مئويّة فدوى طوقان... توثيق لإبداعات فلسطينيّة قبل بلفور

فعاليّات متواصلة في كلّ فلسطين احتفاء بمئويّة أبرز شاعراتها "فدوى طوقان"، التي ولدت في عام 1917 واستطاعت بشعرها مقاومة كلّ الحواجز الاجتماعيّة والسياسيّة والتغلّب عليها.

al-monitor .

فبر 2, 2018

رام الله - بالنسبة لكثير من الفلسطينيين فدوى طوقان ليست مجرد شاعرة أكثر من مجرد شاعر، فهي رمزا لفقدان الفلسطينيين ومقاومتهم وفخرهم، أو كما يذهب اسمها الأدبي، "البلوط الفلسطيني" الذي يجسد القوة الروحية لفلسطين.

بالنسبة لكثير من الفلسطينيين فإن فدوى طوقان ليست مجرد شاعرة بل أكثر من هذا الوصف، إنها " البلوط الفلسطيني" كما يُعرّفها الوصف الأدبي، الشجرة التي تجسّد قوة الفلسطينيين الرّوحية. وهي في الوقت ذاته، رمز لحنينهم إلى الماضي وتعبير جَزِل عن مقاومتهم وفخرهم

عايشت طوقان، والتي ولدت في العام 1917 في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، نكبة فلسطين (1948)، وهزيمتها عام 1967 وانتفاضتها الأولى عام 1987، وانخرطت في نشاطات نضالية خلال هذه المحاطات وهو ما انعكس على كتاباتها وبلورة شخصيتها الأدبية لتصير واحدة من أشهر الشاعرات في فلسطين والعالم العربي.

رفض الاحتلال ومقاومته كان تجسد في واحدة من أشهر قصائدها "Longing" والتي صورت فيها رفضتها ورفضها للاحتلال بأسلوب قال عنه الجنرال العسكري والسياسي الإسرائيلي "موشيه ديان" "تلك الشاعرة التي تخلق كل قصيدة من قصائدها عشر مقاومين".

ولدت الشاعرة طوقان في أسرة مميزة وغنية وتقليدية جدا، حيث منعتها العادات والتقاليد التي تمسكت بها العائلة في تربية الأناث من الدراسة المدرسية بعد الصف الخامس. وهو ما جعلها تتواصل تعليمها الأدبي في منزلها بمساعدة شقيقها الشاعر المعروف إبراهيم طوقان، استطاعت طوقان نشر أول ديوان لها في العام 1941بعد خمسة سنوات من وفاه شقيقتها إبراهيم والذي أثر فيها كثيرا، وكان بعنوان "أخي إبراهيم"، وكان عبارة عن مجموعة من الرسائل بينهما خلال وجوده في بيروت للدراسة. واصلت فيما بعد طوقان كتابه الشعر، وتميزت بأسلوبها القوى والعاطفي، والذي عكس تجربتها الشخصية، والتجربة الفلسطينية العامة، عن الفقدان والوحدة والغضب والمقاومة والفخر.

في 1960، ألتحقت طوقان بجامعة أكسفورد بالمراسلة لدراسة الأدب الإنجليزي، وترجمت أعمالها إلى اللغة الإنجليزية في عام 1980، ليحقق لها شهرة دولية وجوائز أدبية. ومن أعمالها المنشورة كانت "السيرة الذاتية: رحلة جبلية". توفيت طوقان في 12 ديسمبر 2003، في ذورة أحداث إنتفاضة الأقصى 2000، حيث كانت مدينتها نابلس تخضع لحصار مشدد.

وعن طوقان الشاعرة قال الكاتب المتوكل طه، الذي أعدّ العديد من الدراسات الأدبيّة عن حياه طوقان من خلال تناول سيرة شقيقها إبراهيم طوقان: "فدوى تشبه حياتها حياة الشعب الفلسطينيّ، والثورة الفلسطينيّة في تجدّدها وقدرتها على النهوض من جديد لاستعادة الحقّ الفلسطينيّ والمطالبة به".

وأضاف في حديث لـ"المونيتور":" عاشت طوقان في مجتمع محافظ يمنع الفتاة من التعليم والاختلاط مع الحياه، لكنها استطاعت أن تثقّف نفسها، وأن تتعلّم بجهود ذاتية وتثبت قدرة استثنائيّة على كسر الحاجز الاجتماعيّ والسياسيّ".

واحتفالا بهذه الشاعرة توالت الفعاليّات والنشاطات الثقافيّة، التي تنظّمها وزارة الثقافة، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والمؤسّسات الثقافيّة والأدبيّة في فلسطين ضمن ما أطلق عليه إحياء "مئويّة فدوى طوقان". ورغم إطلاق الفعاليّات بشكل رسميّ من قبل وزارة الثقافة القائمة عليها في آذار/مارس الفائت، إلاّ أنّ هذه الفعاليّات والنشاطات بلغت أوجّها في تشرين الثاني/نوفمبر الحاليّ، في إشارة إلى أنّ هذه الشاعرة ولدت قبل وعد بلفور في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1917. وإنّ إحياء مئويّة "فدوى طوقان" كان باكورة مشروع استراتيجيّ للوزارة بإحياء سير عدد من المفكّرين والأدباء والشعراء، الذين أكملوا عامهم الـ100، كما قالت رئيسة لجنة فعاليّات إحياء مئويّة "فدوى طوقان" هدى حجو، والذي أطلق عليه اسم "تكريم روّاد الثقافة والتنوير".

