نبض مصر

مع قرب الانتخابات الرئاسيّة... هل تنجح محاولات السيسي في كسب أصوات "العمالة الحرّة"؟

p
بقلم
بإختصار
طرح الرئيس عبد الفتّاح السيسي مبادرة لتوفير غطاء تأمينيّ على العمالة غير المنتظمة، التي تشمل عمّال المخابز والمناجم والخدمات المنزليّة والزراعة والتراحيل والمقالات، ويقارب عددهم الـ18 مليون عاملاً، ولا يتمتّعون بأيّ تأمينات اجتماعيّة أو صحّيّة، ممّا طرح تساؤلات عدّة حول دوافع الرئيس وراء هذه المبادرة، خصوصاً مع قرب الانتخابات الرئاسيّة. فهل يسعى إلى كسب أصواتهم الانتخابيّة، في ظلّ غضب تلك الطبقة من ارتفاع الأسعار نتيجة الأوضاع الاقتصاديّة المتردّية وتحرير سعر الصرف؟!

القاهرة — في 19 شباط/فبراير الجاري، عقدت لجنة القوى العاملة في مجلس النوّاب اجتماعاً لمناقشة كيفيّة تنفيذ مبادرة الرئيس عبد الفتّاح السيسي في شأن حقوق العمالة غير المنتظمة، حيث طالب في 8 شباط/فبراير الجاري، بتوفير غطاء تأمينيّ على العمالة غير المنتظمة، التي لا تتمتّع بتأمينات اجتماعيّة أو معاشات أو مشاريع علاج.

يقدّر عدد العمالة غير المنتظمة طبقاً لما أعلنته لجنة القوى العاملة في البرلمان بـ18 مليون عامل، يعملون في المخابز والمناجم والخدمات المنزليّة كافة، وتشمل أيضاً العاملين في القطاع الزراعي، وسائقو الأجرة وعمّال التراحيل والعاملين في قطاع التشييد والبناء، والحرفيين الذين يعملون في مهن السباكة والنجارة، والباعة الجائلين، والمهن الحرّة كافّة.

وأوصت اللجنة بتشكيل لجنة للعمالة غير المنتظمة تضمّ وزارات القوى العاملة والتضامن الاجتماعيّ والصحّة، وقطاع الأعمال العامّ، ووزارة الماليّة، واتّحاد الصناعات، واتّحاد نقابات عمال مصر التابع للدولة، واتّحاد مقاولي التشييد والبناء، والمركز القوميّ للسكّان، بهدف دراسة المعالجة التشريعيّة لوضع هذه العمالة وتوفير غطاء تأمينيّ اجتماعيّ وصحّيّ لها، مع بحث إمكان إنشاء هيئة مستقلّة لهذه العمالة.

وقال وكيل اللجنة ورئيس الاجتماع محمّد وهب الله، في تصريحات صحافية، بعد انتهاء الجلسة بمجلس النواب في 19 فبراير : "نوصي بتشكيل لجنة من الجهات المعنيّة، لبحث إنشاء هيئة مستقلّة للعمالة غير المنتظمة تكون لها فروع فى المحافظات، تتضمّن العمالة التي لم يشملها قانون العمل، والتي ليس لها صاحب عمل ولا عقود".

ولا يتضمن قانون العمل الحالي رقم 12 لسنة 2003، أي نصوص لحماية العمالة غير المنتظمة، حيث عرفت مادته الأولى، العامل الذي يختص به القانون، بأنه «كل شخص طبيعي يعمل لقاء أجر صاحب عمل وتحت إدارته أو إشرافه». ما يعني أن كافة العمالة الحرة التي لا تخضع لرب عمل لا يتضمنها القانون.

وفي أعقاب توجيهات السيسي في 8 شباط/فبراير الجاري، أصدرت رئاسة الجمهوريّة بياناً في اليوم ذاته، قالت فيه إنّ النظام التأمينيّ الذي وجّه الرئيس بإنشائه، يشمل الفئة العمريّة من 18 وحتّى 59 عاماً، من دون كشف طبّيّ.

وقال المتحدّث الرسميّ باسم رئاسة الجمهوريّة السفير بسّام راضي، في البيان ذاته، إنّه من المقرّر أن يتضمّن النظام التأمينيّ أيضاً شهادة تأمين على الحياة بفئات تتراوح بين الـ500 والـ2500 جنيه، تسدّد مرّة واحدة وتستحقّ قيمتها في حالات الوفاة الطبيعيّة أو في حادث، بمقدار يتراوح بين الـ50 ألفاً والـ250 ألف جنيه، أو بمنح معاش شهريّ لمدّة تتراوح بين الـ5 والـ10 سنوات، بمقدار يتراوح بين الألف والـ3 آلاف جنيه.

وفي 18 شباط/فبراير، اجتمع الرئيس السيسيّ برئيس مجلس الوزراء المهندس شريف إسماعيل، ومحافظ البنك المركزيّ طارق عامر، ورئيس هيئة الرقابة الإداريّة محمّد عرفان، بهدف دراسة البدائل المتاحة لتوفير غطاء تأمينيّ للعمالة الحرّة وغير المنتظمة.

أثار هذا الاهتمام غير المسبوق بأوضاع العمالة غير المنتظمة العديد من التساؤلات، خصوصاً مع قرب إجراء الانتخابات الرئاسيّة المقرّرة في مارس المقبل. فهل يسعى الرئيس إلى كسب أصوات تلك الفئة المهمّشة طوال العقود الماضية؟ تلك الفئة التي دفعت ثمناً باهظاً، نتيجة الإصلاحات الاقتصاديّة التي تتّخذها الحكومة، خصوصاً أنّ مراقبين يرون أنّ الطبقات الفقيرة ساهمت في شكل كبير في انخفاض شعبيّة الرئيس السيسي في الشارع.

وقال رئيس النقابة العامّة للعاملين في القطاع الخاصّ والعمالة غير المنتظمة شعبان خليفة في تصريحات إلى "المونيتور" إنّ "مبادرة الرئيس عبد الفتّاح السيسي لدعم العمالة غير المنتظمة، جاءت لتحقّق العدالة الاجتماعيّة بين طبقات المجتمع كما نصّ الدستور، تلك الطبقة الفقيرة التي لم يهتمّ بها أيّ رئيس مرّ على مصر طيلة العقود الماضية".

وتنصّ المادّة 17 على "تكفّل الدولة بتوفير خدمات التأمين الاجتماعيّ، ولكلّ مواطن لا يتمتّع بنظام التأمين الاجتماعيّ الحقّ فى الضمان الاجتماعيّ، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادراً على إعالة نفسه وأسرته، وفى حالات العجز عن العمل، والشيخوخة، والبطالة. وتعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلّاحين، والعمّال الزراعيّين، والصيّادين، والعمالة غير المنتظمة، وفقاً للقانون. وأموال التأمينات والمعاشات أموال خاصّة، تتمتّع بكلّ أوجه الحماية المقرّرة للأموال العامّة وأشكالها، وهي وعوائدها حقّ للمستفيدين منها، وتستثمر استثماراً آمناً، وتديرها هيئة مستقلّة، وفقاً للقانون. وتضمن الدولة أموال التأمينات والمعاشات".

وأضاف خليفة: "خضوع العمالة غير المنتظمة إلى مظلّة الحماية الاجتماعيّة هامّ جدّاً، لأنّ هذه العمالة معرّضة إلى مخاطر جرّاء أعمالها، وتتعرّض إلى الطرد والفصل، وفي حالات العجز، لا يجد هؤلاء أيّ معاش أو أيّ إعانات على الحياة، وبالتالي لا بدّ من وجود منظومة تشريعيّة قويّة تضمن الحماية الاجتماعيّة لهؤلاء. كما أنّ هؤلاء العمّال أكثر من عانوا من برنامج الإصلاح الاقتصاديّ، وما أعقبه من ارتفاع باهظ في الأسعار، وبالتالي حمايتهم أمن قوميّ".

ويقول عبد العزيز عباس، وهو يعمل في مهنة السباكة: «عمري الآن 48 عامًا، أعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 30 عامًا، ولم أحصل على أي دعم من الدولة، وليس لي صاحب العمل، ولا أتمتع بأي دوام في العمل، أحيانا أجلس في المنزل دون عمل، وأخرى أتمتع بوفرة في العمل، ولا أخشى إلا من المرض والعجز، فلا أجد من يدعمني، فلا معاش ولا مكافأة ولا شيئا يذكر».

وعن رأيه في مبادرة الرئيس، يقول:« مبادرته دليل على اهتمامه بالفقراء، وجيدة، وصوتي له في الانتخابات الرئاسية، فلا يوجد رئيس مثله يهتم بهذه العمالة الحرة».

فيما قالت «خديجة»، 34 عاما، وهي تعمل في مهنة الخياطة، أن هذه المبادرة – إذا نجحت – وقامت الحكومة بسن القوانين المنظمة، واحتوت الدولة هذه الطبقة، ستعطي الرئيس شعبية كبيرة، وينجح في الانتخابات بقوة. لكن «خديجة» تعتقد أن مبادرة الرئيس – مجرد كلام أو دعاية انتخابية – لن يتم تنفيذه قائلة: «كتير بنسمع لكن التطبيق صفر»، خاصة أن هذه القوانين من الصعب تنفيذها خلال شهر واحد قبل الانتخابات.

ويرى أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة الدكتور أحمد دراج أنّ توقيت إعلان الرئيس رغبته في حماية حقوق العمالة غير المنتظمة له دلالات سياسيّة، خصوصاً مع قرب موعد إجراء الانتخابات الرئاسيّة، وبدء الدعاية الانتخابيّة للمرّشحين، ممّا يدفع الرئيس إلى استخدام هذا الـ"كارت" في الترويج لنفسه على أنّه المدافع الأوّل عن الفقراء في مصر.

وأعلنت الهيئة الوطنيّة للانتخابات الرئاسيّة في 24 شباط/فبراير الجاري، بدء فترة الدعاية الانتخابيّة لمرشّحي انتخابات الرئاسة ولمدّة 28 يوماً.

وأضاف دراج للمونيتور "في تقديري، إنّ شعبيّة السيسي انخفضت في شكل ملحوظ بعدما كانت كبيرة في بداية تولّيه الحكم، بسبب برنامج الإصلاح الاقتصاديّ وتحرير سعر صرف الجنيه في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، ممّا أدّى إلى حدوث موجة كبيرة في زيادة الأسعار، لم يستطع الفقراء تحمّلها.

وأعلن الجهاز المركزيّ للتعبئة العامّة والإحصاء في 10 تمّوز/يوليو 2017 ارتفاع معدّل التضخّم بنحو 31% بعد تحرير سعر الصرف، وارتفاع معدّل أسعار الأغذية والمشروبات بنحو 41% بالمقارنة مع عام 2016 قبل قرار التحرير.

وأكمل دراج: "لهذه الأسباب، يسعى الرئيس إلى كسب أصوات هذه الفئة، فبالطبع تعدّ أكبر كتلة تصويتيّة في الانتخابات. وفي تقديري، إنّ الرئيس إذا نجح في كسب ثقة هؤلاء، ونفّذ مبادرته، ولو أنّني أشكّ في ذلك، فلن يستطيع كائن من كان أن يزيحه من الحكم، فهذه الفئة قادرة على إسقاط أيّ رئيس أو إبقائه في السلطة لعقود طويلة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة

خالد حسن، صحفي مصري حر، متخصص في الشؤون السياسية والتحقيقات. بدأ العمل الاحترافي بمهنة الصحافة عام 2010 فور تخرجه من جامعة عين شمس. عمل فى العديد من الصحف المصرية بأقسام الأخبار والسياسة والتحقيقات. قام بإنجاز عدة تحقيقات استقصائية مع شبكة أريج "اعلاميون من أجلصحافة استقصائية."

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept