نبض تركية

رسّامو الجرافيتي في تركيا: رجال أعمال في النهار ومتمردين في الليل

p
بقلم
بإختصار
بدأ رسّامو الجرافيتي (فن الكتابة على الجدران) في تركيا بالإنفتاح على عالم الشركات بعد اكتساحهم المتاحف والمعارض الفنية.

ليس من السهل الحصول على حديث مُسجل من فنان جرافيتي متخفي، حتى في مدينة إزمير الهادئة في منطقة إيجيه حيث تغضّ الشرطة الطرف عن فناني الجرافيتي. فبعد تطمينات وتأكيدات عدة على استخدام "توقيعه" فقط وعدم التقاط أي صور تظهر وجهه، وافق نكونين على لقائنا في مقهى سُمي دوفار، أي "الجدار" باللغة التركية.

وقال نكونين لـ"المونيتور": "يعرفونني جيدًا هنا"، موضحًا أنه قام برسم الجداريات الثلاثة بالأسود والأبيض في هذا المكان. تُظهر إحدى هذه الجداريات صورة الرسّامة المكسيكية فريدا كاهلو، في رسم كلاسيكي يتناقض مع أسلوب رسم الصور الكاريكاتورية وبقع الألوان التي تجسّد نمط الأعمال الفنية في الشارع. ويرتاد نكونين كلية الفنون الجميلة في جامعة دوكوز إيلول في الفترة الصباحية، ويلبي طلبات رسم جداريات في فترة ما بعد الظهر. أما في اليل، فهو رسّام جرافيتي متخفّي. قبل عام، وفي ذروة حالة الطوارئ في تركيا، أطلق العنان لموهبته في رحلة من الرسم في وسط مدينة إزمير مع زميلين سلوفاكيين من فرقة رسم تُعرف باسم راسكلز أي "الأنذال". ترسم الفرقة الجدرايات على القطارات وعربات المترو في جميع أنحاء العالم وتُصور أعمالها في أشرطة فيديو بعنوان " العرض يجب أن يستمر." وقال نكونين: "قبضت الشرطة على أحد زملائي وتم ترحيله. تمكنت من الفرار مع زميلي الآخر. في هذه اللحظة، شعرت بأنني حيّ حقًا."

وتابع نكونين، الذي ولد في منطقة إشرف باشا المحرومة في إزمير، قائلاً: "إن رسم الجداريات في الليل هو شغفي الحقيقي. ولكنني أحتاج المال لشراء البخاخات. لذا يجب علي العمل خلال النهار ،" مشيرًا إلى أنه مثل شباب حيّه، لطلما كان متمردًا. وأضاف: "كنت أستمع لموسيقى الراب وأرسم على الورق صورًأ غريبة". عندما أرسله والديه للإلتحاق بدورة في اللغات في لندن، رأى الجداريات ورسومات الجرافيتي في محطّات المترو، وخاصة في المناطق الأكثر فقرًا. عندما عاد إلى تركيا عام 2009، كان عازمَا على أن يصبح فنان جرافيتي.

أوصلته محاولته الأولى للرسم على الجدران في أنقرة إلى مركز للشرطة. يشرح نكونين ما حصل قائلاً: "إعتقد الجيران أننا كنا نرسم شعارات سياسية، لذا أبلغوا رجال الشرطة بأمرنا. فتم القبض علينا ونقلنا على الفور الى مركز الشرطة. عندما فسّرنا لرجال الشرطة أنه ليس لدينا أي نية في رسم أي شعار سياسي وأننا ببساطة كنا نرسم توقيع الجرافيتي الخاص بنا، بدوا أكثر غضبًأ. وقال لنا أحدهم: "لماذا تُشغلوننا بملاحقتكم طوال الليل فيما أنتم لا تريدون كتابة أي شيء سياسي؟""

وتعاملت الشرطة بسلاسة أكبر مع نكونين فيما حُكم على تونش دينداش بالسجن لمدة سنة واحدة قبل نحو 30 عامًا. ويبلغ دينداش من العمر 46 عامًا ويلقّب في هذا الوسط باسم "Turbo" أو "أبو الجرافيتي في إسطنبول"، وقد إشتهر بعد أن أصبح أول فنان جرافيتي تركي يشارك في معرض بينالي اسطنبول، أهم حدث فني في تركيا، في 2005.

ويقول دينداش لـ "المونيتور": "تم القبض علي وأنا أرسم على جسر سكة حديد [في اسطنبول]. في ذلك الوقت كانت الشرطة تتعامل من دون رحمة مع كل من كان يكتب شعارات سياسية على الجدران العامة. وكان رجال الشرطة يلاحقون بشكل خاص كل من يرسم شعارات مؤيدة للشيوعية وقد إعتبروا أن توقيعي يشبه أسم أحد الأحزاب الشيوعية. لذلك تم محاكمتي بتهمة تدمير الممتلكات العامة والدعاية السياسية لحزب محرم بعوقبة السجن خمس سنوات [كانت الأحزاب الشيوعية محظورة في تركيا في ذلك الوقت]. ولحسن الحظ كنت قاصرًا ولم يكن لدي سجل جنائي، لذلك حكمني القاضي بالسجن لمدة سنة واحدة، وإستُبدل العقاب بغرامة مالية ".

اليوم، توربو مشهور جدًا ولا يمكنه التخفيّ في الليل لممارسة هوايته. وتظهر أعماله في كل مكان، من المعارض الفنية والمتاحف وأشرطة الفيديو إلى إعلانات الشركات الكبيرة مثل شركة الاتصالات التركية توركسل وريد بول الرائدة في مجال مشروبات الطاقة. ويضيف": "لقد تغيّر وسط عالم الجرافيتي كثيرًا عما كان عليه عندما بدأت رحلتي الفنية. فهناك العديد من رسامي الجرافيتي الجيّدين في العديد من المدن المختلفة في أنحاء تركيا. كما وأصبح هناك العديد من المحلات التجارية التي تبيع المواد اللازمة لهذا الفن. عندما بدأت الرسم، لم أكن أملك سوى بعض البخاخات باللون الأبيض التي كنت أجدها في متاجر الخردوات – وهو نوع من الطلاء يستخدم على الثلاجات البيضاء." ويتابع قائلاً: "اليوم يمكن للناس رؤية رسومات الجرافيتي من خلال شبكة الإنترنت ويمكن للفنانين نشر صور أعمالهم على مواقع التواصل. كما هو الحال بالنسبة لأي أمر آخر، تم تدويل فن الجرافيتي ".

ويصف توربو اسطنبول كمركز هام لفن الجرافيتي، تمامًا مثل برلين أو برشلونة، إذ تنتشر أعمال فنية جديدة ومثيرة في أجزاء مختلفة من العاصمة التي تحتضن 15 مليون نسمة. وتقوم البلديات المحلية برعاية العديد من هذه الجداريات. أما بلدية كاديكوي، التي تطمح بالظهور كحي برجوازي بوهيمي جديد على الجانب الآسيوي من المدينة، فتنظم مهرجان دولي سنوي للوحات الجدارية وفن الجرافيتي يجمع بين الفنانين الأتراك والعالميين.

وفيما شكّل الربيع العربي المحطة الأبرز بالنسبة لفناني الكتابة على الجدران والشوارع الجمالية في الشرق الأوسط، أطلق رسامو الجرافيتي التركيين العنان لموهبتهم خلال أحداث منتزه غيزي عام 2013 حيث شهدت تركيا أكبر موجة من الاحتجاجات في التاريخ التركي الحديث حين تظاهر مئات الآلاف في الشارع للإحتجاج على إغلاق حديقة في اسطنبول. وعلى الرغم من وحشية الشرطة وإستخدام الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه، وجد المتظاهرون طرقًا خلاقة للاحتجاج على مدى عدة أشهر، بما في ذلك رسم الشعارات والصور النافرة.

وبرز عملان فنيّان كرمزِ دولي لهذه الإحتجاجات. اللأول هو رسم لإمرأة باللون الأحمر، يُجسد شايدا سونغور، المتظاهرة التي رشّها رجال الشرطة بالزذاذ المسيل للدموع والثاني هو رسم صورة الرئيس إردوغان مع شعار "كل يوم، أنا جابولجي." وقد إستحدث المحتجين هذا الشعار للرد بسخرية على رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت الذي وصف المحتجين بكلمة "جابولجو" أي النهّابين باللغة التركية.

وتعليقًا على أحداث تموز / يوليو 2013 يقول نكونين "شعرت بالسعادة عندما بدأت الاحتجاجات تشتعل في جميع أنحاء تركيا. جمعت كل بخاخاتي من المنزل، وخرجت للرسم في ضوء النهار الساطع. لم أكن أملك الكثير من البخاخات فقمت ببساطة برسم شعار "إزمير" بأحرف ضخمة. وكان المتظاهرون يتوقفون أمام الجدار الذي رسمت عليه لإلتقاط الصور ".

وتمكّن نكونين من إضافة شعار "ميدان تقسيم في كل مكان". ويسأل نكونين متوجهًا لإردوغان "هل تريد مشروب الراكي من دون ثلج؟" للسخرية من الرئيس الممتنع عن المسكرات والذي أطلق حملة قوية ضد استهلاك الكحول في تركيا. يبدو أن أحداث غيزي سمحت لفناني الجرافيتي التركيين بقطع أشواط [في مجال الحرية عن التعبير].

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : فن الشارع

Nazlan Ertan is Al-Monitor's culture editor. She is a Turkish blogger, journalist and editor who has worked in Ankara, Paris and Brussels for various Turkish and international publications, including the Hurriyet Daily News, CNN Turk and BBC Turkish Service. She served as culture and audiovisual manager for the European Union delegation to Turkey, director of the EU Information Centre in Ankara and director of communication, culture and information in Turkey’s Ministry for European Affairs.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept