نبض تركية

أردوغان يتعهّد بـ "تدمير جميع الخلايا الإرهابيّة" في سوريا

p
بقلم
بإختصار
تعهّد الرئيس التركيّ بـ "تدمير" المجموعات الإرهابيّة في سوريا، مدفوعاً على الأرجح جزئيّاً بإعلان التحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة عن تدريب قوّة أمنيّة جديدة على الحدود السوريّة ستشمل مقاتلي وحدات حماية الشعب.

تعهّد الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان بـ "تدمير جميع الخلايا الإرهابيّة" في سوريا اليوم، مستمرّاً في مهاجمة الولايات المتّحدة بسبب دعمها المتواصل لوحدات حماية الشعب السوريّة.

وقال أردوغان، في خطاب أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يترأسه، مؤكّداً: "في وقت قصير، سندمّر جميع الخلايا الإرهابيّة، واحدة واحدة، بدءاً من عفرين ومنبج".

وجاء هذا الوابل من التهديدات عقب ليلة من القصف على يد القوّات التركيّة وحلفائها من الجيش السوريّ الحرّ استهدف منطقة عفرين ذات الأكثريّة الكرديّة الواقعة على الحدود التركيّة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب.

وقال أحد السكّان المحليّين لـ "المونيتور" عبر "واتساب"، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إنّ القذائف بدأت تتساقط عند الساعة الثامنة مساء بتوقيت سوريا وتواصل القصف حتّى الثالثة فجراً. وأضاف أنّ بعض القذائف سقط على مسافة قريبة من مخيّم عسكريّ روسيّ مجاور. وقال المصدر نفسه، الذي يقيم على بعد ثمانية كيلومترات جنوبي الحدود التركيّة، إنّ "الصوت كان مروّعاً والمدنيّين مرتعبون. لكنّ أحداً لم يتعرّض للقتل، وباستثناء بعض النوافذ التي تحطّمت، لم يحصل أيّ ضرر يُذكر".

هدّدت تركيا مراراً وتكراراً بمهاجمة عفرين ومدينة منبج ذات الأكثريّة العربيّة التي تقع على مسافة أبعد شرقاً وتخضع أيضاً لسيطرة وحدات حماية الشعب. لكنّ تحرّكاتها اقتصرت حتّى الساعة على ضربات مدفعيّة عشوائيّة من الجهة التركيّة من الحدود ومن داخل منطقة درع الفرات الخاضعة لإدارة تركيا وحلفائها المتمرّدين.

ويسود إجماع عامّ على أنّ تركيا لا تستطيع إطلاق عمليّات عسكريّة ضخمة ضدّ وحدات حماية الشعب في عفرين من دون موافقة روسيا.

ويعود سبب ذلك إلى أنّ القوّات الروسيّة تجول فوق المنطقة وتتواجد على الأرض. ومن المنطلق نفسه، قد يؤدّي استهداف منبج إلى مواجهة مع مئات القوّات الأميركيّة الخاصّة المنتشرة في المناطق الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب والممتدّة من منبج إلى العراق.

هل يمكن أن تكون هذه التهديدات الحربيّة مختلفة عن سابقاتها؟ كم مرّة بعد يستطيع أردوغان التعهّد بسحق وحدات حماية الشعب وعدم فعل شيء من دون إلحاق الضرر بمصداقيّته؟ عمر تاسبينار هو خبير في شؤون الشرق الأوسط في كليّة الحرب الوطنيّة وزميل في مؤسسة "بروكينغز". وقد قال لـ "المونيتور": "يسود شعور، متزايد حتّى في أوساط وزارة الخارجيّة التركيّة التي تتوخّى الحذر عادة، بأنّ مكانة تركيا على المحكّ. ومن الممكن تنفيذ عمليّة عسكريّة". وأضاف أنّ روسيا قد توافق على هجوم تركيّ محدود ومحدّد بشكل واضح، كما فعلت عندما أحكمت القوّات التركيّة سيطرتها على جرابلس في آب/أغسطس 2016.

لكنّ التحدّي الذي تواجهه موسكو هو كيفيّة تفادي إلحاق الضرر بعلاقاتها مع وحدات حماية الشعب والرئيس بشار الأسد، المعارضين بشكل كبير للوجود التركيّ في سوريا. وتواجه الولايات المتّحدة تحدّياً بدورها لأنّ وحدات حماية الشعب أوضحت أنّ أيّ هجوم تركيّ على عفرين سيفسَّر على أنّه اختبار لتضامن التحالف مع الأكراد السوريّين.

في جميع الأحوال، يبدو أردوغان عازماً على التحرّك، ومع أنّ سياسة تركيا بشأن سوريا تبدو فاشلة إلى حدّ كبير، إلا أنّ تركيا تتمتّع بنفوذ مهمّ، وإن كان مثيراً للمشاكل ليس إلا، بحكم حدودها مع سوريا الممتدّة على مسافة 900 كيلومتر.

وفي خطاب بمناسبة افتتاح أحد المصانع، هاجم أردوغان الولايات المتّحدة مباشرة، محذّراً: "أنزلوا أعلامكم من على قواعد [وحدات حماية الشعب] الإرهابيّة لئلا نضطرّ إلى تسليمكم إيّاها بأنفسنا، ولئلا نضطرّ إلى دفن من يساندون الإرهابيّين في التراب. ستقوم القوّات المسلّحة التركيّة بتسوية المسائل في عفرين ومنبج في أقرب وقت ممكن. وقد يبدأ الهجوم في أيّ لحظة".

ويبدو أنّ السبب وراء نوبة الغضب هذه يعود جزئياً إلى إعلان التحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة عن البدء بتدريب قوّة أمنيّة جديدة على الحدود السوريّة ستشمل مقاتلي وحدات حماية الشعب. وسيتكوّن نصف "الجيش الإرهابيّ"، كما يصفه أردوغان، المؤلف من 30 ألف عنصر من قوّات سوريا الديمقراطيّة التي تقودها وحدات حماية الشعب فيما ستتألف البقيّة من مجنّدين جدد. وبحسب التقارير الإعلاميّة، سينتشرون على طول الحدود السوريّة مع العراق وتركيا لمنع تنظيم الدولة الإسلاميّة من العودة إلى سوريا أو الهرب منها، من جملة أمور أخرى.

وتشدّد مصادر التحالف على أنّ هذه القوّة ستساهم في ضمان "استقرار شريكينا تركيا والعراق" وأنّ "بعض عناصر قوّات سوريا الديمقراطيّة سيركّزون على الحفاظ على أمن هذه الحدود في انتظار التوصّل إلى تسوية أطول أجلاً للحرب الأهليّة في سوريا". لكنّ تركيا تعتبر أنّ الصقل المستمرّ لمهارات وحدات حماية الشعب هو دليل إضافيّ على أنّ الولايات المتّحدة كذبت بشأن علاقتها مع المجموعة عندما زعمت بأنّها "موقّتة وتكتيكيّة" وستنتهي بعد سقوط الرقّة.

وأشارت روسيا أيضاً إلى عدم رضاها عن القوّة الحدوديّة، قائلة إنّها مؤشّر على أنّ واشنطن "لا تريد الحفاظ على سلامة الأراضي السوريّة". أمّا حكومة الأسد فوصفتها بأنّها "انتهاك صارخ لسيادة سوريا ووحدتها وسلامتها الإقليميّة".

وتجدر الإشارة إلى أنّ وحدات حماية الشعب هي جزء من مجموعة أكبر من الجماعات الكرديّة المسلّحة، أبرزها حزب العمّال الكردستانيّ، التي تواصل الحرب على القوّات الأمنيّة التركيّة. ولذلك، تخشى أنقرة أن تندمح وحدات حماية الشعب في مرحلة من المراحل في حزب العمّال الكردستانيّ من جديد وتوجّه تدريبها وأسلحتها التي زوّدها بها التحالف ضدّ تركيا.

لقد تقبّلت تركيا حتّى الآن – وإن على مضض – الشراكة الأميركيّة مع وحدات حماية الشعب، مفترضة أنّها ستنتهي عند القضاء على تنظيم الدولة الإسلاميّة وأنّ الولايات المتّحدة لن تستهلّ أيّ شكل من أشكال بناء الدولة من شأنه أن يعزّز مكاسب الأكراد الإقليميّة والسياسيّة. لكنّ التصريحات التي أدلى بها مسؤولون أميركيّون بارزون مؤخّراً تبيّن أنّ الولايات المتّحدة تراجع خياراتها، كما شرح بالتفصيل براينت هاريس من "المونيتور".

وقال محلّل الشؤون السوريّة المقيم في بيروت والزميل في مؤسسة "سنتشوري"، سام هيلر، لـ "المونيتور": "يدور منذ فترة جدل داخل الحكومة الأميركيّة حول دور أميركا في سوريا ما بعد تنظيم الدولة الإسلاميّة. وكان معسكر في الحكومة على قناعة بأنّ الوجود المستمرّ في الشمال الشرقيّ يمنح أميركا نفوذاً تستطيع استعماله من أجل التوصّل إلى حلّ سياسيّ وطنيّ وإحداث تغيير في المركز السياسيّ في سوريا وصولاً إلى رحيل الرئيس بشار الأسد – أي تغيير النظام. ويبدو أنّ هذا المعسكر قد فاز".

لكنّ هيلر أشار إلى أنّ "أميركا لم تصف في السابق مهمّتها في سوريا بهذا الشكل، وسيثير هذا التغيير ردّ فعل سلبيّاً من النظام السوريّ وحليفتيه روسيا وإيران. ويبدو أنّه سيثير سخط تركيا أيضاً لأنّه يدلّ على التزام أميركيّ طويل الأمد تجاه وحدات حماية الشعب أو الكيانات التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب وعلى شكل من أشكال الاعتراف السياسيّ بها".

لكنّ الوضع أخطر منذ ذلك.

يعتقد السفير الأميركيّ السابق في العراق وتركيا والزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، جيمس جيفري، أنّ أردوغان قد ينفّذ بالفعل هذه المرّة تهديداته المرتبطة باستهداف عفرين "لأنّه مستاء للغاية من الفوضى المتعلّقة بسوريا/وحدات حماية الشعب". وقال جيفري لـ "المونيتور" إنّ العلاقات بين حلفاء حلف شمال الأطلسي تدهورت إلى درجة أنّ "الجيش الأميركيّ استنتج أنّه مهما فعل أو لم يفعل، سيتعرّض لهجوم كلاميّ ودبلوماسيّ من قبل تركيا، وسيقوم الأتراك بمناورات خطرة على الأرض". لكن، مع أنّ الجيش الأميركيّ "يشعر بأنّه مهما فعل، لن ينجح في تهدئة تركيا مهما فعل"، إلا أنّه على قناعة أيضاً بأنّه "مهما فعل، لن تعرقله تركيا، ولذلك تجاهل تركيا إلى حدّ كبير". وقد أدّت طريقة التفكير هذه إلى التقاعس الذي أشار إليه جيفري والمتمثّل بـ "اعتقاد الجيش الأميركيّ أنّ تركيا لن تتحرّك جدياً ضدّ الأنشطة الأميركيّة. أخشى أن يكون ذلك غير صحيح".

إذا قامت تركيا أخيراً بهذه الخطوة، فمن المحتمل أن تواجه مقاومة قويّة من وحدات حماية الشعب وهجمات انتقاميّة من حزب العمّال الكردستانيّ. وتوقّعت شركة Teneo Intelligence الاستشاريّة المتخصّصة في المخاطر، في رسالة بحثيّة وزّعتها على المنتسبين إلى خدماتها، ما يأتي: "من المستبعد أن يؤدّي هجوم على عفرين إلى ترهيب واشنطن من أجل سحب دعمها لـ [وحدات حماية الشعب]، بل سيؤدّي على الأرجح إلى استمرار الدعم الأميركيّ، لا بل زيادته".

وفي سوريا، تقول وحدات حماية الشعب إنّها جاهزة لمواجهة الأتراك وحلفائهم. وقال القائد الأعلى لوحدات حماية الشعب، سيبان هيمو، لوكالة الأنباء "فيرات" الموالية للأكراد في مقابلة إنّ "المعركة ستكون تاريخيّة و[تشكّل] النهاية... إنّ تحرير المنطقة من أردوغان... هو قدرنا".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkish intervention in syria, pkk, syrian kurds, people's protection units, ypg, syrian regime, recep tayyip erdogan
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept