أمّ الفحم مدينة شوارعها من دون أسماء ولا عناوين

تعرقل السلطات الإسرائيليّة منذ 5 سنوات تسمية أكثر من 300 شارع في مدينة أمّ الفحم، بسبب تسمية بعضها برموز وطنيّة وسياسيّة فلسطينيّة.

al-monitor .

فبر 26, 2018

رام الله – الضفّة الغربيّة: تعيش مدينة أمّ الفحم، كبرى المدن الفلسطينيّة داخل الخطّ الأخضر في إسرائيل (جميع سكّانها من الفلسطينيّين المسلمين)، في معاناة مستمرّة منذ 5 سنوات، بسبب عرقلة السلطات الإسرائيليّة تسمية شوارعها، حيث ابدت وزارة الداخليّة الإسرائيليّة موافقتها مؤخراً على بعض اسماء الشوارع، واعترضت على أسماء اخرى كونها ستسمى باسماء ذات رمزية فلسطينية.

ومن المقرر ان تعقد بلدية ام الفحم جلسة مع وزارة الداخلية الاسرائيلية الاسبوع المقبل (نهاية شهر شباط/فبراير)، من اجل نقاش الاسماء التي ترفضها الوزارة، في محاولة للتوصل الى اتفاق نهائي يشمل اسماء الشوارع المقترحة كلها، للشروع بالعمل في تسمية الشوارع في المدينة، وذلك وفق ما كشفه نائب رئيس بلدية ام الفحم بلال اغبارية لـ"المونيتور".

وتعدّ أمّ الفحم من أكثر المدن الفلسطينيّة داخل الخطّ الأخضر اكتظاظاً بالسكّان (نحو 60 ألف نسمة)، بينما تبلغ مساحتها نحو 26 ألف دونم، وتنتمي الأغلبيّة العظمى من سكّانها إلى 4 عائلات كبيرة هي: إغباريّة وجبارين ومحاجنة ومحاميد، ويشكّل غياب أسماء لشوارع المدينة حرماناً من آلاف صناديق البريد، الأمر الذي يتسبّب بأزمة مستمرّة ينجم عنها عدم وصول نحو ثلث البريد الذي يصل إلى المدينة، بسبب تشابه الأسماء بين الآلاف من السكّان، وعدم القدرة على إيصال البريد والطرود إلى المواطنين.

وكانت بلديّة أمّ الفحم قد بدأت في آذار/مارس من عام 2013 بمشروع لتسمية الشوارع وترقيم البيوت في المدينة، وتقدّمت آنذاك بقائمة مكوّنة من 300 اسم إلى وزارة الداخليّة الإسرائيليّة لإطلاقها على شوارع المدينة، لكنّ الوزارة تماطل في الموافقة عليها منذ ذلك الوقت، وفق ما أشار إليه نائب رئيس بلديّة أمّ الفحم بلال إغباريّة لـ"المونيتور"، الذي قال لـ"المونيتور" أيضاً: "بعد مماطلة استمرّت 4 سنوات، عقدت بلديّة أمّ الفحم جلسة مع وزارة الداخليّة الإسرائيليّة في 21 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2017 لمعرفة أسباب رفضها أسماء الشوارع التي تقدّمت بها، فأخبرتنا أنّ لديها اعتراضاً على عشرات الأسماء المقترحة، وأرسلت إلينا في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2017 رسالة وافقت من خلالها الوزارة على 247 اسماً، وطلبت تعديل 13 اسماً، ورفضت 40 اسماً بشكل مطلق".

وتمثّل الاسماء التي رفضتها وزارة الداخليّة الاسرائيلية شخصيّات وطنيّة وسياسيّة فلسطينيّة، مثل الشاعرين محمود درويش وراشد حسين، والرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات، وكذلك أسماء القرى الفلسطينيّة التي دمّرت وهجّر أصحابها في عام 1948 مثل قرى صبارين وخبيزة والطنطورة وأمّ حنون وأسماء رؤساء بلديّة أمّ الفحم السابقين كتوفيق عسليّة (اول رئيس بلدية لام الفحم) وأحمد أبو حشسش (ثاني رئيس لبلدية ام الفحم) أو أسماء قادة ثورة عام 1936 مثل يوسف الحمدان وعز الدين القسام الذي قاد ثورة ضد الانتداب البريطاني في فلسطين، وفق ما قاله بلال إغباريّة.

ودأب الفلسطينيّون على إطلاق أسماء الزعماء الوطنيّين أو الشهداء على شوارع المدن والقرى وميادينها سواء أكان داخل الخطّ الأخضر أم في الضفّة الغربيّة أم في قطاع غزّة، لأنّهم يعتبرون ذلك قيمة ثقافيّة ووطنيّة تدلّل على تمسّكهم بهويّتهم القوميّة والفلسطينيّة، وهو الأمر الذي تحاربه إسرائيل وتعتبره جزءاً من التحريض الفلسطينيّ على العنف، في حين لا تعارض إطلاق أسماء شخصيّات إسرائيليّة دعت إلى تصفية العرب وطردهم على شوارع في المدن ذات الأكثرية اليهودية.

ومن المقرّر أن تعقد بلديّة أمّ الفحم جلسة مع وزارة الداخليّة الإسرائيليّة في نهاية شباط/فبراير للضغط عليها بشأن الأسماء المرفوضة، حسب إغباريّة، الذي قال: "لا يوجد مبرّر لرفض إطلاق اسم ياسر عرفات مثلاً على أحد الشوارع، ألم يحصل على جائزة نوبل للسلام ووقّع اتفاقيّة اوسلو للسلام وصافح إسحاق رابين وشمعون بيريز؟ لكن لماذا تسمح وزارة الداخليّة بإطلاق اسم الوزير الإسرائيليّ الأسبق رحبعام زئيفي الذي دعا إلى طرد العرب على الكثير من الشوارع في إسرائيل؟". جرى اطلاقه على الشارع رقم 90، وهو أطول شارع في إسرائيل.

عدم وجود عناوين وأسماء للشوارع في مدينة أمّ الفحم أثّر سلباً على حياة السكّان بشكل كبير، كونهم يعانون من عدم وصول البريد إليهم، إذ قال إغباريّة: ان "على سبيل المثال قد يحصل مواطن من أمّ الفحم على مخالفة مروريّة يستوجب دفعها، ويتمّ إرسالها إليه بالبريد، لكن عدم وصولها يؤدّي إلى تراكمها وفرض متأخّرات عليها بسبب عدم دفعها قد تصل إلى عشرات آلاف الشواقل".

ويضطرّ سكّان المدينة إلى استخدام أوصاف معقدّة للتدليل على عناوين منازلهم أو محلاّتهم التجاريّة، كقربها من مسجد ما أو متجر كبير، الأمر الذي يخلق صعوبات لزوّار المدينة ومتسوّقيها من القرى المجاورة، والذين يقدّر عددهم بـ60 ألف زائر يوميّاً، وفق إغباريّة، كون ام الفحم من اكبر المدن العربية، وتعتبر مركزا تجاريا مهما للبلدات والقرى العربية المحيطة بها، والذين يقصدونها بشكل يومي.

ورغم أنّ وزارة الداخليّة الإسرائيليّة وافقت على 247 اسماً، إلاّ أنّ بلديّة أمّ الفحم تحتاج إلى موافقة الوزارة بشكل كامل على أسماء الشوارع وترقيم البيوت حتّى تبدأ بالعمل على الأرض، إذ قال إغباريّة: "نحن جاهزون لترقيم البيوت وتسمية الشوارع، وسنبدأ بالعمل بعد الموافقة الكليّة".

أضاف إغباريّة: "إذا ما أصرّت الداخليّة الإسرائيليّة على رفض الأسماء، سيتمّ تشكيل لجنة من البلديّة للبحث في الأمر. وعندئذ ستقرّر إمّا أن تصرّ على الأسماء وترفع قضيّة ضدّ وزارة الداخليّة في المحاكم الإسرائيليّة أو تقرّر تغييرها بأسماء أخرى".

من جهته، قال النائب العربيّ في الكنيست، والذي ينحدر من أمّ الفحم، يوسف جبارين لـ"المونيتور": "إنّ تسمية شوارع مدننا ليست قضيّة تقنيّة، بل تعكس تاريخنا وثقافتنا وهويّتنا الوطنيّة، وهي أداة مهمّة لترسيخ الذاكرة الوطنيّة لدى الأجيال المتعاقبة، وإسرائيل تعي هذا جيّداً، وتهدف إلى حرماننا من حقّنا في تسمية شوارعنا برموزنا الوطنيّة والقوميّة".

وتابع يوسف جبارين: "الرفض الإسرائيليّ لهذه الأسماء هو جزء من السياسة الإسرائيليّة الرامية إلى التنكّر لهويّتنا الفلسطينيّة الوطنيّة وسياسات تجهيل أجيالنا المقبلة، وطمس الرواية الفلسطينيّة وأسماء قادتها".

لطالما عبّر الفلسطينيّون عن تمسّكهم بذاكرتهم الوطنيّة وأسماء قادتهم ورموزهم وشهدائهم بتخليدها في الشوارع والميادين والحارات، وهو الأمر الذي أزعج السلطات الإسرائيليّة التي تسعى إلى طمس تلك الذاكرة ومحو مكوّناتها وأسمائها، ويعدّ معركة من نوع آخر مفتوحة بين الطرفين.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020