نبض العراق

هل نجحت السعوديّة في إيجاد موطئ قدم لها في العراق؟

p
بقلم
بإختصار
تتسارع حركة التقارب السعوديّ مع العراق ودعمه للعودة إلى الاستقرار، بعد نكسات طالت عقوداً، الأمر الذي يعدّ تغييراً جوهريّاً في نمط العلاقة بين البلدين، بعد سنوات طويلة من التخاصم أو القطيعة على الأقلّ.

بعد زيارتين لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الى السعودية خلال العام الماضي، ينوي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زيارة العراق قريبا، حسب ما صرّح النائب العراقي سعدون الدليمي. من المفترض أن يلتقي محمد مع المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني في النجف بعد زيارته لبغداد.

ومن المفترض أن تعيد المملكة العربيّة السعوديّة فتح قنصليّتها في مدينة البصرة الغنيّة بالنفط والمجاورة لإيران خلال آذار/مارس الحاليّ، إذ تضع الممثليّة السعوديّة في العراق اللمسات الأخيرة على مكتب القنصليّة في فندق "شيراتون" البصرة. وكانت القنصليّة قد أغلقت في عام 1990، بعد أزمة الخليج في عهد النظام السابق، ولم يتمّ الإتفاق على إعادة فتحها خلال سنوات ما بعد إسقاط النظام السابق، نظراً للتوتّر الحاكم على العلاقات السعوديّة - العراقيّة إلى ما قبل التقارب الأخير.

كما أنّ السعوديّة تقوم حاليّاً بالتمهيدات لفتح قنصليّة ثالثة لها بعد إربيل والبصرة في مدينة النّجف التي تعدّ المركز الدينيّ الأوّل لشيعة العراق والعالم، ويتمّ ذلك بموافقة رسميّة من الحكومة العراقيّة وبمباركة المرجعيّة الدينيّة الشيعيّة في المدينة.

وتأتي قرارات توسيع التمثيل الديبلوماسيّ للسعوديّة في العراق في إطار أوسع لتعزيز العلاقات السياسيّة الرسميّة بين الحكومتين، إذ تودّ السعوديّة أن تنشئ جسوراً اقتصاديّة واجتماعيّة للتواصل بين البلدين في مختلف المجالات الممكنة. ولقد أكّد رئيس الوفد السعوديّ المسؤول عن إنشاء القنصليّة في البصرة عبد الرّحمن الشهري أنّ هذه الإجراءات تتمّ من أجل "تقديم الخدمات والتسهيلات إلى الحجّاج والمعتمرين والوفود الاقتصاديّة بين البلدين".

كما أشار السفير السعوديّ في العراق عبد العزيز الشمري في تصريحات سابقة بكانون الثاني/يناير الماضي إلى "أنّ ما يهمّ السعوديّة هو تطوير العلاقات بين البلدين في كلّ المجالات التي تخدم تطلّعاتهما".

وجرت مباراة وديّة بين السعوديّة والعراق في مدينة البصرة بنهاية شباط/فبراير الماضي، بعد مرور 3 عقود من المباراة الأخيرة التي جرت بين البلدين. وحضرت المباراة وفود سعوديّة، بجانب حشد كبير من المشجّعين العراقيّين في أجواء وديّة.

وأعلن المكتب الإعلاميّ لرئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي في بيان بـ5 آذار/مارس أنّ حيدر العبادي تلقّى اتصالاً هاتفيّاً من العاهل السعوديّ الملك سلمان بن عبد العزيز تعهّد خلاله بتشييد استاد لكرة القدم في العاصمة بغداد يتّسع لـ100 ألف شخص. ولاحقاً، تمّ الإعلان عن توسيعه ليكون ملعباً يتّسع لـ135 ألف مشجّع، وقال البيان: "إنّ الملك سلمان عبّر عن استعداده والتزامه بتوسيع العلاقات الإيجابيّة بين العراق والسعوديّة على مستويات مختلفة، اقتصاديّة وتجاريّة وشعبيّة وثقافيّة، على كلّ المستويات التي تهمّ البلدين".

وتشهد بغداد والبصرة إقبالاً واسعاً من قبل الشركات السعوديّة لفتح مكاتب لها بهدف توسيع التبادل الاقتصاديّ بين البلدين، منها أخيراً الشركة السعوديّة للصناعات الأساسيّة –"سابك" العملاقة للبتروكيماويّات الناشطة في بغداد والبصرة. وتركّز السعوديّة نشاطاتها على مدينة البصرة لأسباب عدّة، منها لأنّها القطب الاقتصاديّ والنفطيّ الأوّل في العراق، ناهيك عن أنّها أكبر مدينة من حيث السكّان بعد بغداد، وأنّها مجاورة للحدود الإيرانيّة وتعيش فيها أغلبيّة شيعيّة ساحقة تشترك من حيث الأصول القبليّة والعرقيّة مع القبائل السعوديّة، وهناك زيجات مشتركة تربط الأسر من الطرفين السعوديّ والبصريّ. كما تهتمّ السعوديّة باستقبال الشخصيّات الشيعيّة المستقلّة عن إيران، مثل زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر الذي زار السعوديّة العام الماضي، وتمّ استقباله بحفاوة على أرفع المستويات، حيث التقى بالملك سلمان ووليّ العهد محمّد بن سلمان. وتمتنع المواقع الإخباريّة السعوديّة، وأبرزها العربيّة، عن التعرّض للمرجع الشيعيّ الأعلى السيّد علي السيستاني، نظراً لمواقفه المستقلّة عن إيران ونفوذه الواسع بين الشيعة.

ويقلق هذا الأمر إيران، إذ قامت بتحريك أطراف مقرّبة لها برفع لافتات في المدينة مندّدة بفتح القنصليّة السعوديّة في البصرة وبالنشاطات الاقتصاديّة والرياضيّة الأخرى. كما أنّ إئتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي المقرّب من إيران عارض في وقت سابق منح السعوديّة السماح بفتح قنصليّة لها في النّجف.

يبدو أنّ العراق مصمّم على المضي في الانفتاح والتّعاون مع السعوديّة بكلّ إمكاناته وفرصه المتاحة. وقد تتبادل الزيارات المتقابلة بين الوفود السياسيّة والاقتصاديّة والإعلاميّة بشكل مستمرّ، ومنها زيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي للسعوديّة، التي جرى خلالها التوقيع على مذكّرة تأسيس المجلس التنسيقيّ السعوديّ - العراقيّ لتطوير العلاقات بين البلدين. وكان وزير الداخليّة  قاسم الأعرجي زار السعوديّة قبله خلال العام الماضي. ويصرّ العبادي على استقبال الوفود السعوديّة حتّى غير الرفيعة المستوى، مثل استقباله الوفد الإعلاميّ السعوديّ الذي زار العراق بدعوة من نقابة الصحافيّين العراقيّين في شباط/فبراير الماضي.

وأعادت السعوديّة رحلاتها الجويّة إلى العراق في تشرين الأوّل/أكتوبر من العام الماضي، بعد 27 عاماً من القطيعة. كما فتحت العام الماضي منافذها البريّة جنوب العراق لتوسيع التبالات الاقتصاديّة والرحلات السياحيّة بين أتباع الطرفين بهدف زيارة الأماكن الدينيّة أو السياحة الترفيهيّة.

وتمّت المبادرات الأوليّة لتوسيع العلاقات بين البلدين برعاية أميركيّة مباشرة، حيث حضر وزير الخارجيّة الأميركيّ ريكس تيليرسون اجتماع تأسيس المجلس التنسيقيّ العراقيّ - السعوديّ في الرياض العام الماضي بمشاركة العبادي وسلمان. ويبدو أنّ التقارب العراقيّ - السعوديّ يأتي في سياق السياسة الأميركيّة الجديدة بعد فوز الرئيس دونالد ترامب لدعم حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة لتشكيل جبهة موحّدة لمواجهة التصاعد الإيرانيّ في الشرق الأوسط.

وعليه، يبدو أنّ السعوديّة قطعت، بالفعل، شوطاً كبيراً في التقارب مع العراق وتوسيع مناطق نفوذها خلال عام واحد، الأمر الذي من شأنه أن يتضاعف بشكل بارز جدّاً خلال الحقبة الثانية من رئاسة وزراء العبادي إن نجح في حفظ المنصب بعد الانتخابات المقبلة في أيّار/مايو المقبل.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept