نبض إيران

رسّامو الغرافيتي الإيرانيّون بشعرون بأنّهم مقيّدون

p
بقلم
بإختصار
لا تدوم أعمال رسّامي الغرافيتي طويلاً في إيران حيث تشنّ البلديّات حرباً شعواء على فنّ الشارع إلا إذا طلبت المدينة نفسها تنفيذ الرسوم على الجدران.

قال رسّام الغرافيتي الإيرانيّ "ماد" عن الرأي العامّ المتجذّر في ما يخصّ فنّ الشارع: "لست فنّاناً إذا كنت ترسم على حائط بواسطة رذاذ للطلاء. أنت إمّا مخرّب وإمّا ناشط سياسيّ يخربش شعاراً".

بدأ الجيل الأوّل من رسّامي الغرافيتي السريّين الإيرانيّين بالرسم على الجدران في إيران قرابة مطلع القرن الواحد والعشرين، ويستمرّ الجيل الجديد من الرسّامين الإيرانيّين في تحويل جدران المدن الإيرانيّة – من طهران إلى تبريز ومن مشهد إلى شيراز.

وقال "ماد" لـ "المونيتور": "كانت مشكلتنا الأساسيّة عدم تمييز أحد بين عملنا والتخريب. لم يواجه فنّانو الشارع في إيران ترهيباً عامّاً فحسب، بل تعرّضوا أيضاً للتهديد من الشرطة وقوّات الباسيج ومنظّمات أمنيّة أخرى".

اضطلعت جدران إيران بدور معقّد ومتناقض في احتجاجات المواطنين الناشطين. وفي السنوات التي سبقت ثورة 1979، بدأت شعارات سياسيّة أو صور لزعماء الثورة تزيّن جدران البلاد، محوّلة المساحات العامّة إلى منصّة للدعوة إلى الثورة.

وبعد تأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة، أصبحت الجدران ساحة معركة للمجموعات السياسيّة المختلفة. وفي العام 1980، مع بداية الحرب الإيرانيّة العراقيّة، باتت منصّة للترويج لـ "الدفاع المقدّس". وعندما انتهت الحرب في آب/أغسطس 1988، تحوّلت الجدران من جديد إلى مكان لترسيخ عقائد الطبقة الحاكمة الإيرانيّة والإسلاميّة والمناهضة للامبرياليّة. وكانت أغلبيّة الكتابات والصور التي غطّت الجدران في تلك الفترة عبارة عن أقوال للنبيّ محمد والأئمّة الشيعة ومؤسّس الثورة الإسلاميّة آية الله روح الله الخميني والمرشد الأعلى آيه الله علي خامنئي وأبطال الحرب.

ومع بروز أسلوب فنيّ أكثر حداثة في الشارع، انتهى هذا التقليد القديم. وفي الحقبة الجديدة، تسلّل فنّانو الشارع الإيرانيّون في الليل، بعيداً عن أعين الشرطة، لكي يرسموا على الجدران رسوماً تتعلّق بحقوق الانسان والحرب والفقر والدكتاتوريّة والرقابة.

ويُعتبر كاران رشاد، الملقّب بـ A1one (أي وحيد)، من روّاد هذا الفنّ، وقد بدأت أعماله تظهر على جدران طهران في أواخر التسعينيّات. وغالباً ما تتمحور رسومه حول مواضيع اجتماعيّة وسياسيّة، أكان الاحتجاج على فلترة الانترنت أو شنق دكتاتور مثل صدام حسين. ونظّم رشاد عشرات المعارض في الخارج، من الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى فرنسا، لكنّ أعمالاً قليلة له ما زالت معروضة في إيران التي غادرها في العام 2012.

وقال "ماد" بالنسبة إلى المواضيع الانتقاديّة التي اختارها الجيل الأوّل من فنّاني الشارع الإيرانيّين: "إذا نظرت إلى أعمال هؤلاء الفنّانين الأولى، تلاحظ أنّ طابعها الانتقاديّ – النابع من جوّ إيران المغلق – لفت الأنظار إليهم بشكل أكبر".

في إيران، كما في أغلبيّة البلدان الأخرى، يُعتبر الطلاء بالرذاذ في شارع عامّ تخريباً للأملاك العامّة ونشاطاً غير شرعيّ. لكنّ القانون الإيرانيّ لا ينصّ على عقوبة واضحة لهذه الجريمة.

وقال رسّام غرافيتي إيرانيّ آخر ملقّب بـ "إيل" تنتشر رسومه في مدينة تبريز في شمال غرب إيران إنّ "المشكلة الرئيسيّة هي أنّك لا تعلم ما هو الخطر الذي ستواجهه، أي [أنّك لا تعلم] ما ستكون تهمتك إذا تمّ اعتقالك". وإنّ رسم "إيل" الأكثر شهرة هو عبارة عن وجه إنسان عليه علامة "صامت" بدلاً من الفم وثقبا مفتاح بدلاً من العينين. وقد رسمه الفنّان بهدف انتقاد الرقابة.

وأعتُقل "إيل" مرّات متعدّدة وهو يرسم. وقال لـ "المونيتور": "عندما اعتُقلت للمرّة الثالثة، اتّهموني بعبادة الشيطان والانخراط في أنشطة مناهضة للنظام وتعكير السلم الأهليّ وتدمير الأملاك العامّة. هذه جرائم خطيرة، لكنّني لم أرتكب أيّاً منها".

وقال إنّ أعماله الفنيّة لا تدوم طويلاً لأنّ البلديّة تزيلها بسرعة أو تتعمّد الطلاء فوقها. وأضاف: "تتمّ إزالة غالبيّة الرسوم بعد ساعات قليلة. إذا بقيت على الجدران لمدّة أسبوع، أشعر بالسعادة. أحياناً أفكّر في الشخص الذي أزالها وأتساءل ما إذا أمعن النظر في عملي أو شعر بأنّه معنيّ به بينما كان يقوم بالطلاء فوقه".

وقال "ماد" إنّ البلديّات تصرّ على الطلاء فوق رسوم الغرافيتي بغضّ النظر عن الموضوع الذي تتناوله. وأضاف أنّ 95% من أعماله الفنيّة تمحى على الفور. وقال: "رسمتُ مرّة صورة محارب مخضرم معوّق في شارع ولي عصر في منتصف الليل. رسمتُه جالساً على كرسيّ مدولب مع سلك شائك حول عنقه بدلاً من إكليل من الزهور. وعندما عدتُ لألتقط صورة عند السادسة فجراً، كان الرسم قد اختفى. قامت البلديّة بطلاء الجدار بكامله". وأضاف: "ما زال القليل من رسومي موجوداً بعد سنوات عدّة".

وقال إنّ بقاء أعماله الفنيّة على جدران المدن لسنوات عدّة هو أمر "غير اعتياديّ على الإطلاق ويفاجئنا".

في العام 2006، طلبت بلديّة طهران من الفنّانين الإيرانيّين إرسال تصاميمهم وأفكارهم من أجل رسوم جداريّة للمدينة. واختارت في النهاية الرسّام مهدي غديانلو الذي سرعان ما انتشرت أعماله على ما يقارب مئة جدار في طهران. وتصوّر رسوم غديانلو على جدران البلديّة الخالية من الضباب الدخانيّ مدينة مثاليّة خضراء ونظيفة مع سماء زرقاء وأناس سعداء.

وقال "ماد" إنّ معظم فنّاني الشارع قاطعوا دعوة البلديّة في ذلك الوقت، شارحاً أنّ "السبب الرئيسيّ كان الرقابة، لأنّه لم يكن مسموحاً للفنّان أن يرسم أيّ موضوع. ويتعارض ذلك مع [مبدأ] فنّ الشارع. على سبيل المثال، لن تعجب 90% من رسومي البلديّات الإيرانيّة لأنّها تتعارض مع إيديولوجيّتها وموقفها ومطالبها".

لكنّ الجيل الجديد من فنّاني الشارع الإيرانيّين لا يتردّد كثيراً في العمل مع البلديّات على ما يبدو، وقد تعرّض لانتقادات من الفنّانين القدامى. وفي كانون الأول/ديسمبر 2016، نشرت بوّابة "Iran Graffiti" الإلكترونيّة المخصّصة لفنّ الشارع والتي أُطلقت سنة 2006، أنّ أعمال الجيل الجديد "مجرّدة ممّا يوصف بقيم "الغرافيتي". فهي تحمل طابعاً ترفيهيّاً، وللأسف أحياناً تجاريّاً... [لكنّها] لقيت استحسان البلديّات ومن يشوّهون صورة الغرافيتي. فأعمالهم لا تسبّب إزعاجاً [للسلطات] – وهي تتماشى مع سياساتها. وقد وصل هؤلاء الفنّانون حتّى إلى درجة الرسم على جدران الشوارع في وضح النهار من دون أيّ خوف أو قلق".

وقال "ماد" إنّ الشعب بات يتقبّل فنّ الشارع بعد عقدين من الزمن تقريباً. وأضاف: "أصبح هناك على الأقلّ مزيد من الوعي والمعرفة في ما يتعلّق بفنّ الشارع في إيران. أحياناً عندما أعمل، لا أتوقّع ردود فعل مهمّة من الناس، لكنّني ألاحظ لاحقاً أنّهم يراقبونني ويقدّمون إليّ النصح في ما يتعلّق بماذا أرسم ويتحدّثون معي عن عملي ويشاركونني آراءهم. وقد وصلتني آراء إيجابيّة من الناس في السنوات القليلة الماضية".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : فن الشارع
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept