نبض إيران

كيف ترى إيران عمليّة تركيا العسكريّة في شمال سوريا

p
بقلم
بإختصار
إنّ سلسلة معقّدة من الاعتبارات، بما فيها احتمال انتفاض المجموعات الكرديّة في باقي أنحاء المنطقة، دفعت بإيران إلى التزام الصّمت في ردّها على هجوم تركيا العسكري في شمال سوريا.

أدّت العمليّة العسكريّة التركيّة في عفرين ضدّ المقاتلين الأكراد إلى ردّات فعل مختلفة في صفوف الأطراف المتعدّدة الفاعلة في سوريا، وذلك وفق تقييم كلّ طرف لأهداف تحرّك أنقرة الأحادي الجانب وتداعياته. في حين بدت الولايات المتّحدة معارضة للعمليّة، بخاصّة أنّ واشنطن تدعم القوّات الكرديّة التي تقاتل تحت راية قوّات سوريا الدّيمقراطيّة، سارت روسيا بصمت مع هذا التحرّك. أمّا إيران، بصفتها فاعلاً نافذًا آخر على السّاحة السّوريّة، ففضّلت الوقوف في الوسط بين الرّفض الكامل للعمليّة والتّأييد التامّ لها.

صدرت أولى ردّات الفعل الإيرانيّة عن المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة بهرام قاسمي، الذي أعرب في 21 كانون الثاني/يناير عن "أمله" في أن تنتهي عمليّة عفرين مباشرة للحؤول دون زعزعة أكبر للاستقرار في سوريا. ومع الإشارة إلى أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة "تراقب عن كثب وبقلق بالغ الأحداث الأخيرة"، شدّد قاسمي على ضرورة الحفاظ على "سلامة الأراضي في سوريا واحترام الحكومة الوطنيّة في البلاد". وفي اليوم التالي، أجرى رئيس هيئة أركان القوّات المسلّحة الإيرانيّة، اللّواء محمد حسين باقري، محادثة هاتفيّة مع نظيره التركي خلوصي آكار، شدّد فيها الجانب الإيراني من جديد على أهميّة المحافظة على سلامة الأراضي السّوريّة، بدون أن يناشد تركيا إنهاء عمليّتها.

وبالاستناد إلى هذه التّصريحات، من المنطقي القول إنّ إيران تبنّت موقفًا معتدلاً إزاء التحرّك التّركي، فتفادت الإدانة المباشرة للعمليّة، من دون أن تؤيّدها في الوقت عينه.

إيران تبنّت موقفًا معتدلاً إزاء التحرّك التّركي، فتفادت الإدانة المباشرة للعمليّة، من دون أن تؤيّدها في الوقت عينه.

وفي تحليل للأسباب الكامنة وراء موقف طهران، تجدر الإشارة في البداية إلى أنّ أحد التحدّيات الرّئيسيّة التي ترى الجمهوريّة الإسلاميّة أنّها تواجهها في سوريا بعد خروج تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) هو رغبة واشنطن في الحفاظ على نفوذها في البلاد وتوسيعه، وذلك بالدّرجة الأولى عبر وكلائها كقوّات سوريا الدّيمقراطيّة. في حين فشلت الولايات المتّحدة في محاولاتها السّابقة لتشكيل معارضة مسلّحة فاعلة ودعمها، تكلّلت تجربتها بالنّجاح مع قوّات سوريا الدّيمقراطيّة، وكانت أبرز إنجازاتها تحرير الرقة من داعش. وبما أنّ المقاتلين الأكراد يشكّلون جزءًا هامًا من قوّات سوريا الدّيمقراطيّة، تأتي عمليّة أنقرة بطبيعة الحال لتوجّه ضربة قاضية إلى توسّع نفوذ قوّات سوريا الدّيمقراطيّة، وبالتالي إلى توسّع نفوذ الولايات المتّحدة.

وفي السّياق عينه، مع قيام أنقرة بوضوح بإدانة دعم واشنطن للمجموعات الكرديّة السّوريّة وتحذيرها الولايات المتّحدة من الاستمرار بخططها العسكريّة في شمال سوريا، هي تقوم في الواقع بإبعاد نفسها أكثر عن حليفتها القديمة في الناتو. ولا يخفى على أحد أنّ الفجوة المتّسعة بين أنقرة وواشنطن، التي بدأت في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو 2016، هي موضع ترحيب في طهران، حيث تُعتبَر تطوّرًا إيجابيًا. فبالنّسبة إلى إيران، هذا التوجّه يعني أنّ الولايات المتّحدة تصطدم بالمزيد من العقبات في سياستها الرّامية إلى احتوائها في المنطقة.

لدى تقييم الوضع، يجب أن نأخذ أيضًا في عين الاعتبار مخاوف إيران العامّة من المشاعر الكرديّة في المنطقة. إذا نجح الأكراد السّوريّون في الحفاظ على حكمهم في شمال سوريا، ستتمثّل خطوتهم التالية بالمطالبة بدرجة هامّة من الحكم الذاتي، إن لم يكن بالاستقلال الكامل، عن الحكومة المركزيّة في دمشق. ونظرًا إلى الرّغبة الجديدة في الاستقلال المنتشرة بين الأكراد العراقيّين، من المحتمل أن تشتعل من جديد القضيّة الكرديّة في المنطقة، ما يطرح تحديًا كبيرًا ليس لدمشق وحدها بل أيضًا لطهران، وأنقرة وبغداد.

أخيرًا وليس آخرًا، تبدو إيران راضية، على الأقلّ للوقت الرّاهن، باتّفاق "إدلب مقابل عفرين" بين تركيا وروسيا. بعبارات أخرى، يبدو أنّ طهران توصّلت، بالاشتراك مع موسكو، إلى خلاصة مفادها أنّ السّماح لأنقرة بتحقيق ما تريده في عفرين سيسمح للحكومة السّوريّة باستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة مجموعات الثوار المدعومة من تركيا في محافظة إدلب. ومن وجهة النّظر هذه، سيسهل أكثر التّعامل مع تركيا في المستقبل لجهة إعادة دمج شمال سوريا في إطار دولة سوريّة موحّدة، باعتبارها فاعلاً حكوميًا له مجموعة شرعيّة من أهداف الأمن القومي، مقارنة بالمجموعات الكرديّة أو غيرها من المجموعات المسلّحة من غير الدّول التي ما زالت أجنداتها غير واضحة.

مع ذلك، لم تدفع هذه الاعتبارات بإيران إلى تبنّي موقف داعم للعمليّة التّركيّة. أوّلاً، تحرص إيران، على عكس تركيا، على عدم معاداة الأطراف الكرديّة المختلفة في المنطقة بالكامل؛ عندما أطلقت تركيا عمليّة غصن الزيتون في 21 كانون الثاني/يناير، كانت إيران تستضيف رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني. وأثناء تواجده في طهران، شدّد بارزاني على أنّ أراضي حكومة إقليم كردستان لن تُستخدَم ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة، وأعرب عن دعمه لعراق موحّد. يمكن تفسير تصريحات بارزاني، كما توقيت الزّيارة، على أنّها إشارة من إيران تبدي من خلالها استعدادها للعمل مع الأكراد ما داموا يحترمون مصالح إيران الجوهريّة في المنطقة.

وفي هذا الصّدد، تتخوّف إيران من أن تقرّر تركيا تجاوز أهدافها المعلنة لتسعى وراء تطهير شمال سوريا بالكامل من المجموعات الكرديّة، فيؤدّي ذلك ربّما إلى حشد الأكراد وتطرّفهم ليس فقط في سوريا، بل في كافة أنحاء المنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من زعزعة الوضع الإقليمي. من جهة أخرى، من خلال تعقيد العمليّة السّياسيّة، وقد جرى هذا بالفعل نظرًا إلى رفض المجموعات الكرديّة المشاركة في المؤتمر الوطني السّوري بسوتشي، قد تنجح المجموعات المتطرّفة والإرهابيّة من جديد باستعادة الزخم لتدفع أبعد بسوريا نحو الفوضى. وقد ذكر قاسمي في الواقع هذه النقطة الأخيرة عندما حذّر من أنّ "الأزمة في عفرين قد تؤدّي إلى تقوية المجموعات التكفيريّة الإرهابيّة من جديد" في سوريا.

في النّهاية، إنّ خطّة أنقرة المعرب عنها لتوسيع نطاق عمليّتها نحو الشّرق إلى منبج، فضلاً عن المواجهات الأخيرة بين الجيشين التركي والسّوري في حلب، قد تفسّرها إيران بأنّ تركيا تسعى وراء ما هو أكبر من مجرّد هزيمة الأكراد. وقد يشمل ذلك محاولة إنشاء منطقة نفوذ دائمة لنفسها عبر شمال سوريا، وهذا أمر ليست إيران مستعدّة للقبول به.

وهكذا، نرى أنّ المجموعات المتشابكة من العوامل الإيجابيّة والسّلبيّة دفعت كلّها بإيران إلى اعتماد مقاربة حذرة إزاء تحرّك تركيا العسكري، لكن قد يتغيّر هذا الموقف في أيّ لحظة بحسب خيارات أنقرة المستقبليّة في سوريا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkish-syrian relations, afrin, operation olive branch, turkey-iran relations, sdf, nechirvan barzani, kurds, military intervention
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept