نبض تركية

فجوة كبيرة بين تركيا والولايات المتحدة رغم التقدم على الورق

p
بقلم
بإختصار
قد تكون زيارة وزير الخارجية ريكس تيلرسون ساهمت في تجنب صدام كبير بين أنقرة وواشنطن، إلا أن الوضع المتقلب في سوريا سيضمن استمرار هشاشة العلاقات بين الطرفين.

بحسب محلل تركي، إن زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى أنقرة في 16 شباط / فبراير على خلفية التوترات غير المسبوقة بين البلدين قد أدت إلى تجنب "تحطم قطار العلاقات". وبحسب دبلوماسيين محنكين، تجري الآن بدلا من التهديدات العلنية أو شبه العلنية بين الجانبين محادثات وصفوها بالتطور الإيجابي.

وفي مقال نشرته صحيفة حريت، أشار السفير المتقاعد أوغوز تشيليكول إلى أن مستشار الأمن القومي الأمريكي ه.ر. ماكماستر كان قد سبق تيلرسون والتقى المستشار الرئيسي للرئيس رجب طيب أردوغان إبراهيم كالين في اسطنبول، علما أنه قبل زيارة تيلرسون، كانت قد أجريت محادثات بين وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس ونظيره التركي نوريتين كانيكلي في بروكسل على هامش قمة الناتو. وأضاف تشيليكول: "لقد تحسنت الأجواء بين العاصمتين مقارنة بالأسبوع الماضي، وذلك من أجل إصلاح العلاقات وتطبيعها، وإعادة الثقة بين الطرفين".

إلا أن محادثات تيلرسون الموسعة مع أردوغان ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو لم تتمخض سوى عن عدد قليل من الحلول الملموسة للقضايا الخلافية، هذا إن أدت إلى حلول. وقد وجهت المحادثات كل من الطرفين نحو فهم عام مفاده أنه هناك حاجة إلى تطبيع العلاقات، فاتفق الجانبان على تطوير ما أسمياه بـ "الآليات" التي سيتم تنفيذها بحلول منتصف مارس / آذار لمعالجة القضايا العالقة. في هذا الإطار، سارع المحللون المؤيدون للحكومة إلى القول إن حديث أردوغان الصارم وتحذيرات جاويش أوغلو المروعة هما عاملان أجبرا الجانب الأمريكي على السعي لحل مشاكله مع أنقرة.

أما أردوغان فرد بغضب الأسبوع الماضي على الجنرال الأمريكي الذي هدد بالرد بقوة على أي تحرك تركي قد يعرض القوات الأمريكية أو مقاتلي وحدات حماية الشعب التي تدعمها الولايات المتحدة في منبج في شمال سوريا للخطر. وقال: "من يقولون إنهم سيجيبون في حال استهدافهم، لم يذوقوا بعد طعم الصفعة العثمانية"، وهي عبارة تركية استخدمها للدلالة على صفعة قاتلة أو قاضية.

وكان جاويش أوغلو قد قال قبل زيارة تيلرسون إن العلاقات التركية الامريكية وصلت إلى مرحلة إما "تتحسن او تنهار تماما" فيها، مضيفا إن تركيا لن تتسامح مع وعود الولايات المتحدة الفارغة.

أما محمد أسيت، وهو كاتب عمود مؤيد للحكومة يكتب في صحيفة يني شفق، فقال إن هناك سببين اثنين وراء زيارة تيلرسون لأنقرة. الأول، كما قال، هو عزم تركيا في عملياتها ضد وحدات حماية الشعب في عفرين، والثاني هو إعلان أنقرة أن عملية عفرين ستمتد إلى منبج وما بعد منبج، حتى الحدود العراقية وإلى المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب بدعم من الولايات المتحدة. وأضاف أسيت: "عندما أظهرت تركيا قوتها على الأرض، ألقت بظلالها على طاولة الدبلوماسية، فاضطرت واشنطن الى التصرف وفقا للوضع الجديد".

هناك أيضا من اعتبر أن حاجة واشنطن المتواصلة إلى تركيا نظرا لموقع تركيا الاستراتيجي واستضافتها أصول عسكرية أمريكية حيوية أجبر إدارة دونالد ترامب على حل القضايا العالقة بين الطرفين. لكن مهما كان السبب الذي دفع تيلرسون إلى زيارة أنقرة، يبقى هناك عقبات رئيسة تعكر صفو أي محاولة لتطبيع العلاقات، خاصة فيما يتعلق بسوريا.

تجدر الإشارة إلى أن تركيا قد وضعت قائمة طويلة من المطالب تشمل القضية الشائكة المتمثلة في تسليم فتح الله جولن الواعظ الإسلامي المقيم في بنسلفانيا والذى كان العقل المدبر للانقلاب الفاشل ضد أردوغان في عام 2016 بحسب أنقرة. كما تريد تركيا من الولايات المتحدة إنهاء تحالفها مع وحدات حماية الشعب واستعادة الأسلحة منها، نظرا إلى أن أنقرة تعتبر وحدات حماية الشعب كمنظمة إرهابية كردية.

إلا أن هاجس أنقرة الفوري هو تخليص منبج وأراضي شرق نهر الفرات من وحدات حماية الشعب، علما أن القوات الأمريكية التي تدعم وحدات حماية الشعب منتشرة في تلك المناطق أيضا. وقد حذر أردوغان من أنه إذا لم تتخذ الولايات المتحدة الإجراءات التي تريدها أنقرة فستقوم تركيا باتخاذها.