وقالت هدى حجو لـ"المونيتور": سنقوم على مدار 15 سنة المقبلة (حتّى عام 2032) بتخصيص عام كامل لتكريم 15 شاعراً وأديباً ومفكّراً أثروا الحياة الثقافيّة والأدبيّة الفلسطينيّة وأكملوا سنتهم الـ100".

وأشارت إلى أنّ المشروع بحث وأقرّ في عام 2016، إلاّ أنّ توجّه الوزارة كان البدء بتنفيذه في عام 2017، تزامناً مع مئويّة وعد بلفور، في رسالة إلى أنّ الفلسطينيّين كانوا قبل الوعد والاحتلال، مبدعين ومؤثرّين على المستويين الأدبيّ والثقافيّ.

واختيار طوقان كان لسببين، الأوّل لأنّها كانت أولى الروّاد الذين أكملوا عامهم الـ100، والثاني لسيرتها الأدبيّة والإضافة التي ساهمت بها في نتاجها الشعريّ والأدبيّ، كما قالت حجو: إنّها شاعرة تحدّت كلّ العراقيل الاجتماعيّة والسياسيّة، وإنسانة تخطّت كلّ هذه العراقيل بشعرها في تأكيد على أنّ الثقافة والأدب مقاومة.

وقالت حجو: إنّ الوزارة قامت، بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، بإحياء هذه الفعاليّات، إلى جانب مؤسّسات المجتمع المدنيّ من بلديّات ومحافظات ومراكز أدبيّة وثقافيّة في مختلف المدن. وأشارت إلى أنّ أبرز هذه الفعاليّات كان إطلاق كتاب يحمل سيرتها للفتية في كانون الأوّل/ديسمبر.

نظّمت وزارة التربية والتعليم العالي الفعاليّات الأبرز في إحياء مئويّة طوقان لتعريف القطاع الأكبر في المجتمع الفلسطينيّ "الطلاّب" بسيرتها، وقال المدير العام للنشاطات الطلاّبية صادق الخضور: إنّ الوزارة بدأت منذ تشرين الثاني/نوفمبر بسلسلة فعاليّات في كلّ مديريّاتها التربويّة (المديريّة هي مدارس المدينة وما حولها من قرى وتجمّعات سكانيّة)، بحيث يتمّ تنظيم فعاليّات في كلّ المدارس خلال شهرين كاملين.

أضاف صادق الخضور في حديث لـ"المونيتور": "خصّصنا يوم الشعر في كلّ المدارس لشعر الشاعرة، وعقدت ندوات في كلّ المدارس الثانويّة تتضمّن الحديث عن سيرتها من قبل كتّاب ونقّاد، إلى جانب تنظيم جولة للطلاّب إلى المنزل والحيّ اللذين عاشت فيهما الشاعرة والتعريج على المحطّات المكانّية التي ذكرتها في قصائدها".

وليس هذا فقط، إذ قامت الوزارة باختيار قصيدتين لطوقان لتلحينهما وتسجيلهما في "سي دي" من المقرّر إطلاقه في 15 كانون الأوّل/ديسمبر المقبل، إلى جانب اعتماد كتاب سيرتها، الذي عملت الوزارة على إنتاجه للفتية، ضمن الكتب المقرّرة للطلاّب في تحدّي القراءة السنويّ.

وتأكيداً على أهميّة هذا النبش لسيرة الشاعرة والتعريف بها، الكاتب طه: إنّ نبش سير الكتّاب والأدباء هو إعادة إحياء لكلّ ثقافة الحضارة الفلسطينيّة وجذورها في مواجهة محاولات الشطب والتغريب، وللتأكيد أنّ فلسطين ضاربة في الأعماق وأنّ ادعاءات الاحتلال لا يمكن أن تطمس هذا الشعب وما يملكه من ثقافة.

أضاف المتوكّل طه إنّ الأجيال الجديدة لا تعرف الكثير عن رواياتها ومثقّفيها، ونحن نلاحظ أنّ هذه الأجيال بلا ذاكرة. وبالتّالي، فإنّ هذه الجهود تشكّل حالة إحياء للذاكرة الفلسطينيّة الجمعيّة، لتبقى تفيض بالمعرفة، الأمر الذي يساعدها على البقاء والردّ على الاحتلال ومحاولته تذويب الهويّة والشخصيّة الفلسطينيّة".

ورغم أهميّة هذه الجهود التي تقوم بها وزارة الثقافة وسائر المؤسّسات في التعريف بسيرة طوقان، إلاّ أنّه رأى أن هذه الجهود غير كافية، وقال: "نحن نحتاج إلى آليّات متعدّدة وقادرة على تشكيل روافع واستطالات لإيصال إبداع الشعب الفلسطينيّ وتراثه وتعميم النماذج الإبداعيّة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

الشارع الأردنيّ يغلي ويرفض "صفقة القرن"
محمد عرسان | القضية الفلسطينية | ينا 30, 2020
مصر تكافئ حركة الجهاد الإسلاميّ وتحتضن الاجتماع الأوّل لمكتبها السياسيّ
أحمد أبو عامر | | ديس 22, 2019
سينما غزّة... أفلام بلا دور عرض!
أحمد أبو عامر | فنون و ترفيه | ديس 13, 2019
مصر تجمع زعيميّ "حماس" و"الجهاد الإسلاميّ" لتوحيد موقفهما من التهدئة مع إسرائيل
رشا أبو جلال | القضية الفلسطينية | ديس 12, 2019
أردنيّون يزرعون صمود مزارعين فلسطينيّين في أرضهم
محمد عرسان | القضية الفلسطينية | ديس 9, 2019

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020