نبض فلسطين

قرارات المركزيّ حبر على ورق... العلاقات الاقتصاديّة الإسرائيليّة - الفلسطينيّة تسير كالمعتاد

p
بقلم
بإختصار
لا تزال قرارات المجلس المركزيّ لمنظّمة التحرير، التي اتّخذها في 15 كانون الثاني/يناير ردّاً على قرار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بشأن القدس، ومن بينها الانفكاك من التبعيّة الاقتصاديّة لإسرائيل، حبراً على ورق حتّى اللحظة، بينما تسير العلاقات الاقتصاديّة والتجاريّة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين وفق المعتاد من دون أيّ تغيير أو تراجع.

رام الله، الضفّة الغربيّة — تسير العلاقات الاقتصاديّة الفلسطينيّة - الإسرائيليّة كالمعتاد سواء أكان من ناحية الاستيراد أم التصدير أم افتتاح المشاريع المشتركة، والتي كان آخرها افتتاح وزيرة الاقتصاد الفلسطينيّ عبير عودة مع وزير الماليّة الإسرائيليّ موشيه كحلون في 30 كانون الثاني/يناير جهازاً أمنيّاً جديداً لفحص البضائع التجاريّة على جسر اللنبي التي يجري تبادلها بين اسرائيل والاردن والسلطة الفلسطينية، بهدف رفع حجم التبادل التجاري بين الاطراف الثلاثة، حيث سيمكن الماسح الضوئي من تبادل 20 شاحنة يوميا تزن 40 طنا، بينما كان يجري سابقا تبادل 7 شاحنات فقط.

العلاقات الاقتصاديّة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل لم تشهد أيّ تراجع نتيجة قرار المجلس المركزيّ لمنظّمة التحرير بوقف العلاقة الاقتصاديّة مع إسرائيل الذي صدر في 15 كانون ثاني/ يناير ردا على قرار ترامب بشأن القدس واعترافه بها كعاصمة لاسرائيل، إذ قال مصدر في وزارة الاقتصاد الفلسطينيّة، رفض الكشف عن هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ العلاقات الاقتصاديّة، ومن ضمنها التبادل التجاريّ بين السلطة وإسرائيل، تسير وفق المعتاد، ولم تشهد تراجعاً" حتّى الآن .

وأظهرت أحدث إحصائيّات فلسطينيّة رسميّة نشرها الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ عن شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2017 ارتفاع الصادرات الفلسطينيّة إلى العالم عن طريق إسرائيل بنسبة 7.5 في المئة مقارنة مع تشرين الأوّل/أكتوبر 2017. كما ارتفعت بنسبة 3.7 في المئة مقارنة مع تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016، حيث بلغت قيمتها 93 مليون دولار أميركيّ عام 2017، بينما ارتفعت الصادرات إلى إسرائيل خلال تشرين الثاني/نوفمبر 2017 بنسبة 0.5 في المئة بالمقارنة مع تشرين الأوّل/أكتوبر 2017، وبلغت 82.6 في المئة من إجماليّ قيمة الصادرات الفلسطينيّة خلال تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2017.

كما شهدت الواردات إلى الأراضي الفلسطينيّة من إسرائيل ارتفاعاً بنسبة 0.3 في المئة، بينما انخفضت الواردات من بقيّة دول العالم بنسبة 9.8 في المئة، لتشكّل الواردات من إسرائيل 59.1 في المئة من إجماليّ قيمة الواردات في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2017.

وأكّد مصدر في الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، رفض الكشف عن هويّته، لـ"المونيتور" أنّ إحصائيّات التجارة الخارجيّة لشهر كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017، لم تصدر حتّى الآن، نظراً لعدم انتهاء العمل بفواتير المقاصّة والضرائب مع الطرف الإسرائيليّ، وقال: لا توجد تغييرات لافتة في حجم الصادرات والواردات في شهريّ كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 أو كانون الثاني/يناير من عام 2018.

وترتبط السلطة الفلسطينيّة بعلاقات اقتصاديّة متشابكة مع إسرائيل بموجب بروتوكول باريس الاقتصاديّ، الذي جرى توقيعه في عام 1994، والذي يعدّ المرجعيّة الأساسيّة للعلاقات الاقتصاديّة بين الطرفين، والذي تسبب تبعية الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل، كون الاتفاق نص على تأكيد الغلاف الجمركي الموحد بين الاراضي الفلسطينية واسرائيل رغم التفاوت في مستويات الدخل، وسمح لاسرائيل بوضع قيود على الاستيراد المباشر من الخارج عبر إلزامها للفلسطينيين، بقوائم سلعية معينة، وسمح لاسرائيل بالتحكم بعائدات الضرائب التي تقتطعها لصالح السلطة، وأصبحت تستخدمها ورقة ضغط في مواجهة السلطة، وسمح بتحكم إسرائيل بالكود الجمركي لعملية الاستيراد بصورة كاملة، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن قدرة الفلسطينيّين على الانفكاك من ذلك الاتفاق والعلاقة الاقتصاديّة مع إسرائيل؟

أسباب عدّة تشير إلى صعوبة إنهاء السلطة الفلسطينيّة ارتباطها اقتصاديّاً مع إسرائيل، ومن تلك الاسباب سيطرة إسرائيل على المعابر والحدود، وتفرّدها بتزويد الفلسطينيّين بالخدمات الأساسيّة كالكهرباء والوقود والمياه، اضافة الى جباية الضرائب والجمارك ورسوم المعاملات الماليّة، التي تجبيها اسرائيل وتقوم بتحويلها الى السلطة شهريا.

وقال ﻣدﻳر داﺋرة اﻹﺣﺻﺎء في وزارة الاقتصاد الوطنيّ عزمي عبد الرّحمن لـ"المونيتور": "لم يطرأ أيّ تغيير حتّى الآن على مؤشّرات التبادلات التجاريّة مع إسرائيل، إذ لا تزال تبعيّة العلاقات التجاريّة الفلسطينيّة لإسرائيل هي المسيطرة، فتجارتنا بمعظمها (الصادرات والواردات) تتمّ مع إسرائيل أو من خلالها".

أضاف: "السلطة الفلسطينيّة تستورد سنويّاً ما يزيد عن 6 مليار دولار، 75 في المئة من إسرائيل وعن طريقها، وتصدّر 900 مليون دولار 80 في المئة منها عن طريق إسرائيل، وهذه المؤشّرات ثابتة منذ 5 سنوات" لأنّ إسرائيل لا تزال تسيطر على المعابر والحدود وتحكم سيطرتها على مجمل العلاقات التجاريّة.

وتابع عزمي عبد الرحمن: "إنّ التجارة الفلسطينيّة ستبقى مرتبطة بالاحتلال ما دام يسيطر على كلّ المعابر التجارية والمعابر الحدودية، ويعيق أيّ تواصل نشط بين المحافظات الفلسطينيّة، خصوصاً بين الضفة الغربية وقطاع غزّة ، بسبب الحواجز والمعابر والسيطرة على الموارد الاقتصاديّة في منطقة (ج)، الأمر الذي يعيق تطوّر عمليّة إنتاجيّة فلسطينيّة ضخمة".

وأشار إلى أنّ "إسرائيل تمسك بكلّ حلقات العمليّة التجاريّة ومفاصلها وتسيطر عليها، ولكن عمليّة الانفكاك من التبعيّة لها ليست مستحيلة، لكنّها صعبة جدّاً وتحتاج إلى وقت طويل".

ويظهر ثبات حجم التبادل التجاريّ بين السلطة وإسرائيل خلال السنوات الماضية، تذبذب نجاح حملات مقاطعة المنتجات الإسرائيليّة داخل الأراضي الفلسطينيّة التي ترتفع حيناً وتنخفض أحياناً، إذ قال عبد الرّحمن: "إنّ الأسواق الفلسطينيّة تستورد ما قيمته 2 مليار دولار من المنتجات الإسرائيليّة سنويّاً. ولو جرت مقاطعة المنتجات الإسرائيليّة وحلّ مكانها المنتج الوطنيّ، فإنّ ذلك سيخفّف تبعيّتنا للاقتصاد الإسرائيليّ، وسيسهم في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل".

ورغم أنّ السلطة الفلسطينيّة تقرّ بأهميّة الانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل والتحرّر من التبعيّة، لكنّ ذلك يتطلّب تغيير الكثير من السياسات، إذ قال منسّق البحوث في "معهد أبحاث السياسات الاقتصاديّة الفلسطينيّ – ماس" رجا الخالدي لـ"المونيتور": "ليس هناك من تبادل تجاريّ بين السلطة وإسرائيل بقدر ما هناك تدفّق للبضائع الإسرائيليّة إلى السوق الفلسطينيّة. ولذلك، لا يوجد حلّ سريع وفوريّ للانفكاك التجاريّ عن إسرائيل، نظراً لغياب قرار سياسيّ بذلك وعدم وجود آليّات عمليّة على الأرض كفيلة بتحقيق ذلك".

وأشار رجا الخالدي إلى ضرورة خلق توجّه جديد في السوق الفلسطينيّة لتغيير الحاجة إلى الاستيراد من إسرائيل، وذلك بتقوية الانتاج الوطنيّ وتوجيه التجارة الفلسطينيّة إلى الأسواق الدوليّة بدلاً من إسرائيل، الأمر الذي يتطلّب وضع سياسة مشجّعة تعتمد على وضع برنامج ورؤية واضحة حول آليّات التصنيع والقطاعات الإنتاجيّة التي يجب التركيز عليها وحمايتها سواء أكانت الزراعيّة أم الصناعيّة، كما قال الخالدي.

وأكّد أنّ النهوض بالاقتصاد الفلسطينيّ وتحريره يحتاجان في الدرجة الأولى إلى توجيه وقرار سياسيّ واقتصاديّ يصلح الوضع الاقتصاديّ الداخليّ وبيئة الأعمال ويقوّي قدرات الشركات المحليّة وإنتاجها، لمعالجة ما خلّفته سياسة السوق المفتوحة التي اعتمدتها السلطة الفلسطينيّة منذ 25 عاماً، في اشارة الى ضرورة وجود قرار سياسي فلسطيني ينهي التزامها وعملها ببروتوكول باريس الاقتصادي، ووضع خطة وبرنامج اقتصادي بديل.

وأخيراً، إنّ القرارات التي تتّخذها وتُصدرها المستويات السياسيّة الفلسطينيّة بشأن قطع العلاقات الاقتصاديّة مع إسرائيل مع اندلاع كلّ أزمة سياسيّة (قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير في 15 كانون ثاني/فبراير)، لا تمّت إلى الواقع بصلة وتبدو كحقن تخدير موقّتة للشارع الفلسطينيّ، خصوصاً أنّ تلك القرارات تحتاج إلى تخطيط اقتصاديّ استراتيجيّ لم يحدث، واستعداد لتحمّل التأثيرات والتبعات الناجمة عنه الأمر الذي لم تظهر السلطة استعدادها لتحمّله، وتوفير الإمكانات لإطلاق مسار اقتصاديّ جديد، بعيداً عن مسار 25 عاماً من الاقتصاد المرتبط بإسرائيل.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept