 2011، وتعتبره يتآمر على الرئيس محمود عباس، وترفض عودته لصفوف الحركة، وأنقرة تتهم دحلان بالمشاركة في الانقلاب الفاشل ضدّ أردوغان في عام 2016.

وفي حين أعلن السفير الفلسطيني في أنقرة فائد مصطفى في 4 سبتمبر 2017 أن تركيا منزعجة من تقارب حماس ودحلان، لأن الأخير شخصية سلبية من وجهة نظر الأتراك، فقد تحدث موقع "دنيا الوطن" الفلسطيني في أغسطس 2017 أن القيادة التركية اجتمعت مع قيادات من حماس، دون تحديد موعد دقيق لذلك، وأبدت تحفظها الشديد على تقارب حماس مع دحلان.

تواصلت زيارات قادة "فتح" خلال الأشهر الماضية لتركيا، فزارها عدد من نوّاب فتح في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ في كانون الثاني/يناير برئاسة محمّد اللحام، وجميع أعضاء الوفد من أعضاء المجلس التشريعي من فتح وهم: نجاة الأسطل، جهاد أبو زنيد، سهام ثابت، محمد حجازي، والتقوا الرئيس رجب طيّب أردوغان ووزير خارجيّته مولود جاويش أوغلو.

وقد أتت هذه الزيارة تلبية لدعوة من لجنة الصداقة الفلسطينية التركية، لبحث أوجه التعاون المشترك بين فلسطين وتركيا للتصدي للسياسات الإسرائيلية في القدس، ومواجهة القرار الأمريكي يوم 6 ديسمبر الخاص بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل.

كما زار عضو اللجنة المركزيّة لـ"فتح" جبريل الرجوب تركيا في كانون الثاني/يناير، رافقه مسئولان من المجلس الأعلى للشباب والرياضة، كون الرجوب يترأس المجلس، وعقد لقاءات مع وزيريّ السياحة نعمان كورتولموش والرياضة عثمان اشكن باك ورئيس وكالة التعاون الدوليّ "تيكا" سيردار تشام، وتركزت الزيارة على شكر تركيا على الدعم الذي تقدمه للشعب الفلسطيني، ودفاعها عن قضية القدس على ضوء المواقف الأميركية المنحازة للاحتلال الإسرائيلي.

ونظّمت "فتح" - إقليم تركيا في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2017 مهرجان إحياء الذكرى 13 لوفاة الرئيس ياسر عرفات في مدينة إسكي شهير، وشكر المستشار نبيل السراج، ممثل سفير فلسطين بتركيا فائد مصطفى، الرئيس رجب طيّب أردوغان على ما يقدّمه من دعم مستمرّ إلى القضيّة الفلسطينيّة. وفي تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2017، زار وفد فلسطيني من قيادة "فتح" تركيا برئاسة عضو اللجنة المركزيّة سمير الرفاعي وبعض قادة الحركة، والتقى بكوادر فتح في تركيا، دون أن يلتقوا بمسئولين أتراك. وفي كانون الثاني/يناير من عام 2017، زار وفد من إقليم "فتح" - تركيا مقرّ حزب العدالة والتنمية في أنقرة.

وقال الباحث في مركز "سيتا للدراسات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة" بتركيا محمود الرنتيسي لـ"المونيتور": "إنّ تركيا ترى في السلطة الفلسطينيّة بقيادة فتح ممثّلاً شرعيّاً للقضيّة الفلسطينيّة أمام المجتمع الدوليّ، ويسهل تواصلها معها، رغم أنّ علاقات تركيا مع حماس قويّة جدّاً، خصوصاً العلاقة الخاصّة والمميّزة للرئيس أردوغان مع الرئيس السابق للمكتب السياسيّ لحماس خالد مشعل، لكنّ الإعلان الأميركيّ في كانون الأوّل/ديسمبر بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، قرّب علاقة تركيا بالسلطة الفلسطينيّة، من دون أن يعني تراجعاً بعلاقة أنقرة مع حماس".

يستذكر الفلسطينيّون لأردوغان انسحابه من منتدى دافوس في عام 2009، بعد مشادّة مع الرئيس الإسرائيليّ الراحل شيمون بيريس، واكتسب أردوغان شعبيّة كبيرة بينهم لعقده قمّة إسلاميّة استثنائية في إسطنبول بكانون الأوّل/ديسمبر، ردّاً على قرار واشنطن حول القدس وإلقاء محمود عبّاس كلمة مركزيّة فيها.

وأعلن مولود جاويش أوغلو في 15 كانون الأوّل/ديسمبر فتح سفارة لبلاده لدى السلطة الفلسطينيّة في القدس الشرقيّة، حين لم يعترف العالم بالدولة الفلسطينيّة، وكلّ ذلك ساهم في توثيق صلات الزعيمين.

من جهته، قال عضو المجلس الثوريّ لـ"فتح" تيسير نصر الله لـ"المونيتور": "إنّ مصلحة الفلسطينيّين في بقائهم قريبين من تركيا، كونها دولة إقليميّة محوريّة، وإنّ وزنها كبير في السياسة الدوليّة، وفلسطين تستضيف مسؤولين ووفوداً شعبيّة تركيّة دائماً، ونشعر بأنّ تركيا تقيم علاقات متوازنة مع فتح وحماس، رغم أنّ حزب العدالة والتنمية قريب من فكر جماعة الإخوان المسلمين، حيث حماس إحدى أذرعها، لكنّ الدولة التركيّة تتعامل مع السلطة الفلسطينيّة وفتح كجهات رسميّة أمام العالم، وقد نشأت كيمياء شخصيّة إيجابيّة بين الرئيس عبّاس ونظيره أردوغان".

تنظر السلطة الفلسطينيّة بقيادة "فتح" بإيجابيّة إلى دور تركيا بالمجالات الإغاثيّة والتنمويّة، وتتراوح مساعداتها للفلسطينيّين سنويّاً بين 10 و20 مليون دولار، ويبلغ حجم التبادل التجاريّ السنويّ بينهما 400 مليون دولار. كما أنّ لتركيا مواقف داعمة للفلسطينيّين ضدّ الانتهاكات الإسرائيليّة داخل القدس.

تقارب "فتح" وتركيا لم يمنع الأولى من توجيه انتقاد رسميّ لأنقرة في شباط/فبراير من عام 2017، واتهامها بتعزيز الانقسام الفلسطينيّ، لأنّها سمحت في الشهر ذاته بتنظيم مؤتمر شعبيّ في اسطنبول لفلسطينييّ الخارج من دون علم منظّمة التحرير الفلسطينيّة.

ورغم تواصل الزيارات الرسمية من قبل فتح إلى تركيا خلال الأشهر الأخيرة، فلم يقم أي مسئول تركي رفيع المستوى بزيارة إلى رام الله حتى اللحظة، دون إبداء سبب ذلك.

وقال مسؤول في "حماس"، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ الحركة ترى في السياسة التركيّة تجاه الفلسطينيّين نموذجاً إيجابيّاً في التعامل مع كلّ الأطراف الفاعلة لما فيه مصلحة القضيّة الفلسطينيّة، ويسعدنا أن تكون لتركيا بوّابات مفتوحة مع فتح وبقيّة الفصائل الفلسطينيّة، فنظرتها أوسع وأشمل من علاقتها بطرف واحد من دون سواه. ولذلك، فإنّ حماس لا تنظر بأيّ حساسيّة لعلاقة فتح مع تركيا، بل ترحّب بها".

أخيراً..يبدو لافتا أن زيادة علاقات فتح مع تركيا توثقت بصورة ملحوظة أكثر من السابق، مع التراجع الذي يحيط علاقة مصر مع فتح، كما تبدى أكثر في حملة الانتقادات التي وجهها جبريل الرجوب عضو اللجنة المركزية لفتح للدور المصري في المصالحة بين فتح وحماس، كان آخرها يوم 1 مارس 2018.

وبعد أن منعت مصر الرجوب من دخولها بفبراير 2017، فقد وضعت عدداً من قيادات فتح على قائمة المنع من دخولهم أراضيها، أبرزهم محمد اشتية، حسين الشيخ، محمود العالول، توفيق الطيراوي، مما يعكس حجم التوتر الذي يسود علاقات فتح مع مصر، ويفسر رغبة الحركة بتطوير علاقتها بدول أخرى بالمنطقة، مثل تركيا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : palestinian authority, fatah, financial assistance, reconciliation, hamas, mohammed dahlan, palestinian-turkish relations, hamas-fatah relations

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept