نبض العراق

مع اقتراب وعد الانتخابات، تتصاعد الحملات العدائيّة ضدّ المرجعيّة الشيعيّة في العراق

p
بقلم
بإختصار
تزداد موجة الهجوم على المرجع الشيعي الاعلي السيد علي السيستاني كل ما يقترب موعد الانتخابات، ضمن حملة سياسية لتحميل السيستاني عبأ الفشل والفساد الجاري في الحكومة العراقية.

النجف، العراق - لم يكن الاعتداء على ممثّل المرجع الشيعيّ الأعلى علي السيستاني الشيخ عبد المهدي الكربلائيّ في 26 كانون الثاني/يناير من عام 2018، حين هاجمه شخص وهو يلقي خطبة الجمعة، مفاجأة لمن يتابع مسلسل الهجوم على المرجعيّات الدينيّة في العراق، والذي تنوّع في فعاليّات تدوينيّة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، أبرزها إنشاء صفحة وهميّة في 8 أيّار/مايو من عام 2017 تحمل اسم المرجع الأعلى السيستاني، الأمر الذي نفاه مكتبه، أو مقالات وأخبار في وسائل الإعلام، فضلاً عن نشاطات ميدانيّة مسلّحة تستهدفها كتلك التي حدثت في 12 شباط/فبراير من عام 2018 حين تمكّنت الأجهزة الأمنيّة الاستخباراتيّة بمحافظة ذي قار من تفكيك جماعات دينيّة تقوم بأعمال مسلّحة وغير مسلّحة لاستهداف رجال دين بارزين.

وفي حين أرجع البعض حادثة الاعتداء على عبد المهدي الكربلائيّ إلى جماعات شيعيّة منشّقة عن مرجعيّة النّجف، وأكّد محافظ كربلاء عقيل الطريحي في 27 كانون الثاني/يناير من عام 2018 أنّ "نشاطات الجماعات المنحرفة تقف وراء الاعتداء"، فسّرت وسائل إعلام "سنيّة" في 28 كانون الثاني/يناير من عام 2018 الاعتداء بأنّه رسالة من عموم العراقيّين إلى المرجعيّة، تقول: "طفح الكيل... كفاكم ممارسات طائفيّة"، وتدلّ على حالة السأم التام من تصرّفات المرجعيّة تجاه الشيعة والسنَّة.

وسبق أن ظهرت محاولات عدّة لاستهداف المرجعيّة منذ عام 2003 إلى ظهور داعش في عام 2014، ومنها نجاة أحد معتمدي المرجع السيستاني في عام 2012 من هجوم بقنبلة يدويّة ألقاها مجهول أمام مسجد، ولكن تضاءلت بسبب الانشغال بـ"داعش" لتعود بقوّة في الآونة الأخيرة. وفي 30 تمّوز/يوليو من عام 2017، أحبطت الأجهزة الأمنيّة مخطّطاً وصفته بـ"الهجوم الإرهابيّ الكبير"، كان يستهدف مراقد أئمّة الشيعة في النّجف الأشرف وكربلاء وسامراء، إضافة إلى منزل المرجع السيستاني، الأمر الذي يطرح الأسئلة عن الجهات التي تقف خلفها، والعمل على استنهاضها في هذا التوقيت.

ومن هذه الحملات، ما نشرته صحيفة "العرب" في كانون الثاني/يناير الماضي، ويصف مدينة النجف التي توجد فيها المرجعيّة بأنّها حاضنة للأحزاب الدينيّة الفاسدة.

وطالب عشرات المواطنين في محافظة النّجف بـ16 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 خلال تظاهرة نظّموها، المرجعيّة بإصدار فتوى شرعيّة ضدّ الفساد. وفي 29 كانون الثاني/يناير من عام 2018، نشرت صحف سنيّة أنّ حماية وكيل المرجعيّة الشيعيّة مهدي الكربلائي قتلت الشاب المنتفض الذي احتجّ على سكوت المرجعيّة عن الأوضاع المتردّية في العراق، في تأكيد أنّ هناك حملة منظّمة ضدّ المرجعيّة.

وفي محاولة واضحة لتكريس مفهوم تخلّي المرجعيّة عن التدخّل في القضايا المصيريّة، اعتبر تقرير في 23 أيلول/سبتمبر من عام 2017 أنّ المرجعيّة التزمت الصمت حيال قضيّة استفتاء إقليم كردستان، وأنّ ممثّلها في كربلاء بدا منشغلاً في أمور أقلّ أهميّة.

ومقابل هذه الاتهامات المتراكمة ضدّ المرجعيّة، تحفّظ ممثّلوها في محافظات العراق الذين اتّصل بهم "المونيتور" عن إبداء أيّ توضيح عن الجهات التي تقف وراء هذه الحملة، ففي اتصال مع أحد مكاتب المرجعيّة في النّجف، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أشار إلى أنّه "لا يريد تسمية الجهات التي تقف وراء الهجمات، طالما أنّ مكتب المرجع الأعلى لم يحدّد جهة ما".

وتكرّر الأمر نفسه مع ممثّل مكتب المرجعيّة في كربلاء، فأشار في اتصال هاتفيّ إلى أنّه "يرفض التصريح في الصحف". ويبدو أنّ هناك توجّهاً عامّاً لعدم التفاعل مع أسئلة وسائل الإعلام حول قضيّة الاعتداء على الكربلائيّ تحديداً.

وعزا الكاتب والمحلّل السياسيّ جاسم الموسوي أسباب هذا النأي عن التصريح إلى أنّ "هناك مركزيّة صارمة لدى وكلاء المراجع في الالتزام بتعليمات مكتب المرجع"، معتبراً أنّ "المرجعيّة في النّجف تتعرّض بالفعل إلى حملة تشويه شرسة مرتبطة بأجندة إقليميّة"، محدّداً مصادر الهجمة بأنّها "إمّا جهات دينيّة ارتبطت بالنظام السابق وقد تضرّرت الآن، وإمّا جهات تكفيريّة مذهبيّة".

من جهته، أكّد الشيخ ورجل الدين والنائب في البرلمان العراقيّ فرات الشرع خلال حديث لـ"المونيتور" تصاعد الهجمة على المرجعيّة، وقال: "إنّ النيل منها عائد إلى كونها وحّدت العراقيّين في قدرتها على التحشيد ضدّ الإرهاب في فتوى الجهاد الكفائيّ لمقاتلة تنظيم داعش، حيث تطوّع الملايين في جبهات الحرب، الأمر الذي نتج منه دحر داعش الذي اعترف بشكل صريح أنّه ينوي احتلال النّجف وكربلاء وقتل مراجع الدين الشيعة".

أضاف: "إنّ مصدر هذه الهجمات خارجيّ. أمّا منفّذها فداخليّ، والأصل في هذه الأجندة هو منع القوى الفاعلة والخيّرة في أن يكون لها تأثير في العمليّة السياسيّة، لا سيّما الرساليّة منها"، قاصداً في ذلك المرجعيّة.

وأشار إلى أنّ "القوى التي ترغب في عودة النظام السابق تسعى إلى تشويه صورة القوى الإسلاميّة والمراجع، معتقدة أن ذلك يساعدها في العودة إلى السلطة".

وهناك من يرى في الهجوم على المرجعيّات الدينيّة أنّه نتاج صراع سياسيّ ودينيّ أيضاً، والدليل على ذلك أنّ المرجع الدينيّ جواد الخالصي الذي كثر انتقاده للسيستاني واتّخذ موقف الصمت تجاه الاعتداء على وكيله، كان استنكر حادثة الاعتداء على رجل الدين فاضل البديري، الذي لا ينتمي إلى مرجعيّة السيستاني.

المرجعيّة الدينيّة في النّجف، بعد فترة تغييب قسريّ عن أداء دورها في حقبة نظام صدّام حسين، بات لها حضور علنيّ واسع بعد سقوطه خلال عام 2003، وبات توجيهها للجماهير حاضراً في الخيارات السياسيّة، لا سيّما في الانتخابات والحرب على تنظيم "داعش" في العراق، الأمر الذي يجعلها وجهاً لوجه أمام أجندة سياسيّة وإعلاميّة لا ترضى لها هذا الدور البارز، فيما يُتوقّع أن يكون لديها تأثير كبير على انتخابات عام 2018، الأمر الذي يزيد الهجمات عليها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
وجد في : iraqi corruption, shiite-sunni conflict, iraqi sectarianism, iraqi domestic politics, ali al-sistani, najaf, iraqi government, iraqi politics

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept