نبض سوريا

أم سامح: أمّ جبّارة تسهر على الغوطة الشرقيّة

p
بقلم
بإختصار
في ظلّ المجاعة المسيطرة على منطقة الغوطة الشرقيّة المحاصرة، قرّرت أم سامح إنشاء مؤسّسة "يد واحدة" بهدف سدّ الفجوة التي خلّفتها المنظّمات الدوليّة غير القادرة على توصيل المساعدات إلى السكّان الجائعين.

بلا كلل ولا ملل، تقود أم سامح، وهي من شرق دمشق، حملة دؤوبة بهدف محاربة المجاعة المتفشّية في مدينتها المحاصرة. وفي مطبخ في مزرعة متواضعة، تقوم ومجموعة صغيرة من المتطوّعين بطهي وجبات الطعام يوميًا بأوان ضخمة، ويخاطرون بحياتهم ليقوموا بتوصيل الطعام تحت القصف إلى مئات المدنيّين المحاصرين في منازل في الغوطة.

تشكّل مؤسّسة "يد واحدة" دعوة للتعاطف مع الناس بغضّ النظر عن دينهم وانتماءاتهم.

تعطي أم سامح انطباعًا بأنّها منزوية، وهي تقود سيّارتها الصّغيرة من نوع سوزوكي وسط ضباب الدخان في الشّوارع المدمَّرة لتوصل طعامها اليومي إلى سكّان الغوطة، على الطّرف الجنوبي الشّرقي من دمشق. وتشكّل هذه المساعدة اليوميّة التي تقدّمها أم سامح عمل رحمة نادرًا ما ينعم به السكّان المدنيّون المقيّدون في ملاجئهم وسط قصف لا يرحم وخطر اختناق ناجم عن استخدام النظام السوري أسلحة كيميائيّة محظورة.

وقد تعمّدت أم سامح المخاطرة بحياتها والخروج: "لا أحبّ أن يقصدني الناس في المطبخ ... نخاف دائمًا عندما يتجمّع الناس في مكان واحد في خلال القصف، ولهذا السّبب قرّرت أن أذهب أنا إليهم،" هي كلمات أتت على لسان أمٍّ لم تتلقّ شخصيًا سوى القليل من المساعدة إبان السنوات المضطربة من الصراع السوري.

وفي حين يعود تاريخ تأسيس مؤسّسة "يد واحدة" إلى أولى أيّام الحصار في عام 2014، بدأت قصّتها بنوع مختلف للغاية من المأساة، فقد جرى اختطاف نجل أم سامح على يد ضباط الأمن الحكوميّين في عام 2012.

كان سامح ينهي سنته الأخيرة في كليّة الطب عندما دخل الضباط منزله في ليلة من الليالي وألقوا القبض عليه من دون أي تفسير. فأمضت والدته أشهرًا طويلة في بحث ثائر تنتقل من منشأة إلى أخرى بحثًا عن أخبار عنه.

وتقول أم سامح، "لقد فعلت كلّ ما في وسعي للعثور عليه. اتّصلت بالكثير من الناس والجماعات ومنظّمات حقوق الإنسان المتخصّصة في هذه القضايا، لم أترك أحدًا إلا واتّصلت به. لكن أحدًا لم يستطع أن يساعدني ... وباءت كلّ محاولاتي بالفشل".

قبل اعتقال ابنها، كانت أم سامح تقوم بتوصيل الإمدادات الطبيّة إلى محطّات الإغاثة الأماميّة في مسقط رأسها في حرستا. لكن وسط بحثها عن سامح، بدأت السلطات تشكّ بها، وتمّ على إثره اتّهامها بالإرهاب واحتجازها لعدّة أشهر، مع نقلها من موقع إلى آخر قبل الإفراج عنها في كانون الثاني/يناير 2013.

ومع أنّ أم سامح عانت عمى جزئيًا في إحدى عينيها نتيجة ارتفاع ضغط دمها من وطأة الحجز، لم تتردّد في التوجّه إلى الأحياء المحاصرة في شرق دمشق، حيث عاشت معظم حياتها، فوجدت كارثة إنسانيّة ومجاعة تفاقمت بشكل كبير في خلال فترة سجنها. كان النظام يستهدف المتاجر، وكان الطعام القليل المتاح مهرّبًا في معظم الأحيان عبر الأنفاق ليباع بأسعار باهظة.

بحسب أم سامح، "كان الوضع في الغوطة شديد الخطورة ... فسألت نفسي ماذا يمكنني أن أفعل لمساعدة الناس الذين يتضوّرون جوعًا. لذا بدا من البديهي لي أن أفتح مطبخًا صغيرًا".

ومن خلال جمع التبرّعات الصّغيرة من المتاجر المحلّيّة المتبقّية، بدأت أم سامح ومجموعة من خمسة متطوّعين يطهون وجبات الطعام ويعدّون أطباقًا من الكفته، والمناقيش، والمعجنات المخبوزة، والأرز والصلصات السورية البسيطة، ثمّ يقومون بتعبئة الطعام في علب جاهزة للأكل وبتوصيلها إلى حفنة من العائلات الجائعة في الغوطة الشرقيّة.

ومع اشتداد القصف وتوقّف المساعدات الدوليّة، بدأ حجم المعاناة يفوق موارد مؤسّسة "يد واحدة" الهزيلة. فقرّرت أم سامح في تلك المرحلة التواصل مع أفرقاء من خارج الغوطة وتمكّنت من إقامة شراكات مع منظّمات أخرى من المجتمع المدني مثل منظّمة "النساء الآن" التي لم تتردّد في المساعدة وقدّمت فورًا 285,000 ليرة سورية (حوالى 1,500 دولار آنذاك).

ونجحت حملات لاحقة أطلقها عبر الانترنت أصدقاء خارج سوريا من جمع المزيد من الأموال. وقامت أم سامح بتوسيع عملها فاشترت المزيد من الأواني وكمّيّات كبيرة من المواد الغذائيّة المهرّبة، ونظّمت شبكة من الموزّعين ليقوموا بتوصيل الطعام إلى كافة أنحاء الغوطة الشرقيّة.

ويقدّر أشخاص مقرّبون من مؤسّسة "يد واحدة" أنّ المنظّمة تطعم أكثر من 250 عائلة في اليوم، وتم التبرّع بمساعدات نقديّة إضافيّة جرى الحصول عليها من خلال حملات عبر الانترنت، لدعم 300 طفل فقدوا آباءهم في الغوطة الشرقيّة.

وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على اعتقال سامح، لا تزال أم سامح جاهلة بمصير ابنها. ولأنّها غير قادرة على مساعدته، هي عازمة على البقاء في المنطقة المحاصرة وإطعام أولئك الذين يعانون بسبب الجوع.

وقالت، "إنّ عملي هو امتداد للإغاثة الطبّيّة التي كنت أقوم بها من قبل ... عملي يتمحور حول المدنيّين فحسب، وهو ما سأكرّس نفسي للقيام به حتى آخر يوم في حياتي".

يقدّر "معهد سوريا" وجود 400,000 مدني محاصر في مناطق الغوطة الشرقيّة. وقالت مديرة المعهد التنفيذيّة فاليري سيبالا للمونيتور إنّ دراسة أجرتها عام 2015 أشارت إلى أنّ ما لا يقلّ عن 500 شخص في ذلك الوقت كانوا قد قضوا في المناطق المحاصرة كنتيجة مباشرة للمجاعة. وأشارت إلى أنّه من الصّعب الحصول على أرقام دقيقة في ظلّ هذه الظروف.

Barrett Limoges is an American investigative journalist who has reported from across the Middle East and North Africa. His work has been featured by Al Jazeera, Middle East Eye, PBS Newshour and Huffington Post, among other news outlets.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept