نبض مصر

دورات عسكريّة لمسؤولي تحرير الصحف والمواقع... ماذا يحدث في الإعلام المصريّ؟

p
بقلم
بإختصار
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر أعلن في 7 شباط/فبراير بدء تنظيم دورات حول الأمن القومي يحاضر فيها جنرلات سابقون لمديري تحرير صحف ومواقع مصرية بالتزامن مع هجوم شديد للرئيس السيسي على الإعلام، وسط قلق عاملون بالصحافة حول فرض مزيد من التقييدات على حرية الصحافيين المصريين.

القاهرة — في 7 شباط/فبراير، أعلن رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر مكرم محمّد أحمد، بدء تنظيم دورات تدريبيّة استراتيجيّة حول الإعلام والأمن القوميّ المصريّ، لمديري تحرير الصحف المصريّة والمواقع الإلكترونيّة؛ يحاضر فيها جنرالات سابقون من أكاديمية ناصر العسكرية العليا في خطوة أثارت جدلاً في الأوساط الصحافيّة المصريّة.

ويأتي الاتّفاق بعد نحو أسبوع من انتقادات شديدة وجّهها الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي إلى الإعلاميّين، خلال افتتاحه خطّ إنتاج حقل "ظهر" للغاز الطبيعيّ في محافظة بور سعيد في 31 كانون الثاني/يناير الماضي، حين طالبهم بالتحقّق ممّا يذيعونه ويقولونه.

وتمّ إنشاء أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا بموجب قرار جمهوريّ صدر في 18 كانون الثاني/يناير 1965، وافتتحها الرئيس المصريّ الأسبق جمال عبد الناصر في 6 آذار/مارس 1965، ومهمّتها الأساسيّة العمل على تأهيل قدرات كبار ضبّاط القوّات المسلّحة وتنميتها، لشغل المناصب العليا.

وأرجع عضو المجلس الأعلى للإعلام حاتم زكريا سبب تلك الدورات الى امكانية مديري تحرير الصحف دراية بالمواضيع التمييز بين الأخبار والتقارير التي يصحّ نشرها بالصحف والمواقع، والأخبار الأخرى التي تضر بالأمن القومي المصري وتلك يحظر نشرها ولابد من استبعادها، لافتاً في حديثه إلى "المونيتور" إلى أنّ الدورات تأتي تطبيقًا لبرتوكول التعاون الذي وقّعه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مع أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا وأقرّه المجلس في اجتماعه بـ27 كانون الأوّل/ديسمبر 2017. وأشار إلى أنّ الأكاديميّة العسكرية تنظم دورات لجهات ومؤسّسات عدّة في الدولة.

وسبق أن كشف "المونيتور" في 9 تشرين الثاني/نوفمبر عن إلحاق قضاة بدورات تدريبيّة في الدراسات الاستراتيجيّة والأمن القوميّ داخل أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا، كما وقّعت وزارة التعليم العاليّ والبحث العلميّ المصريّة في 29 كانون الأوّل/ديسمبر، برتوكولاً أيضًا مع الأكاديميّة لتدريب طلّاب الجامعات وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات.

وعن موعد بدء الدورات، قال زكريا: "تمّ الاتّفاق على أن تعقد الدورات داخل مركز التدريب في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام شهريّاً، ويتحمّل المجلس تكلفتها، وحتّى الآن لم يحدّد موعد بدئها".

لكنّ نقيب الصحافيّين السابق يحيى قلاش اعتبر الدورات امتداداً لإجراءات السلطة الحاليّة في السيطرة على الصحافة منذ صدام الصحافيّين مع الدولة عقب اقتحام الشرطة نقابتهم في أيّار/مايو 2016. حيث صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 حكمًا بسجن نقيب الصحافيين وقتئذ (قلاش) وعضوين بمجلس النقابة للمرة الأولى في إجراء غير مسبوق، ثم في كانون أول/ديسمبر إقرار قانون ينظم عمل الصحافة والإعلام المصري يعزز من سيطرة الحكومة على الإعلام، ولافتاً إلى أنّ تلك السيطرة صاحبها تضاؤل شديد في سقف حرّيّة الصحافة.

ومنذ تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في نيسان/أبريل 2016 بقرار من رئيس الجمهوريّة المصريّ السيسي، لعب دوراً في تشكيل سياسة الإعلام المصريّ، حيث عاقب قنوات تبثّ موادّاً صنّفها المجلس بالمنافية للأخلاق أو مخالفة لمعايير المهنة، وأوقف إذاعة برامج وإعلانات تلفزيونيّة عدّة، من بينها برامج انتقدت سياسة النظام الحاليّ مثل برنامج "صح النوم" الذي هاجم مسئولين حكوميين إثر قضايا فساد.

وأشار قلاش إلى أنّ "الدورات العسكريّة كانت مقتصرة على المحرّرين العسكريّين وهي منطقيّة، لأنّها تساعدهم في فهم طبيعة عملهم، لكنّ تعميم تجربة دورات الأمن القوميّ على باقي الصحافيّين حدث غير مسبوق في التعامل مع الإعلام، لم يفعله الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر الذي كان يعرف بقبضته القويّة على الإعلام، إلّا أنّه (عبد الناصر) كان يستجيب للتنوّع في الآراء بعكس ما يحدث الآن".

ودأب الرئيس المصريّ السيسي على انتقاد الإعلاميّين والصحافيّين طوال فترة رئاسته الأولى (2014-2018)، بأنّهم لا يقفون إلى جواره وبأنّهم لا يقدّرون حجم التحدّيات التي يواجهها.

ودافع رئيس تحرير موقع جريدة روز اليوسف القوميّة أيمن عبد المجيد عن الدورات بأنّها تمدّ الصحافيّين بخبرات عن مفاهيم الأمن القوميّ، لا سيّما أنّ الدولة تخوض الآن حرباً على الإرهاب، موضحاً أنّ الدورات تمكّن الصحافيّين من تغطية الحوادث والعمليّات الإرهابيّة بطريقة تحفظ الأمن القوميّ المصريّ، وتحرم الإرهابيّين من استغلال التغطية الإعلاميّة للأحداث في خدمة أغراضهم.

وأشار عبد المجيد في حديث إلى "المونيتور" إلى أنّ أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا تقدّم منذ سنوات دورات تثقيفيّة (غير إلزاميّة) إلى محرّري الصحف القوميّة، وأنّه سبق له الحصول على دورة، مضيفاً أنّ الدورات مفيدة للغاية حيث تشمل تدريباً عن المفاهيم العسكريّة والاتّفاقات الدوليّة وأبعاد الأمن القوميّ ومخاطر الإرهاب.

وعلى الرغم من إيمانه بأهمّيّة إلمام الصحافيّين بجوانب الأمن القوميّ، إلّا أنّ الكاتب الصحافيّ عبدالله السناوي، رئيس تحرير سابق لجريدة العربي وكاتب في جريدة الشروق، أبدى خشيته من تحوّل تلك الدورات إلى تلقين أو توجيه يقدّمه جنرالات سابقون إلى الصحافيّين نحو سياسة معيّنة عليهم اتّباعها. وقال لـ"المونيتور": "أخشى أن يكون هدف الدورات تلقين الصحافيّين بألّا يقتربوا من ملفّات لها صلة حيويّة بالأمن القوميّ، وهذا يؤثّر في شكل واضح على حرّيّة الصحافة ويسيء إليها".

بدوره، قال الباحث في علم الاجتماع السياسيّ عمّار علي حسن، إنّ أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا لعبت دوراً بارزاً منذ تولّي الرئيس عبد الفتّاح السيسي الحكم في حزيران/يونيو 2014، في تحسين صورة الجيش وجذب مؤيّدين لنظامه من خلال دورات تنظّمها الأكاديميّة للعديد من مؤسّسات الدولة مثل الجامعات ومراكز الشباب بالمحافظات، مضيفاً أنّ الهدف من دورات الأمن القوميّ هو تطويع مزيد من الصحافيّين لخدمة سياسات النظام، من أجل ترسيخ مبدأ إعلام الصوت الواحد الموالي للنظام.

وأضاف حسن لـ"المونيتور" أنّ السيسي سعى قبل تولّيه رئاسة البلاد إلى السيطرة على الإعلام، وظهرت تلك المساعي جليّة في العام الماضي، بعدما سيطرت أجهزة المخابرات على مؤسّسات إعلاميّة وحجب نحو 21 موقعاً صحافيّاً في أيّار/مايو الماضي.

وعبّرت منظّمة "مراسلون بلا حدود"، ومقرّها باريس، في تقرير في أيلول/سبتمبر الماضي عن قلقها من وقوع عدد من المؤسّسات الإعلاميّة المصريّة في أيدي رجال أعمال مقرّبين من الحكومة وأجهزة المخابرات، وقبلها في نيسان/أبريل، صنّفت المنظّمة مصر في المرتبة 161 من بين 180 دولة في حرّيّة الصحافة وأمن العمل الإعلاميّ.

وأكّد حسن أنّ الدولة أحكمت قبضتها على الصحف بتعيينها رؤساء تحرير للصحف من الموالين لها في 2017، مثل عبدالمحسن سلامة لرئاسة جريدة الأهرام القريب من النظام والذي يشغل أيضًا منصب نقيب الصحافيين لصالحه وكذلك رؤساءالهيئات الصحافيّة الذين اختارهم السيسي، وتركتهم ينفّذون سياستها ويتعاملون مع الصحافيّين الرافضين تدخّل النظام في عملهم، وهنا أخرجت الدولة نفسها من مأزق التدخّل المباشر في عمل الصحافة.

وجد في : حرية الصحافة

محمد مجدي، صحفي مصري عمل كمحرر للشئون القضائية بجريدة الشروق، ومحرر للشئون السياسية لموقع مصراوي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept