نبض مصر

الإعلام المصريّ يواجه مزيداً من القيود مع اقتراب الانتخابات

p
بقلم
بإختصار
طلب النائب العامّ المصريّ نبيل صادق من طاقمه مراقبة "الأخبار غير الحقيقيّة"، محذّراً من "قوى الشرّ" مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسيّة هذا الشهر.

طلب النائب العامّ المصري نبيل صادق من طاقمه متابعة الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعيّ واتّخاذ إجراءات قانونيّة بحقّ الأفراد الذين "يقوّضون أمن البلاد".

ووصف صادق وسائل الإعلام بـ"قوى الشرّ"، متّهماً إيّاها بنشر أخبار كاذبة "من أجل تكدير النظام العامّ وترهيب المجتمع". وكان الرئيس عبد الفتّاح السيسي قد استخدم عبارة "أشرار" في كانون الثاني/يناير للإشارة إلى الخصوم السياسيّين الذين دعوا إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسيّة التي ستعقد بين 26 و28 آذار/مارس. وبدت تصريحات صادق موجّهة إلى وسائل الإعلام الأجنبيّة التي لا تؤيّد سياسة الحكومة الرسميّة، خلافاً لأكثريّة وسائل الإعلام المصريّة.

وجاء هذا النداء الموجّه إلى المدّعين العامّين من أجل معاقبة منتقدي الحكومة على خلفيّة خلاف بين الحكومة وشبكة "بي بي سي" بسبب تقرير بثّته الشبكة سلّط الضوء على حالات تعذيب واختفاء قسريّ مزعومة في مصر. وأدانت الحكومة التقرير، الذي حمل عنوان "الظلّ فوق مصر" وبُثّ في 23 شباط/فبراير، باعتبار أنّه يتضمّن "أكاذيب وادّعاءات خاطئة". وحصل ذلك بعد أن أخبرت إحدى الأمّهات شبكة "بي بي سي" بأنّ ابنتها زبيدة قد "اختفت قسراً"؛ لكنّ الشابّة أطلّت لاحقاً في برنامج حواريّ على قناة "أون تي في" المصريّة الخاصّة ونفت مزاعم والدتها.

ومنذ ذلك الوقت، صدر قرار باعتقال والدة زبيدة، واسمها منى محمود محمد، لمدّة 15 يوماً في انتظار محاكمتها بتهم تتعلّق بـ "نشر أخبار كاذبة" و"الانتماء إلى مجموعة خارجة عن القانون"، في إشارة إلى جماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة حاليّاً.

وقال زملاء لها إنّ المحامي الحقوقيّ عزت غنيم، الذي كان أوّل من أبلغ عن اعتقال محمد وانتقد طريقة تعاطي السلطات مع القضيّة، اختفى بعد ظهر الأوّل من آذار/مارس. وقد ظهر مجدداً في نيابة أمن الدولة في 4 آذار/مارس وسط استنكار المجموعات المعنيّة بحقوق الانسان لـ"اختفائه القسريّ". وقالت منظّمة العفو الدوليّة إنّه آخر الناشطين الحقوقيّين الذين تعرّضوا للاختفاء القسريّ.

وستخضع مراسلة "بي بي سي" أورلا غورين، التي تعرّضت لهجوم شعبيّ غاضب على مواقع التواصل الاجتماعيّ، لملاحقة قضائيّة أيضاً بتهمة "نشر أخبار كاذبة". وقد رفع الدّعوى ضدّها المحامي سمير صبري، المعروف بادّعاءاته المتكرّرة على مشاهير وشخصيّات عامّة باسم الأخلاق. ولا يخفي صبري نفوره من حقوق الانسان. وقد قال في مقابلة تلفزيونيّة بثّتها قناة "العاصمة" المصريّة في أيار/مايو 2015، "لا أؤمن بشيء اسمه حقوق الانسان".

وإنّ الهيئة العامّة للاستعلامات، وهي الوكالة الحكوميّة المصريّة التي تفوّض الصحافيّين الأجانب وتتابع عملهم، قد هدّدت "بي بي سي" بمقاطعتها إذا لم تقدّم اعتذاراً رسميّاً وتسحب التقرير المثير للجدل. وحضّ رئيس الهيئة، ضياء رشوان، المسؤولين على الامتناع عن إجراء مقابلات مع الصحافيّين والمنتجين في "بي بي سي" إلى حين حلّ المسألة. لكنّ "بي بي سي" تمسّكت بموقفها وقالت للسلطات إنّها "تلتزم بنزاهة فرق إعداد التقارير التابعة لها".

وفي غياب مؤشّرات على تراجع حدّة التوتّر، يبدو أنّ الحكومة تنظر في اتّخاذ مزيد من التدابير العقابيّة ضدّ "بي بي سي". وألمح عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حاتم زكريا، إلى أنّ الهيئة التنظيميّة تدرس منع النفاذ إلى موقع "بي بي سي" الالكترونيّ في مصر.

ونقل موقع "الدستور" الإخباريّ الخاصّ عن زكريا قوله إنّ "مصر ليست البلد الوحيد الذي يلجأ إلى منع النفاذ إلى مواقع إخباريّة. ففي حالات عدم الامتثال للمعاهدات والقوانين المتعلّقة بالإعلام، غالباً ما يكون هذا خياراً للتعامل مع هكذا أزمات". وأضاف زكريا أنّ "الإعلام الأجنبيّ أساء عرض الحقائق عن مصر مرّات متعدّدة. ويحصل ذلك في وقت حرج تستعدّ فيه البلاد للانتخابات الرئاسيّة وتخوض حرباً ضدّ الإرهاب في شبه جزيرة سيناء".

هذه ليست المرّة الأولى التي يتعرّض فيها الإعلام الأجنبيّ للهجوم من السلطات المصريّة. ففي نيسان/أبريل 2016، أثار تقرير نشرته وكالة "رويترز" سخط الحكومة، ما أدّى إلى تحقيق الشرطة والمدّعين العامّين مع مدير مكتب الوكالة في القاهرة مايكل جورجي. وزعم تقرير "رويترز"، الذي انتقدته الحكومة باعتباره "ملفّقاً"، أنّ الباحث الإيطاليّ جوليو ريجيني، الذي عُثر على جثّته المشوّهة في خندق على جانب طريق صحراويّة تؤدّي إلى القاهرة في 4 شباط/فبراير 2016، اعتقلته الشرطة في الليلة التي اختفى فيها. واستندت هذه المزاعم إلى شهادات مصادر أمنيّة مجهولة طلبت عدم الكشف عن هويّتها بسبب طبيعة القضيّة الحسّاسة، بحسب مراسل "رويترز".

وبّخت الحكومة في مناسبات متعدّدة الإعلام الأجنبيّ والمجموعات الدوليّة المعنيّة بحقوق الانسان، متّهمة إيّاها بـ"الانحياز" وعدم فهم الوضع السياسي في البلاد. وحذّر السيسي بنفسه من أنّ "الأكاذيب والادّعاءات" في الصحافة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تعرّض البلد للخطر. وفي أواخر شهر كانون الثاني/يناير المنصرم، هدّد باتّخاذ "تدابير صارمة بحقّ كلّ من يحاول زعزعة استقرار البلاد".

ويخشى المدافعون عن حريّة التعبير أن تكون تحذيرات السيسي – وتصريحات النائب العامّ الأخيرة – مؤشّراً على تراجع المساحة الضيّقة أصلاً لحريّة التعبير في البلاد.

وقال الصحافيّ المصريّ وليد الشيخ المقيم في العاصمة الألمانيّة برلين، في مقابلة هاتفيّة مع المونيتور، إنّ "الدعوة إلى توجيه تهم جنائيّة لقوى الشرّ أمر غير مسبوق. فهذه ليست مهمّة المدّعين العامّين. توجد هيئات تنظيميّة في البلد تقضي مهمّتها بمراقبة الإعلام واتّخاذ التدابير الضروريّة بحقّ المنظّمات الإعلاميّة التي تنتهك قوانين الصحافة. تدفع التصريحات بالقضاء المصريّ إلى أزمة كبيرة، فهي تلفت أنظار العالم إلى المحاكمات المسيّسة التي تجري في مصر".

وقال الشيخ إنّ "قوى الشرّ مصطلح مبهم سيتيح للحكومة تكثيف هجومها على المعارضين".

وقالت للمونيتور صحافيّة تعمل في صحيفة الأهرام شبه الرسميّة، إنّ "تصاريح [النائب العامّ] أشبه بأمر زجري يعلن نهاية الصحافة الأخلاقيّة في مصر". واشتكت الصحافيّة، التي طلبت عدم الكشف عن اسمها خوفاً من تعرّضها لأعمال انتقاميّة، من أنّ "الصحافيّين لن يتمكّنوا بعد الآن من الاضطلاع بدورهم الرقابيّ ولا من تحدّي السلطات".

وفي محاولة لتهدئة مخاوف الصحافيّين، سعى نقيب الصحافيّين عبد المحسن سلامة إلى التخفيف من حدّة الأمر الصادر عن النائب العامّ بشأن تقييد الإعلام واصفًا إياه بـ"التدبير الوقائيّ". وشدّد على أنّه لن يقوّض حريّة الصحافة، لكنّه أضاف أنّ النقابة والنيابة العامّة تتّفقان على ضرورة مراقبة الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعيّ "من أجل حماية المصالح الوطنيّة".

منذ حزيران/يونيو 2013، وبشكل متزايد مؤخّراً، يتبنّى عدد كبير من الصحافيّين في مصر سياسة الدولة من أجل الحفاظ على وظائفهم أو استمالة "الوطنيّين" – وهي كلمة تُستخدم بشكل تهكّمي في مصر للإشارة إلى من يهلّلون للحكومة. وقالت الصحافيّة في صحيفة الأهرام، "سيتبع الصحافيّون الآن خطّ الحكومة من أجل تفادي خطر الملاحقة القانونيّة والاعتقال التعسفيّ".

وبحسب تقرير نشرته لجنة حماية الصحفيّين في شهر كانون الأول/ديسمبر، يقبع ما لا يقلّ عن 20 صحافيّاً في السّجون المصريّة. وأشار التقرير إلى أنّ قانون مكافحة الإرهاب "الشديد القسوة" في البلاد ساهم في تمهيد الطريق للهجوم المستمرّ على حريّة الصحافة. لكن أكّد سلامة أنّه ما من صحافيّين مسجونين في مصر بسبب عملهم.

واستمرّت مصر منذ أيار/مايو في منع النفاذ إلى المدوّنات والمواقع الإخباريّة الانتقاديّة في خطوة وصفها النقّاد بأنّها "هجوم ضخم على حريّة التعبير". ويجري بشكل دوري إضافة المزيد من المواقع الالكترونيّة إلى اللائحة. بحلول شهر أيلول/سبتمبر، تخطّى عدد المواقع الالكترونيّة المحظورة الـ420، بحسب مؤسّسة حريّة الفكر والتعبير، وهي منظّمة غير حكوميّة مقرّها القاهرة دقّت ناقوس الخطر بشأن البيئة الإعلاميّة التقييديّة بشكل متزايد.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسيّة، تبدو الحكومة أكثر عزماً من أيّ وقت مضى على القضاء على الممانعة وإسكات الأصوات الانتقاديّة نهائيّاً. ومؤخّراً، استدعى المدّعون العامّون سلمى علاء الدين، وهي محرّرة فيديو وناشطة في حركة شباب 6 أبريل، للتحقيق معها بشأن فيلم وثائقيّ كانت تشارك في إنتاجه واعتُبر أنّه ينتقد سياسات النظام. وصدر أمر باعتقال طارق زيادة، وهو محرّر فيديو كان يعمل على فيلم بعنوان "سالب 1095 يوم"، لمدّة 15 يوماً بتهمة "نشر الأكاذيب لإلحاق الضرر بمصالح البلد".

والمفارقة هي أنّ حملة الرقابة العنيفة طالت أيضًا بعض أكثر الأشخاص تأييداً للحكومة، مثل مقدّم البرامج الحواريّة التلفزيونيّة خيري رمضان. وتمّ توقيف برنامج رمضان التلفزيونيّ "مصر اليوم" على التلفزيون الرسميّ المصريّ، وصدر أمر باعتقال المقدّم لمدّة 24 ساعة رهن التحقيق بتهمة "إهانة الشرطة". ورفعت وزارة الداخليّة دعوى ضدّ رمضان بعد أن قرأ رسالة على الهواء من زوجة شرطيّ اشتكت فيها من "المصاعب في حياتها اليوميّة".

وقد جاء ردّ السيسي قاسياً. فقد أوضح أنّه ما من تساهل بتاتاً في ما يتعلّق بانتقاد الشرطة والجيش، واصفاً أيّ إهانات موجّهة إلى القوى الأمنيّة بأنّها "مساوية للخيانة العظمى".

وقالت الصحافيّة في صحيفة الأهرام، "تستخدم الحكومة كلّ الوسائل الممكنة لترهيب الصحافيّين. وقد تنجح تكتيكات التخويف في إسكات الصحافة المصريّة، لكنّها لن تتمكّن من إسكات الإعلام الأجنبيّ المستقلّ. فهذه التهديدات، إن أدّت إلى شيء، فستؤدّي إلى تغذية الانتقادات بشأن انتهاكات النظام للحقوق".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حرية الصحافة

At times, Al-Monitor withholds the bylines of our correspondents for the protection of our authors. Different authors may have written the individual stories identified on this page.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept