نبض مصر

ما وراء المعرض... كيف ينتعش "رزق الغلابة" في أسبوعين؟

p
بقلم
بإختصار
في يناير الماضي، انطلقت فعاليات الدورة الـ49 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فاستضافت مساحة الـ700 ألف متر لأرض المعارض بمدينة نصر أكثر من 849 ناشرًا أتوا من 27 عربية وأجنبية لعرض كُتبهم بقلب الحدث الثقافي الأبرز بمصر.

في يناير الماضي، انطلقت فعاليات الدورة الـ49 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فاستضافت مساحة الـ700 ألف متر لأرض المعارض بمدينة نصر أكثر من 849 ناشرًا أتوا من 27 عربية وأجنبية لعرض كُتبهم بقلب الحدث الثقافي الأبرز بمصر.

هو "المعرض الأكبر في العالم"، من حيث عدد الزيارات بحسب التصريحات الصحفية للدكتور هيثم الحاج علي، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعدما أعلن أن عدد الزوار بلغ 3.9 مليون خلال الفترة من 7 يناير حتى 10 فبراير.

ولكن وراء هذا المعرض المجيد، يكمن اقتصاد غير رسمي مبنيّ على وظائف مؤقتة صغيرة، حيث يعمل الشباب كحمالين، وصانعي الشاي، ومزودي خدمات المطاعم، ويقومون بوظائف غريبة أمام الأجنحة حتى يتمكنوا من تأمين مبلغ جيد في نهاية المعرض .

لا تحدد القوانين عددًا بعينه للعمالة داخل جناح كل دار، ولكن ما درج عليه أهل النشر هو ألا يقل من يعتنون بالجناح الأصغر حجمًا (9 أمتار) عن فردين، على أن يزيد العدد تدريجيًا كلما ارتفعت المساحة التي قد تبلغ 50 مترًا، ما يجعلنا أمام قوة عاملة ضخمة، من الصعب تحديد حجمها، لكنها لن تقل أبدًا عن بضعة آلاف.

يفرض ارتفاع ثمن الكُتب على أهل النشر عدم التحرك من أماكنهم، طوال ساعات العمل، خوفًا من تعرض معروضاتهم للسرقة، لذا ظهر بديل يتمثل في تزويدهم بكلّ ما يحتاجونه من مأكل ومشرب ولوازم العمل، في أجنحتهم، فنَبَت في أرض المعارض قطاع من "الأرزقيّة" على استعداد لمنح أجنحة دور النشر بأيّ خدمة، بشكل غير رسمي.

عند بوّابة البضائع، التي تمرّ منها عربات دور النشر، ترتصّ طوابير العمّال بصحبة كلّ منهم "أَزقّ"، وهو أداة لحمل المنقولات تشبه عربات الحقائب في المطار، وما أن تقترب السيّارة حتّى يلتفّون حولها، عارضين خدماتهم بأسعار تتوقّف على المسافة والكميّة المنقولة، لكنّها تتراوح بين 70 و100 جنيه.

محمّد. ع (36 عاماً)، ينفرد بممارسته إحدى أغرب المهن التي صادفتنا خلال هذا التقرير، فهو "مِسَهّلاتي"، أيّ لديه القدرة على تمرير المعروضات عبر البوّابة في غير أوقات العمل الرسميّة، وقال لـ"المونيتور": "مفروض مفيش ولا كرتونة تدخل بعد الساعة 5 العصر، بس اللي ماسكين البوّابة حبايبي، والناس مش بتدخّل مخدّرات، فتفرق إيه الحاجة تدخل الساعة 5 عن 6". ورفض أن يمنحنا تسعيرة خدمته، مؤكّداً أنّه آخر المنتفعين ممّا يفعل، وقال: "كلّه بيسترزق".

في داخل أيّ خيمة، لم تعد رؤية شاب يسير بحقيبة يعرض خدماته على الجميع مشهداً غريباً، بعدما عرف بخبرات السنين كلّ ما يحتاج إليه الواقفون في الأجنحة: ترمس، شاي، لاصق عريض، أقلام جافّة، أحبال بلاستيكيّة وغيرها.

وأشار علي. م (25 عاماً)، الذي يبيع المشروبات في المعرض، إلى أنّه يحمل منصّته طول اليوم ويمشي في الممرّات، عارضاً بضاعته حتّى نفادها. "الشاي بـ3 جنيه والقهوة بـ5 جنيه"، هكذا سعّر خدماته لـ"المونيتور"، وروى لنا أنّ ابن عمّه رشّحه للعمل في هذا المجال، بعدما توسّط له عند من رفض تسميتهم ليسمحوا له بالتواجد هنا.

وأكّد أنّه منعاً لحدوث تضارب في الاختصاصات والأرزاق، قسّم مع زملائه بالمهنة مناطق النفوذ. ولذا، فهو يعمل تحديداً في خيمتيّ 3 و2، ولا يغادرهما إلى خيم أخرى، إلاّ إذا غاب أصحاب نصيبها أو سمحوا له بدخولها تساهلاً.

من جهته، أكّد صاحب دار "المصريّ" للنشر والتوزيع يوسف ناصف أنّ الأمر لا يتعلّق بالأكل والشرب فقط، ولكن أحياناً توجد عيوب فنيّة قد تضرّ بالمعروضات وبحركة البيع، وهم من يصلحونها، وقال لـ"المونيتور": في جناحنا، واجهتنا مشكلة تثبيت أحد الجدران، فطلبنا من المسؤولين تعديله، ولكن من دون جدوى. وأتى الحلّ بعدما استعنت بأحد المتجوّلين، الذي أنهى المهمّة في دقائق. وبالمثل، فعلنا مع سقف الخيمة المصنوع من القماش والمليء بالثقوب التي تسمح لمطر كانون الثاني/يناير بالهطول وإفساد الكتب، فاستأجرنا واحداً رتق كلّ هذه الثغرات، وحافظنا على بضاعتنا.

بدوره، أشار عمّ أنور (52 عاماً)، وهو يعمل كهربائيّاً في المعرض منذ عشرات السنوات، إلى أنّ إضاءة القاعات عادة ما تكون غير كافية، فالسقف مرتفع جدّاً، والكشّافات مهما كانت كبيرة لا تكفي لإنارة الأجنحة. كما يحتاج بعض العاملين إلى "فيشة" لشحن الموبايل، وهنا يأتي دوره.

إنّ الشروط التنظيميّة لا تسمح في الأجنحة الصغيرة للدور، إلاّ بالحصول على منضدة واحدة ومقعدين في كلّ جناح، وهو أمر لا يتلاءم أبداً مع حركة العمل وكثرة المعروضات. وهنا، يظهر دور الوسطاء، الذين يعرضون إيجار منضدة إضافيّة مقابل 100 جنيه ومقعد بـ65 جنيهاً طوال الأسبوعين.

ولم يكن "المسهّلاتي" أغرب مهنة صادفناها في المعرض، وإنّما ما أعجب منها هو "الرصّيص"، إذ أنّه الرجل المعنيّ بترتيب الكتب في واجهة أجنحة الدار لتتّخذ أشكالاً أنيقة وملتوية، ترحيباً بالزائرين. وهذا أمر ليس بالسهل، إذ كشف عز. ك (36 عاماً) بعضاً من أسراره، وقال: "الكتاب لازم يكون عكس اللي تحتيه عشان يشيلوا بعض، والأشكال الصعبة ممكن تاخد منّي ساعتين شغل أو تلاتة".

وعبّر عن سعادته بالأيّام التي تكثر فيها حفلات التوقيع ويحتاجون خلالها إلى "رصّاته"، قائلاً: "رزق وربّك باعته، يا ريتهم يخلّوا المعرض طول السنة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

صحفي مصري، عمل محررًا فنيًا في عدد من دور النشر، يعمل رئيسًا لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد"، باحث في التاريخ والثقافة وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept