نبض العراق

اعتقال رجل دين من التيّار الشيرازيّ المتنفّذ في العراق يثير غضب أتباعه العراقيّين

p
بقلم
بإختصار
أثار اعتقال رجل الدين السيّد حسين الشيرازي المنتمي إلى أسرة دينيّة متنفّذة في العراق، غضباً شديداً بين أتباعه في العراق، حيث قامت مظاهرات عدّة أمام السفارة والقنصليّات الإيرانيّة في العراق.

قامت السلطات الإيرانيّة في 6 آذار/مارس باعتقال السيّد حسين الشيرازي بعد ضربه وشتمه أمام والده السيّد صادق الشيرازي في طريقهما إلى البيت في مدينة قم، وذلك ردّاً على كلمة للسيّد حسين الشيرازي في درسه الفقهيّ، اعتبر فيها ممارسات وليّ الفقيه الإيرانيّ، في إشارة إلى المرشد الأعلى للثورة الإسلاميّة علي الخامنئي، مشابهة لفرعون مصر الذي كان يستبدّ ويستعبد شعبه حسب الروايات الدينيّة.

سرعان ما قامت مظاهرات في مدينة كربلاء العراقيّة أمام القنصليّة الإيرانيّة، وفي بغداد أمام السفارة الإيرانيّة، وفي مدينة البصرة الحدوديّة مع إيران، احتجاجاً على اعتقال الشيرازي. وندّد المتظاهرون في شعارات ولافتات عدّة بالممارسات القمعيّة المستمرّة، حسب تعبيرهم، للنظام الإيرانيّ ضدّ قياداتهم الدينيّة في إيران، وطالبوا بإطلاق سراح ابن زعيمهم الدينيّ عاجلاً، كما طالبوا الحكومة العراقيّة ورئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي بالتدخّل في الموضوع والضغط على إيران لإطلاق سراح الشيرازي. وهدّد المتظاهرون باستمرار الاحتجاجات إلى أن يتمّ إطلاق سراح الشيرازي.

كما قامت مظاهرات احتجاجيّة في الكويت ودول عربيّة وإسلاميّة أخرى. وفي مظاهرات الكويت أمام السفارة الإيرانيّة هناك، وصف الشيخ يوسف ملّا هادي، وهو من زعماء التيّار الشيرازيّ في الكويت، النظام الإيرانيّ بالنظام الديكتاتوريّ الإيرانيّ تحت شعار ولاية الفقيه، وطالب من شيعة العالم التبرّأ من النظام الإيرانيّ.

وفي مظاهرات صاخبة في لندن أمام السفارة الإيرانيّة اشترك فيها عدد ملفت للنظر من الجالية العراقيّة المقيمة هناك، قام المتظاهرون باقتحام شرفة السفارة وإنزال العلم الإيرانيّ ورفع علم دينيّ شيعيّ مكانه لبضع ساعات، إلى أن تدخّلت الشرطة البريطانيّة وأعادت الهدوء إلى المكان.

وينتمي الشيرازي إلى أسرة دينيّة متنفّذة بين شيعة العراق، ذات خلفيّة تاريخيّة تعود إلى أكثر من قرن ونصف في العراق، انتشر تدريجيّاً نفوذها في المناطق الشيعيّة الأخرى في العالم، ومنها إيران ولبنان ودول الخليج. ويعدّ السيّد حسين ابن المرجع البارز للتيّار الشيرازي السيّد صادق الشيرازي، وهو أخ السيّد محمّد الشيرازي الذي مضى العقدين الأخيرين من عمره في إقامة جبريّة في بيته بسبب انتقاداته للنظام الإيرانيّ.

ويقوم السيّد حسين الشيرازي بانتقادات لاذعة للقيادة الإيرانيّة والمرشد الإيرانيّ الخامنئي على وجه التحديد. وفي كلمته الأخيرة، انتقد أيضاً الحرب الإيرانيّة-العراقيّة التي طالت ثماني سنوات، واعتبرها نزوة سياسيّة من مؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة آية الله روح الله الخميني. وقد شبّه الخميني والخامنئي بمعاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية الخليفتين الأمويّين اللذين قتلوا أحفاد النبيّ محمّد من أئمة الشيعة في القرن الأوّل الإسلاميّ.

واعتبر الشيرازي أنّ ولاية الفقيه هي تعبيد للشعوب وضدّ مبدأ حرّيّة الإنسان، وغير مناسبة للحضارة البشريّة المعاصرة التي تبنى على مبادئ الحرّيّة والمساواة والديمقراطيّة.

واعتبر رجل الدين الإصلاحيّ الإيرانيّ البارز محسن كديور أنّ انتقاد مبدأ ولاية الفقيه بهذا الأسلوب الصريح من قبل رجال الدين الشيعة أمر غير مسبوق، من شأنه أن يخلق مشاكل كبرى للنظام الإيرانيّ، خصوصاً أنّه يتمّ من قبل جهة منتمية إلى تيّار الإسلام السياسيّ الشيعيّ الذي ساهم بقوّة في تأسيس مبدأ ولاية الفقيه. ولكنّ كديور طالب فقهاء التيّار الشيرازي بالتنظير الفقهيّ لنفي ولاية الفقيه، توثيقاً لرجوعهم عن هذا المبدأ.

ويعدّ السيّد محمّد الشيرازي أكبر زعيم للتيّار الشيرازي الذي أسّس مرجعيّته الدينيّة في مدينة كربلاء خلال ستّينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته، إلى أن هاجر إلى إيران واستقرّ في مدينة قم في عام 1979.

وساهم الشيرازي بالتنظير للحكومة الدينيّة على الشكل الشيعيّ، وكان من المنظّرين لمبدأ ولاية الفقيه، كما أنّه خصّص مجلّدات عدّة من مؤلّفاته للتنظير للدولة الإسلاميّة والاقتصاد الإسلاميّ والسياسة الإسلاميّة والعناوين الأخرى من المجالات المرتبطة بالإسلام السياسيّ.

كما أنّه على المستوى العمل الميدانيّ، قام الشيرازي بتأسيس منظّمة العمل الإسلاميّ ودعم حركات التحرير في العالم الإسلاميّ، ومنها حركات تحرير فلسطين. وقد اغتيل أخيه حسن الشيرازي في لبنان في عام 1980 بسبب نشاطاته الواسعة ضمن نطاق العمل الميدانيّ للتيّار الشيرازيّ تحت زعامة أخيه السيّد محمّد.

وقد استقبل السيّد محمّد الشيرازي مؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة روح الله الخميني لدى مجيئه الى العراق بحفاوة كبيرة، وقدّم دعمه الكامل له في ثورته ضدّ نظام الشاه في إيران. ولكنّ الشيرازي لم يحظ بدعم واهتمام مماثلين من الخميني حين انتقل إلى إيران، خصوصاً أنّه كان يدعو إلى تأسيس مجلس ولاية الفقيه مشكّل من عدد من الفقهاء لإدارة النظام في إيران وليس الهيمنة الحصريّة للسلطة من قبل شخص الخميني وبعده الخامنئي بوصفهما وليّ الفقيه.

كما أنّ التيّار الشيرازي يدعو إلى إبراز الشعائر والطقوس الشيعيّة، ومنها التطبير المثير للجدل وإعلان السبّ والشتم للشخصيّات الدينيّة السنّيّة التي يعتبرها الشيعة غاصبة لحقوق أئمّتهم في بدايات التاريخ الإسلاميّ.

وتعود أهمّيّة الأحداث الأخيرة إلى أنّ الانتقادات ضدّ مبدأ ولاية الفقيه والحكم الدينيّ الشيعيّ لم تصدر من جهة ليبراليّة أو مؤسّسة شيعيّة تقليديّة، وهي لا تؤمن بذلك من الأساس، بل من جهة فاعلة في تأسيس الدعوة للحكم الدينيّ الشيعيّ وولاية الفقيه وانتشارها، ولكنّها يبدو أنّها تتّجه تدريجيّاً نحو التنازل عن ذلك، بعدما وقعت هي نفسها ضحيّة للممارسات القمعيّة للحكم الدينيّ.​

وأخيراً، من شأن التطوّرات الأخيرة في المواجهة بين التيّار الشيرازيّ والنظام الإيرانيّ أن تؤثّر على تحجيم السلطة والهيمنة الدينيّة للنظام الإيرانيّ بين المجتمع الشيعيّ الموالي له في العراق أكثر من السابق.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : ali al-sistani, ali khamenei, velayat-e faqih, ruhollah khomeini, shiites, shirazi movement

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept