رغم تأثيراته السلبيّة... السلطة الفلسطينيّة قادرة على تحمّل وقف المساعدات الأميركيّة

من المتوقّع أن تعيش السلطة عاماً اقتصاديّاً صعباً على أكثر من صعيد في ضوء تهديد واشنطن بقطع مساعداتها عنها، الأمر الذي يتطلّب من الدول العربيّة والإسلاميّة، إلى جانب الدول المانحة، وخصوصاً الأوروبيّة، دعمها لمنع أيّ تدهور قد ينشأ بسبب ذلك القطع.

al-monitor .

ينا 22, 2018

رام الله – الضفّة الغربيّة: أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة في 16 كانون الثاني/يناير أنّ واشنطن قرّرت تجميد 65 مليون دولار من أصل 125 مليون دولار كانت مخصّصة لوكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى "الأونروا" لدفع رواتب الموظفين في المدارس والمرافق الصحيّة التي تديرها الوكالة ونفقات اللاجئين في الأردن والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة ولبنان وسوريا. ويأتي هذا القرار، تنفيذاً لتهديد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي أطلقه في تغريدة على موقع "تويتر" في 2 كانون الثاني/يناير بقطع المساعدات والتمويل الماليّ عن السلطة الفلسطينيّة، بسبب رفضها التفاوض على اتفاقيّة سلام مع إسرائيل.

وتنقسم المساعدات الامريكية المقدمة للفلسطينيين الى جزئين اثنين ، الجزء الاول تقدمه واشنطن الى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الاونروا)، لتقديم خدماتها الى اللاجئين الفلسطينيين وتامين نفقاتها عليهم ودفع رواتب العاملين لديها، والجزء الثاني تقدمه من خلال الوكالة الامريكية للتنمية الدولية والتي تنفذ مشاريع عديدة في قطاعات مختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما لا تقدم الولايات المتحدة الامريكية اي مساعدات او تمويل مباشر للسلطة الفلسطينية وحكومتها.

وحصل "المونيتور" من مصادر رسميّة في القنصليّة الأميركيّة في القدس، رفضت الكشف عن هويّتها، على مجمل ما قدّمته واشنطن من تبرّعات (أرقام غير منشورة حتّى الآن)، والتي أظهرت أنّ "واشنطن قدّمت 355 مليون دولار أميركيّ إلى وكالة الأونروا، 95 مليون دولار منها خصّصت للضفّة الغربيّة وقطاع غزّة" خلال عام 2017.

والى جانب 355 مليون دولار المقدمة للاونروا، قدّمت الولايات المتّحدة عبر الوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليّة 254 مليون دولار أميركيّ عام 2017، وزّعت كالآتي: 70 مليون دولار لتخفيف الديون عن السلطة كالكهرباء، و29.7 مليون كمساعدات إنسانيّة في غزّة ومساعدات لقطاع المياه، و70 مليون دولار لمشاريع إمدادات المياه والصرف الصحيّ في الضفة الغربية، و8.7 مليون دولار لمشاريع النموّ الاقتصاديّ والطاقة وتنمية القطاع الخاص في الضفة الغربية، و32 مليون دولار لمشاريع البنية التحتيّة والطرق ومشاريع مجتمعيّة في الضفة، و24.5 للتعليم والشباب في الضفة، و14.5 مليون للديموقراطيّة والحكم، و4.8 لقطاع الصحّة في الضفة.

وطرح قطع جزء من التمويل الأميركيّ لـ"الأونروا" والتهديدات باستمرار القطع تساؤلات حول أضرار هذه الخطوة وتأثيرها على مستقبل السلطة الفلسطينيّة ووضعها الماليّ ومدى قدرتها على الاستمرار بعملها في ظلّ هذا الانقطاع؟ خاصة للاجئين في المخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة التي تقع تحت مسؤولية السلطة الفلسطينية، والتي قد تضطر لمواجهة تحديات شعبية ومجتمعية تطالبها بسداد ذلك النقص.

وقال رئيس المجلس الاقتصاديّ الفلسطينيّ للتنمية والإعمار "بكدار" ومقره في رام الله محمّد أشتية لـ"المونيتور": "إنّ تهديد واشنطن بقطع المساعدات هو ابتزاز سياسيّ واضح نرفض الرضوخ له".

وأشار إلى أنّ الدعم الأميركيّ ليس موجها لخزينة السلطة الفلسطينية او موازنة الحكومة بل موجّه في الأساس لـ"الأونروا" وبعض مشاريع البنية التحتيّة التي تنفّذها USAID، كمشاريع شق الطرق وتعبيدها والصرف الصحي والمياه وليس لخزينة الحكومة وموازنتها"، وقال: "إنّ قطع واشنطن المساعدات لن يكون له أثر على موازنة السلطة، إلاّ إذا استخدمت واشنطن نفوذها للتأثير على بعض الدول المانحة لموازنتنا لوقف دعمها لنا، عندئذ سيكون لقرارها وامتداداته لبعض الدول تأثير سلبيّ".

واضاف اشتية "ان السلطة الفلسطينية قادرة على تحمل وقف المساعدات الامريكية لبعض المشاريع، لانها ترفض اي ابتزاز لمواقفها السياسية تجاه انحياز واشنطن لاسرائيل".

ورغم ان موازنة السلطة او خزينتها لا تتأثر مباشرة بالاموال الامريكية، لكن السلطة تخشى استمرار واشنطن بوقف مساعداتها لوكالة "الأونروا"، والتي بدأت بالفعل، لما لذلك من تداعيات سلبيّة على اللاّجئين في المخيمات، لما له من تهديد لقضية اللاجئين، اضافة الى خشية السلطة من لحاق إسرائيل بواشنطن وفرض عقوبات اقتصاديّة على السلطة كتجميد تحويل أموال الضرائب الفلسطينية التي تجنيها اسرائيل نيابة عن السلطة بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، والتي تعدّ الرافد الأكبر للموازنة الفلسطينيّة.

واذا كانت السلطة لا تستفيد رسميا وبطريقة مباشرة من الاموال الامريكية، لكن توقفها قد يخلق تحديات امام عمل حكومتها، لأن ذلك النقص سيخلق اعباء عليها امواجهتها في المخيمات، او بتوقف مشاريع ذات صلة بالبنية التحتية او بقطاعات المياه او الصحة او الطاقة.

ولفت محمّد أشتيّة إلى أنّ "أيّ عبث بعمل الأونروا سيؤثّر على اللاّجئين، وستكون له تداعيات أمنيّة على المنطقة العربيّة، وليس فلسطين فقط" ، وقال: "إذا ما أقدمت إسرائيل على تجميد تحويل أموال الضرائب الفلسطينيّة التي تجنيها لابتزازنا، كما فعلت في الماضي، ستكون لنا ردود مختلفة، منها اللجوء إلى المحاكم الدوليّة"، في اشارة الى قيام اسرائيل بتجميد اموال الضرائب الفلسطينية في مناسبات عدة كان ابرزها في 4 كانون ثاني/يناير بعد انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية.

من جهته، قال مستشار رئيس الوزراء الفلسطينيّ للصناديق العربيّة والإسلامية ناصر قطامي لـ"المونيتور": "إنّ التهديد بوقف المساعدات الأميركيّة التي تكون على شكل مشاريع (صحية، بنية تحتية، مياه وصرف صحي، الطاقة) ستكون له انعكاسات سلبيّة في القطاعات التي كانت تتلقّى تلك المساعدات كالقطاعين الصحيّ والبنية التحتيّة".

وأوضح أنّ الحكومة الفلسطينيّة قد تلجأ إلى 3 خطط لمواجهة تجميد المساعدات الأميركيّة، اتخاذ إجراءات تقشفيّة في الصرف العام، التوجّه لطلب دعم الدول العربيّة والإسلاميّة، وتفعيل شبكة الأمان الماليّة العربيّة التي اعتمدها وزراء الخارجيّة العرب في 13 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2012 بقيمة 100 مليون دولار، التي وافقت الدول العربية على منحها شهريا للسلطة الفلسطينية في حال قيام اسرائيل بحجز الاموال المستحقة للسلطة.

من جهته، أشار أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت نصر عبد الكريم لـ"المونيتور" إلى أنّ "خسارة الاقتصاد الفلسطينيّ للمساعدات الأميركية سيؤثّر عليه سلباً، ولكن ليس بالقدر الذي يجعل السلطة غير قادرة على تحمّل وقف المساعدات"، في اشارة الى تضرر الاقتصاد الفلسطيني من توقف المشاريع الامريكية والتي تشغل الايادي العاملة وتتعاقد مع شركات مقاولات وانشاءات فلسطينية، كما ان توقف دعم الاورنوا سيلحث اضرارا برواتب الاف الموظفين والعاملين في الاونروا.

ولفت عبد الكريم إلى إمكانيّة تعويض هذه المساعدات من خلال البدائل الذاتيّة باتّباع التقشّف وضبط الإنفاق العام وتحسين التحصيل والجباية ومكافحة التهرّب الضريبيّ، أو البحث عن مساعدات إضافيّة من الاتّحاد الأوروبيّ والدول العربيّة وتفعيل شبكة الأمان العربيّة، وقال: "أعتقد أنّ الاتحاد الأوروبيّ جاهز لتقديم مزيد من الدعم الماليّ لإبقاء السلطة على قيد الحياة وإبقاء آمال التسوية السياسيّة مع إسرائيل وفق حلّ الدولتين قائمة".

وفي ظلّ تنفيذ الولايات المتّحدة الأميركيّة تهديداتها بوقف جزء من الدعم المقدّم إلى "الأونروا"، والتي قد تتّسع في الأشهر المقبلة لتشمل قطاعات أخرى قد يكون بعضها حيويّاً، يتوجّب على السلطة الفلسطينيّة البحث عن مصادر أخرى لتمويلها لسدّ ذلك النقص، في ظلّ موقفها السياسيّ الرافض لأيّ رعاية أميركيّة لعمليّة السلام.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

إنهاء الانقسام ضرورة فلسطينيّة لمواجهة صفقة القرن
أحمد ملحم | المصالحة الفلسطينية | فبر 13, 2020
إيران تنشط بين الفلسطينيّين لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | القضية الفلسطينية | فبر 13, 2020
من يقود التصعيد الحاليّ في قطاع غزّة؟
انتصار ابوجهل | غزّة | فبر 11, 2020
رغم التصعيد المتدحرج بين غزّة وإسرائيل... لماذا لم ترسل مصر وفدها الأمنيّ إلى القطاع؟
رشا أبو جلال | القضية الفلسطينية | فبر 7, 2020
"فتح" و"حماس" تسعيان إلى مصالحة طال أمدها لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | المصالحة الفلسطينية | فبر 7, 2020

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020