نبض مصر

بعد إقراره رسميّاً... هل يساهم قانون الإفلاس في إنعاش الاقتصاد المصريّ؟

p
بقلم
بإختصار
بعدما أقرّ البرلمان المصريّ في جلسته العامّة بـ29 كانون الثاني/يناير نهائيّاً مشروع قانون "الإفلاس"، الذي ينظّم للمرّة الأولى إعادة هيكلة المشاريع المتعثّرة والصلح الواقي والإفلاس للمستثمرين، طرحت تساؤلات في الأوساط الاقتصاديّة المصريّة عن إمكانيّة إسهامه في إنعاش الاقتصاد، الذي يعاني من بطء في النمو.

القاهرة - محمّد مجدي: في 29 كانون الثاني/يناير، أقرّ البرلمان المصريّ نهائيّاً مشروع قانون قدّمته الحكومة ينظّم للمرّة الأولى مسألة إعادة هيكلة المشاريع المتعثّرة والصلح الواقي والإفلاس للمستثمرين، وسط تفاؤل في الأوساط الحكوميّة والاقتصاديّة المصريّة بأن يساهم في إنعاش الاقتصاد وتحسين بيئة الاستثمار في مصر.

وينظّم القانون الجديد، الذي يعرف بـ"الإفلاس" في 262 مادّة، عمليّة إعادة الهيكلة الماليّة والإداريّة للمشاريع سواء أكان المتعثّرة أم المتوقّفة عن سداد ديونها، في محاولة لإقالتها من عثرتها وإدخالها سوق العمل مرّة أخرى. كما أنّه يختصر إجراءات خروج المستثمر من السوق. ويتضمّن القانون أيضاً نظاماً للوساطة بين الأطراف (المستثمر المتعثر والدائنين) بما يساهم في تقليل حالات اللجوء إلى إقامة دعاوى قضائيّة لتصفية الشركات بما يضمن عدم الزجّ بصاحب المشروع في دعاوى تؤثّر على سمعته التجاريّة.

وبموجب القانون الجديد، تلغى أحكام الباب الخامس من قانون التجارة المصريّ رقم 17 لسنة 1999 الذي يحدد طرق الإفلاس، والذي سبّب مشكلات كثيرة للمستثمرين، إذ تستغرق قضايا إعلان الإفلاس سنوات طويلة داخل المحاكم الاقتصاديّة المصريّة، إضافة إلى إلغاء حبس المفلس المقصّر، وغلظ عقوبتيّ الغرامة والحبس للمفلس المدلّس الذي يقوم بإفلاس نفسه.

وتعكف الحكومة المصريّة على إجراء إصلاحات اقتصاديّة، من بينها تطبيق ضريبة القيمة المضافة نهاية 2016 بنسبة 13% - ارتفعت لاحقًا في يوليو/أيلول الماضي إلى 14%- وتعديل قوانين الاستثمار، منذ توقيعها في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، على اتفاق مع صندوق النقد الدوليّ للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار أعقبه إعلان الحكومة تعويم الجنيه مطلع تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016 ورفع أسعار الوقود.

وحصلت مصر حتى 20 كانون الأول/ديسمبر الماضي، على 6.08 مليار دولار أمريكي أي نحو نصف قيمة القرض المقرر صرفه على مدار 3 سنوات.

ورحّبت وزيرة الاستثمار المصريّة سحر نصر بإقرار القانون، مؤكّدة في بيان صحافيّ بـ28 كانون الثاني/يناير أنّه يكمل قانون الاستثمار الذي أُقرّ في 7 أيّار/مايو الماضي، وقالت: إنّ قانون الاستثمار يوفّر سهولة دخول المستثمر إلى السوق والضمانات اللاّزمة، فيما يكمل قانون الإفلاس الحلقة بتسهيل خروج التاجر من السوق.

ومن المنتظر أن يساهم القانون، بعد تطبيقه، في تحسين ترتيب مصر في تقارير المؤشّرات الدولية المتعلّقة بسهولة الأعمال، "والتي كانت أحكام إفلاس الشركات التي تصدرها المحاكم الاقتصادية المصرية دائماً مصدراً للتقييم السلبيّ لمصر فيها" بحسب سحر نصر.

وأظهر تقرير مؤشّر أنشطة الأعمال لعام 2018 الصادر عن البنك الدوليّ في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، تراجع ترتيب مصر 6 مراكز لتحتلّ المركز 128 من بين 190 اقتصاداً على مستوى العالم، وذلك مقارنة مع المركز 122 في التقرير السابق.

وأشارت عضو اللجنة الاقتصاديّة في مجلس النوّاب المصريّ الدكتورة بسنت فهمي في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّه سيتمّ التطبيق الرسميّ للقانون، بعد تصديق الرئيس عبد الفّتاح السيسي عليه، موضحة أنّ مجلس النوّاب أحاله بعد إقراره على قسم التشريع في مجلس الدولة من أجل إجراء مراجعة أخيرة على صياغة موادّه على أن يرسل في نهاية الأمر إلى رئيس الجمهوريّة للتصديق عليه، ثمّ نشره في الجريدة الرسميّة ليتمّ العمل به.

ولفتت رئيسة الهيئة العامّة للاستثمار في مصر منى زوبع إلى أنّ قانون إعادة الهيكلة والصلح الواقي والإفلاس كان مطلباً في الأوساط الاقتصاديّة طال انتظاره أكثر من عقدين، وقالت في تصريحات لـ"المونيتور": إنّ الهدف الرئيسيّ من القانون إعادة هيكلة المشاريع المتعثّرة ماليّاً على أن تعود إلى سوق العمل مرّة أخرى، والهدف الثاني تنظيم عمليّة خروج المستثمر من السوق سواء بالصلح الواقي من الإفلاس.

الصلح الواقي يعني أنه إذا وقع التاجر في ضائقة مالية تخص أعماله التجارية وتعذر عليه دفع ديونه في مواعيدها، يمكنه اللجوء إلى الصلح الواقي من الإفلاس. وهذا الإجراء يساعد التاجر على التوصل إلى اتفاق مع دائنيه يؤدي إلى دفع ديونه وتفادي الدخول في إجراءات الإفلاس، وبالتالي ينقذ تجارته وسمعته التجارية.

أضافت: "كلّ الدول لديها قوانين تنظّم عمليّة دخول المستثمرين وخروجهم إلى سوق العمل، وهذا ما كان يفتقده مناخ الاستثمار في مصر. وبالتّالي، كان لا بدّ أن يصدر هذا القانون".

وتعوّل الحكومة المصريّة على القانون الجديد لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبيّة إلى سوق العمل. وأشارت بيانات البنك المركزيّ المصريّ، الصادرة في تشرين الأوّل/أكتوبر، إلى ارتفاع صافي حجم الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة الوافدة خلال العام الماليّ 2016 -2017 بقيمة 1.5 مليار دولار عن العام الماليّ 2015- 2016. حيث أقدم المستثمرون الأجانب على شراء أذون الخزانة المصرية بصافي مشتريات بلغ 10 مليارات دولار خلال العام الماضي.

وبحسب وكالة "موديز" للتصنيف الائتمانيّ، يشجّع قانون الإفلاس الاستثمارات المحليّة والأجنبيّة في مصر، ويسرّع عمليّة تصفية الشركات التي لا تتوافر فيها مقوّمات البقاء في السوق. وكذلك، يسمح للمقترضين والدائنين بالتوصّل إلى حلول عمليّة لإعادة هيكلة شركاتهم وإنعاشها.

في الوقت نفسه، توقّع مصرفيّون أن يساعد قانون الإفلاس، البنوك على إجراء تسويات لمحافظ الديون المتعثّرة لديها، فضلاً عن أنّه سيساعد العميل المتعثّر في استعادة نشاط شركته بعد تسوية مديونيّاته.

وقالت النائبة بسنت فهمي: إنّ قانون الإفلاس يزيد من البيئة التشريعيّة الآمنة للمستثمرين، إلاّ أنّه لا يزال هناك أمام الحكومة المصريّة تحدّي القضاء على البيروقراطيّة التي ترسّخت في الهيكل الإداريّ للدولة، وكذلك فساد المسؤولين. وأظهر أحدث تقرير للبنك المركزي المصري، صادر في 8 شباط/فبراير، تراجعًا في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة لمصر خلال الربع الأول من العام المالي 2017-2018 حيث بلغ نحو 1.57 مليار دولار مقابل 1.87 مليار دولار في الربع المناظر من العام المالي 2016-2017.

وصنّفت منظّمة الشفافيّة الدوليّة المعنيّة بمكافحة الفساد، مصر في المركز 108 في مؤشّر الفساد من بين 176 دولة شملها المؤشّر في عام 2016.

بدوره، أشار الخبير الاقتصاديّ ومساعد المدير التنفيذيّ لصندوق النقد الأسبق الدكتور فخري الفقي لـ"المونيتور"، إلى أنّ إقرار القانون خطوة جيّدة، إذ يضمن "خروجاً آمناً" للمستثمرين في حالات التعثّر، لكنّه لا يجذب الاستثمار الفوريّ للسوق، موضحاً أنّ المستثمرين الأجانب ينتظرون حتّى تنتهي الانتخابات الرئاسيّة التي تنتهي إجراءاتها في النصف الثاني من عام 2018 واستقرار الأوضاع السياسيّة بإعلان الرئيس الجديد، لاتّخاذ قرارات تتعلّق بالاستثمار في السوق المحليّة بعد دارسة القوانين الجديدة مثل الاستثمار والإفلاس.

وفي 21 كانون الأوّل/ديسمبر، خفّض صندوق النقد الدوليّ توقّعاته بشأن الاستثمار الأجنبيّ المباشر، الذي ستجذبه مصر خلال العام الماليّ الحاليّ 2018 - 2019 ، لتسجّل نحو 9.9 مليار دولار مقابل 10.2 مليار تنبّأ بها خلال المراجعة الأولى للاقتصاد المصريّ في أيلول/سبتمبر الماضي.

ولاحقاً، نصح رئيس فريق صندوق النقد المعنيّ بمصر سوبير لال في تقرير نشر على الموقع الرسميّ للصندوق، الحكومة المصريّة بالانسحاب من بعض القطاعات الاقتصاديّة وإفساح المجال للقطاع الخاص للاستثمار والنموّ وضمان منافسة عادلة للشركات الخاصّة في أسواق المدخلات والمنتجات، وتحسين الحوكمة والشفافيّة في المؤسّسات المملوكة للدولة، والحدّ من تصوّرات الفساد.

ورغم التفاؤل الحكومي وإشادات المراقبين والمؤسسات الاقتصادية البارزة بتلك الخطوات الإصلاحية من توفير بيئة تشريعية جاذبة للاستثمار إلا أنه لا تزال هناك تحديات بحاجة لحسم مثل مؤشرات الفساد العالية داخل الجهاز الإداري للدولة فضلا عن استقرار الوضعين السياسي والأمني في مصر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة

محمد مجدي، صحفي مصري عمل كمحرر للشئون القضائية بجريدة الشروق، ومحرر للشئون السياسية لموقع مصراوي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept