نبض تركية

أردوغان متلهّف للمضيّ قدماً في سوريا بينما تقيّم أنقرة بومبيو

p
بقلم
بإختصار
يأتي اختيار الرئيس الأميركيّ لوزير خارجيّته الجديد في وقت غير مناسب بالنسبة إلى خطط أردوغان المتمثّلة بالاستفادة من انتصار تركيا على الميليشيا الكرديّة السوريّة المتحالفة مع الولايات المتّحدة في عفرين.

ليس واضحاً في هذه المرحلة كيف سيؤثّر تعيين الرئيس دونالد ترامب لمايك بومبيو كوزير للخارجيّة على العلاقات التركيّة الأميركيّة المتوتّرة حاليّاً بسبب عدد من المسائل المستعصية.

لكنّ الواضح هو أنّ خيار ترامب أثار اضطراب أنقرة. والسبب هو تغريدة نشرها بومبيو أثناء محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016 شبّه فيها تركيا وإيران بـ"دكتاتوريّة إسلاميّة مستبدّة".

وقد بدا أنّ التغريدة، التي حذفها بومبيو لاحقاً، تضمنّت تلميحاً إلى أنّ محاولة الانقلاب – التي لم تكن قد فشلت بعد عند نشر التغريدة – كانت ربّما حدثاً مبشّراً بالخير. وأدّى ذلك بالتالي إلى تعزيز الاعتقاد السائد في أنقرة بأنّ واشنطن كانت تقف بطريقة أو بأخرى وراء الانقلاب من أجل التخلّص من أردوغان وحزب العدالة والتنمية الإسلاميّ الذي يتزعّمه.

وما يعزّز هذا الاعتقاد أيضاً هو فشل الولايات المتّحدة لاحقاً في تسليم فتح الله غولن، الداعية الإسلاميّ المقيم في بنسيلفانيا الذي تتّهمه أنقرة بالتدبير لمحاولة الانقلاب، وأعضاء جماعته.

وقد ترسّخت تغريدة بومبيو في أذهان الأتراك وما زالت تثير انزعاج أنقرة. وبعد الإعلان عن تعيين بومبيو، لم يشر إليه وزير الخارجيّة مولود جاويش أوغلو بالاسم، بل أوضح شرطه للعمل بشكل فعّال مع وزير الخارجيّة الجديد، قائلاً للصحافيّين في موسكو حيث كان في زيارة رسميّة: "هذا خيار الولايات المتّحدة. لا نريد التعليق عليه، لكن أيّاً كان الوزير، عليه أن يتعلّم أوّلاً كيفيّة التصرّف معنا، والتحدّث معنا واحترامنا".

ويأتي تعيين بومبيو في وقت غير مناسب إطلاقاً بالنسبة إلى أردوغان العازم على المضيّ قدماً بأجندته في سوريا بعد نجاحه في انتزاع مدينة عفرين الشماليّة من وحدات حماية الشعب الكرديّة المدعومة من الولايات المتّحدة والتي تعتبرها أنقرة تنظيمًا إرهابيًّا.

ويكرّر أردوغان الآن، مدفوعاً بنصره السهل نسبيّاً في عفرين، وعده بطرد وحدات حماية الشعب من مدينة منبج غربي نهر الفرات ومن الأراضي التي تسيطر عليها شرقي الفرات.

لكنّ المشكلة التي يواجهها هي أنّ وحدات حماية الشعب استقرّت في هذه المناطق بدعم من الجيش الأميركيّ. وقد اتّفقت تركيا والولايات المتّحدة على آليّة للتفاوض بشأن هذه المسألة أثناء زيارة وزير الخارجيّة المقال ريكس تيلرسون إلى أنقرة في شباط/فبراير، من أجل تفادي أيّ مواجهة عسكريّة محتملة. لكن بات مستقبل هذه المحادثات مجهولاً الآن بما أنّ بومبيو، الذي تعتبره أنقرة من الصقور، سيحلّ محلّ تيلرسون الأكثر مراعاة ودبلوماسيّة.

وفي إطار الغموض المحيط بهذه المسألة، قال أردوغان في مؤتمر إقليميّ لحزب العدالة والتنمية في مدينة أرضروم الشرقيّة في 16 آذار/مارس إنّ أسلوب عمل "الفريق الجديد" في واشنطن ليس واضحاً بعد. لكنّه شدّد على أنّ تركيا ثابتة في عزمها على التقدّم نحو منبج، أيّاً كان موقف الولايات المتّحدة. وقال، "إذا قامت أميركا بإخلاء منبج كليّاً، فسنتمكّن من تحقيق ذلك بسرعة وسهولة أكبر".

ونظراً إلى إصرار واشنطن على البقاء في سوريا من أجل مراقبة تحرّكات إيران، من غير الواضح كيف سيتعامل بومبيو مع ضغوط أنقرة. ويتوقّع غالبيّة المحلّلين الأتراك أن يكون موقف بومبيو متطابقاً مع موقف البنتاغون أكثر منه مع الموقف الحذر الذي اعتمدته وزارة الخارجيّة في عهد تيلرسون، نظراً إلى خلفيّة بومبيو العسكريّة وعلاقاته مع حزب الشاي اليميني.

وأشار سردار تورغوت، مراسل صحيفة "هابرتورك" التركيّة الليبراليّة في واشنطن، إلى أنّ بومبيو سبق وتكلّم ضدّ أردوغان عندما كان في الكونغرس وفي اللجنة الدائمة للاستخبارات في مجلس النوّاب.

وقال تورغوت من واشنطن الأسبوع الماضي، "ما من مؤشّر على أنّه سيغيّر موقفه إلا إذا تلقّى أمراً من ترامب"، مضيفاً أنّه ما من مؤشّر أيضاً على أنّ ترامب سيصدر هكذا أمر. وقال، "يقال أيضاً في واشنطن إنّ بومبيو كان أكثر من أثّر على قرار ترامب بعدم التخلّي عن وحدات حماية الشعب".

لكنّ مصادر دبلوماسيّة في أنقرة قالت للمونيتور، طالبة عدم الكشف عن اسمها، إنّ زيارة بومبيو الأولى إلى الخارج بعد تعيينه مديراً لوكالة المخابرات المركزيّة في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 كانت إلى تركيا. وأشارت إلى أنّ بومبيو، بغضّ النظر عن آرائه الشخصيّة، يدرك أهميّة تركيا بالنسبة إلى الولايات المتّحدة نظراً إلى موقعها الاستراتيجيّ على الخارطة.

ويوضح كاتب العمود في صحيفة "صباح" التركيّة الموالية للحكومة، محمود أوفور، أنّ بومبيو يدرك قوّة تركيا في المنطقة ويتفهّم أيضاً حساسيّات أنقرة بعد زيارته إلى أنقرة حيث أجرى محادثات مع أردوغان ونظيره التركيّ هاكان فيدان.

لكنّ أوفور يشير إلى أنّه لم يتّضح بعد ما إذا كان بومبيو سيتمكّن من تخطّي آرائه السلبيّة بشأن تركيا. وكتب في عموده أنّ "الأميركيّين الصقور مثل بومبيو لا ينظرون إلى إيران، والإخوان المسلمين وحركة حماس نظرة إيجابيّة، ولهذا السّبب من الواضح جداً أنّهم لا يثقون بتركيا". هذا وتستمرّ أنقرة وطهران بالتعاون في سوريا على الرغم من خلافاتهما، وتستمرّ تركيا أيضاً بدعم حماس والإخوان المسلمين.

أما جاويش أوغلو فيعتبر أنّ المحادثات مع واشنطن بشأن منبج التي بدأت في عهد تيلرسون ستستمرّ في خلال ولاية بومبيو في وزارة الخارجيّة. وفي محاولة للتعبير عن نظرة أكثر تفاؤلاً، قال في مقابلة مع صحيفة "صباح" إنّ "هذه العمليّة بدأت بأمر من ترامب الذي سأل: "لماذا علاقتنا مع تركيا سيّئة؟" وأعطى تعليمات بالوفاء بالوعود المقدّمة [إلى تركيا]". وأضاف أنّ "[ترامب] يبدي اهتمامًا وإعجابًا تجاه تركيا، وهو يحترم رئيسنا".

لكنّ تعيين بومبيو عكّر بالفعل صفو المحادثات في واشنطن. فقد كان من المفترض أن يسافر جاويش أوغلو إلى واشنطن في 19 آذار/مارس، لكنّه ألغى زيارته بعد الإعلان عن تعيين بومبيو خلفاً لتيلرسون.

بالإضافة إلى ذلك، لا تؤكّد واشنطن التصريحات التي أدلى بها جاويش أوغلو مؤخّراً وقال فيها إنّ تركيا والولايات المتّحدة وافقتا في هذه المحادثات على ضرورة انسحاب وحدات حماية الشعب من منبج.

وتعليقاً على تصريحات جاويش أوغلو، قالت المتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة هيذر نويرت للمراسلين في مؤتمر صحافيّ في 15 آذار/مارس إنّ هذه ليست نظرة الولايات المتّحدة إلى المسألة. وأوضحت قائلة، "ما زلنا نسعى إلى التوصّل إلى اتّفاق مع تركيا، ولم ننتهِ من التحدّث معها".

وأثارت نويرت أيضاً انزعاج أنقرة بتصريحها الخطّي بعد سيطرة القوّات التركيّة وحلفائها السوريّين على عفرين. فقد عبّرت في تصريحها عن "قلقها الشديد" إزاء التقارير من المدينة، وكتبت ما يأتي: "يبدو أنّ أكثريّة سكّان المدينة، ذات الغالبيّة الكرديّة، أخلوا منازلهم بسبب تهديد القوّات العسكريّة التركيّة وقوّات المعارضة المدعومة من تركيا بالهجوم عليهم". وعبّرت في تصريحها أيضاً عن قلقها إزاء التقارير التي تفيد عن قيام مقاتلي المعارضة السوريّة الخاضعين للقيادة التركيّة بعمليّات نهب.

أمّا أنقرة فتقول إنّ سكّان عفرين المحليّين يرحّبون بالقوّات التركيّة. ويبيّن تصريح نويرت احتمال ارتفاع حدّة التوتّر بين تركيا والولايات المتّحدة بسبب سوريا.

لكنّ أردوغان ليس مستعدّاً لكبح تصريحاته عن منبج بعد انتصاره في عفرين. فهو بحاجة إلى إظهار عزمه من أجل تعزيز موقفه في الداخل قبل الانتخابات الرئاسيّة المرتقبة سنة 2019.

وتجدر الإشارة إلى أنّ وحدات حماية الشعب ليست المسألة الوحيدة التي تعكّر صفو العلاقات التركيّة الأميركيّة حاليّاً. فمن المسائل العالقة الأخرى نذكر قضيّة غولن ومؤيّديه في الولايات المتّحدة، بالإضافة إلى احتجاز القسّ الأميركيّ أندرو برانسون في تركيا، الذي يواجه عقوبة السجن مدى الحياة بعد اتّهامه بالانتماء إلى جماعة غولن.

الخلاصة هي أنّه نظراً إلى مقاربة أردوغان المتشدّدة وميل بومبيو المزعوم إلى سياسة الصقور، قد يدخل هذان "الشريكان الاستراتيجيّان" في صدام في المستقبل.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X