وقالت مراسلة حريت في واشنطن كانسو كامليبيل لدى تقييمها زيارة تيلرسون: "في ظل اجتماع المسؤولين الأتراك والأمريكيين لتضييق الفجوة بين الطرفين في خلال الأسابيع والأشهر القادمة، من المتوقع أن تعلق أنقرة هجومها المحتمل على منبج".

وقال تيلرسون في خلال مؤتمره الصحفي مع جاويش أوغلو في أنقرة، حيث تقصد كل منهما التأكيد على أهمية الحفاظ على "الشراكة الاستراتيجية"، إن منبج ستكون مسألة ذات أولوية، ليضيف: "إنها من المجالات الأولى التي سنعمل عليها. لدى الولايات المتحدة التزامات تجاه تركيا، ونحن لم نستكمل التزامنا بهذه الالتزامات بعد".

ويبدو أن تصريحاته تشير إلى أنه من الممكن التوصل إلى توافق حول مدينة منبج، بعكس ما تقوله واشنطن.

بحسب جاويش أوغلو، إن الهدف الأول هو دفع وحدات حماية الشعب خارج منبج شرق الفرات، غير أنه أعرب في خلال تصريحاته الافتتاحية في المؤتمر الصحفي عن عدم ثقة تركيا في الولايات المتحدة. وأضاف: "هناك بعض الوعود التي لم يتم الاحتفاظ بها، وهناك بعض القضايا التي لم نتمكن من حلها. من هذا المنطلق، نريد أن نركز على كيفية اتخاذ خطوات تهدف إلى إيجاد حلول لكي لا تكون القضايا مقتصرة على الورق".

في خلال المؤتمر الصحفي، لم تظهر سوى تفاصيل قليلة، لكن في أثناء تواجد تيلرسون في أنقرة، ذكرت رويترز إن تركيا اقترحت نشر القوات التركية والأمريكية بشكل مشترك في منبج. ونقلت الصحيفة عن مسؤول تركي لم تذكر اسمه قوله إن "مثل هذا الانتشار لن يحدث إلا إذا انسحب مقاتلو وحدات حماية الشعب أولا من منبج إلى مواقع على الضفة المقابلة لنهر الفرات المجاور".

يطرح هذا الاقتراح بحسب كامليبل أسئلة عديدة نظرا لاستمرار الاعتماد الأمريكي على مقاتلي وحدات حماية الشعب، إذ سيكون "من الصعب على إدارة ترامب تسويق الاقتراح التركي لدى القادة الأمريكيين على الأرض بهدف دفع وحدات حماية الشعب من منبج ونشر القوات التركية والأمريكية بدلا منها".

أما ما سيحدث شرق الفرات، حتى لو تم التوصل إلى اتفاق حول منبج، فيطرح سؤالا آخرا. وقد أشارت واشنطن إلى أنها تخطط للبقاء في سوريا في المستقبل المنظور. وبالتالي، من غير المرجح أن تتنازل عن أراضي شرق الفرات التي تحتلها وحدات حماية الشعب بدعم من وحدة عسكرية أمريكية كبيرة. وما زالت مسألة منبج مشكلة قائمة تنتظر حلا، في حين يشير البعض إلى أن واشنطن تلعب على الوقت من خلال تصريحات تيلرسون حول الموضوع لأنها ترى أن عملية تركيا في عفرين بحاجة إلى أشهر لكي تنجح، وأن الوضع العام قد يتغير في هذا الوقت بالنسبة لأنقرة.

يبدو أن الوضع في عفرين بات أكثر تعقيدا بالنسبة لتركيا في ظل تقارير تفيد بأن النظام يرسل قوات إلى عفرين تلبية لطلب وحدات حماية الشعب. إذا كان ذلك صحيحا، قليلون يصدقون أن يكون قد حدث ذلك من دون موافقة روسيا.

أما ظهور هذه التقارير فور زيارة تيلرسون فيطرح أيضا مسألة ما سيكون عليه الرد الروسي في حال توصل كل من أنقرة وواشنطن إلى اتفاق على أي من أجزاء شمال سوريا، وقد تفسر موسكو ذلك على أنه حالة أخرى من التذبذب التركي يجعل منها شريكا لا يمكن لروسيا الاعتماد عليه، علما أن معضلة تركيا هي أنها لا تستطيع إغضاب روسيا في الوقت الراهن.

في الوقت نفسه، إن استمرار الوضع السياسي والعسكري الغامض في سوريا وإمكان حصول تطورات غير متوقعة هما عاملان قد يهددان أي تقدم في حل الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة، علما أنه من المفترض أنهما "شريكان استراتيجيان،" إلا أن تصرفهما أشبه بخصمين وليس بصديقين، والعداء كفيل باستمرار هشاشة العلاقات بين الطرفين.

في حين قد تم تجنب كارثة في العلاقات الأمريكية الأمريكية في الوقت الحاضر، لا يوجد ما يضمن عدم ظهور توترات جديدة في حال فشلت "الآليات" الجديدة في التوصل إلى حلول قابلة للتطبيق.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : recep tayyip erdogan, turkish intervention in syria, manbij, afrin, ypg, us-turkish relations, rex tillerson
What to read next
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept