نبض فلسطين

المناظرات الشبابيّة في غزّة... ثقافة متنامية لمحاربة التعصّب وتعزيز مبادئ الحوار

p
بقلم
بإختصار
في محاولة لمحاربة التعصّب وتعزيز الحوار، تعمل مؤسّسات أهليّة مستقلّة في قطاع غزّة، على تشجيع المناظرات الشبابيّة بين أوساط الشباب والطلبة الجامعيّين الفلسطينيّين.

مدينة غزّة - في محاولة لمحاربة التعصب وتعزيز الحوار، تعمل مؤسّسات أهليّة مستقلّة في قطاع غزّة، على تشجيع المناظرات الشبابيّة بين أوساط الشباب والطلبة الجامعيّين الفلسطينيّين.

وتقوم فكرة المناظرات على تشكيل فريقين من الشباب، حيث يأخذ كل فريق وجهة نظر معارضة حول فرضيّة سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة محدّدة تطرحها المؤسّسة المنظّمة لهذه المناظرة، ويؤيّد أحد الفريقين الفرضيّة، فيما يعارضها الفريق الآخر، مع وجود لجنة تحكيم مكوّنة من شخصيّات أهليّة معروفة كحقوقيّين أو كتّاب أو أكاديميّين، يمنحون صوتهم في النهاية للفريق الذي يقدّم وجهة نظره في شكل أكثر إقناعاً وأقوى حججاً.

مؤسّسة "فلسطينيّات" وهي مؤسسة أهلية إعلامية، تسعى لدعم المشاركة الحقيقية والفاعلة للنساء والشباب الفلسطيني في جميع مستويات صنع القرار، ولتقديم خطاب إعلامي وسياسي بديل يحترم النوع الاجتماعي ووجهة نظر الجيل الشاب، كانت إحدى المؤسّسات التي تدعم ثقافة المناظرات في المجتمع الفلسطينيّ، من خلال تنظيم دوري مناظرات جامعات قطاع غزّة في كلّ عامّ.

تقول مديرة المؤسّسة وفاء عبد الرحمن لـ"المونيتور" إنّ مؤسّستها تنظّم منذ خمس سنوات هذا الدوري السنويّ بين خمس جامعات فلسطينيّة في غزّة بتمويل من المنظّمة الاشتراكيّة الدوليّة للأحزاب الاجتماعية الديمقراطية والاشتراكية والعمالية. وهي تجمع حالياً 140 حزباً ومنظمة سياسية من جميع أنحاء العالم.

ويسبق البطولة، يتلقى 30 طالباً وطالبةً جامعياً دورات تدريبيّة لتنمية قدراتهم على مناظرة الآخرين وكيفيّة تقديم وجهة نظرهم حول قضيّة ما بأسلوب مبنيّ على الأدلّة والبراهين.

وكانت "فلسطينيّات" اختتمت في 24 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي دوري مناظرات جامعات قطاع غزّة لعام 2017، بين فرق الجامعات الفلسطينيّة في غزّة، حول فرضيّة حملت عنوان "هذا المجلس يرى أنّ الانقسام الفلسطينيّ أطال عمر الاحتلال الإسرائيليّ"، إذ حصد فريق الجامعة الإسلاميّة في غزّة المؤيّد للفرضيّة، لقب بطل الدوري، بعد مناظرة خاضها مع فريق الكلّيّة الجامعيّة للعلوم التطبيقيّة في غزّة المعارض، والذي أيد الرأي أنّ الانقسام لم يكن السبب الرئيسيّ في إطالة أمد الاحتلال، إنّما فشل عمليّة التسويّة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل.

وبيّنت عبد الرحمن أنّ ثقافة المناظرات لا تزال فكرة حديثة في المجتمع الفلسطينيّ الذي يعاني من استشراء التعصّب الحزبيّ في ظلّ تعدّد الأحزاب السياسيّة الفلسطينيّة، إذ أنّ التعصّب يدفع الشبّان إلى تبنّي أفكار الحزب الذي ينتمون إليه، من دون التحقّق منها أو مناقشتها، مما يمنعهم الأخذ بعين الاعتبار وجهات النظر الأخرى أو حتى التسامح معها.

ولفتت النظر إلى أنّ المناظرات تهدف أيضاً إلى معالجة سلوكيّات سلبيّة بين الفلسطينيين، مثل تبنّي أشياءً دون التحقّق منها، عدم احترام الرأي المعارض، ومقاطعة حديث الطرف الآخر في شكل متكرّر، من دون منحه فرصة للتعبير عن وجهة نظره.

وأضافت عبد الرحمن: "لذا، فإنّ المناظرات تتيح للشباب فرصة الاستقصاء والتحرّي والبحث وفحص المعلومات حول القضيّة موضع النقاش، وبناء خطاب منطقيّ علميّ مبنيّ على البراهين والإقناع، واحترام وجهة النظر الأخرى".

قال الصحافيّ محمّد النجار (30 عاماً) الذي شارك كعضو في الفرق الشبابية المتناظرة، في ثلاث مناظرات شبابيّة منذ عام 2016 لـ"المونيتور" إنّ هذه التجربة الجديدة في حياته أضافت له الكثير من مبادئ الحوار، مثل حسن الاستماع إلى الآخرين، وتقديم حجج قويّة بأسلوب مقنع خلال دفاعه عن قضيّة معيّنة.

وقال: "هذه التجربة علّمتني أنّ وجهة نظري التي أتمسّك بها حول قضيّة ما قد تكون خاطئة إذا قمنا بالبحث عنها والتقصّي حولها، وإذا استمعنا إلى آراء الآخرين، وهذا من شأنه محاربة التعصّب، كما أضافت لي الجرأة والثقة بالنفس وكيفيّة صياغة خطاب قويّ ومقنع".

وقال أستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت في رام الله نشأت الأقطش لـ"المونيتور" إنّ نشر فكرة المناظرات الشبابيّة يعدّ أمراً مهمّاً للغاية، كونها تساهم في شكل كبير في تعزيز الحوار الإيجابيّ في المجتمع الذي لا يزال يعاني من تداعيات التعصّب الفكريّ، وأبرزها الاقتتال الداخليّ بين أكبر حزبين فلسطينيّين وهما حماس وفتح، والذي نتج عنه الانقسام الفلسطينيّ المستمرّ منذ عام 2007.

وأوضح الأقطش أنّ النظام العشائريّ الذي يحكم المجتمع الفلسطينيّ "عزّز فكرة التعصّب وعدم احترام الآراء الأخرى، إذ أنّ رأي شيخ القبيلة هو رأي جميع أفراد القبيلة، ولكن مع التطوّر التكنولوجيّ وانتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ، أصبحت هناك مساحة واسعة أمام الشباب للحديث والحوار والمناقشة مع الآخرين".

وأضاف: "أمام هذا الانفتاح على العالم، ساهمت المناظرات الشبابيّة في خلق جوّ جديد أمام الشباب لمشاركة المعلومات والآراء وتعزيز الحوار".

المعهد الفلسطينيّ للاتّصال والتنمية في غزّة وهو مؤسّسة مستقلة عقدت مناظرات شبابية في عامي 2016 و2017، أتاح الفرصة أمام الفرق الشبابية التي لا تشمل الطلبة فحسب، وأيضاً صحافيّين ونشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي لمساءلة فرق أخرى تتشكل من مسؤولين محليين.

يقول مدير المعهد فتحي صباح لـ"المونيتور": "استطعنا تحويل المناظرات إلى أداة مساءلة للبلديّات من خلال هذه الفكرة، ويهدف ذلك إلى تعزيز ثقافة مساءلة الجمهور للبلديّات في ظلّ تعطّل دور المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ".

وأوضح أنّه خلال عام 2017، نفّذ أربع مناظرات استهدفت 30 شخصاً من طلبة وصحافيّين ومسؤولين محلّيّين، مشيراً إلى أنّ هذه المناظرات يتمّ تمويلها من لجنة الانتخابات المركزيّة الفلسطينيّة (رسميّة تتبع السلطة الفلسطينيّة)، والائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" (أهليّة).

وبيّن صباح أنّ معهده الآن في طور استحداث تطوير جديد على هذه المناظرات، من خلال عقدها بين فرق شبابيّة وفرق من المسؤولين الحكوميّين كالوزراء ووكلاء الوزارات، وتتناول قضايا حياتيّة وخدماتيّة تهمّ المواطنين مثل أزمة الكهرباء.

ولفت النظر إلى أنّ تعزيز ثقافة الحوار وتقبّل وجهة النظر الأخرى لا يزال في بدايته، على الرغم من عامين من العمل، وقال: "نحن في حاجة إلى المزيد من العمل خلال السنوات المقبلة، حتّى نستطيع إحراز تقدّم وإحداث تغيير في هذه الثقافة".

تساعد مسألة تعزيز الحوار والمساءلة وتقبّل الآراء المختلفة في المجتمع في شكل جيّد، في بناء مجتمع ديمقراطيّ، ولكن يتوجّب أن تشارك المؤسّسات الرسميّة كافّة في المجتمع في نشر هذه الثقافة، وعدم إبقاء هذه المهمّة على كاهل المؤسّسات الأهليّة فقط.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : التعليم

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept