نبض مصر

كيف تواجه قناة السويس قطار وقناة التطبيع؟

p
بقلم
بإختصار
تناقش إسرائيل حاليّاً مشروع خطّ قطار للربط بينها وبين المملكة العربيّة السعوديّة، وسط مخاوف العديد من المراقبين والخبراء من تأثير ذلك القطار على حجم التجارة المارّة بقناة السويس.

القاهرة – يبدو أنّ عام 2017 كان عاماً لنجاحات قناة السويس، حيث أعلن رئيس هيئة قناة السويس والمنطقة الاقتصاديّة التابعة لها مهاب مميش في تصريحات صحافية لجريدة اليوم السابع بـ31 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 أنّ قناة السويس حقّقت زيادة في إيراداتها بالجنيه المصري بنسبة 89.9 في المئة خلال عام 2017 مقارنة بعام 2016، متوقّعاً أن تزداد إيرادات القناة مع انطلاق مشاريع المنطقة اللوجيستيّة والمناطق الاستثماريّة المحيطة بها.

إلاّ أنّ طموحات مميش لم تكن كافية لمحو الشكوك التي ما زالت تساور المصريّين في جدوى مشروع تطوير وتنمية قناة السويس ومحورها الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ 4 أغسطس 2014، خصوصاً مع إعلان مسؤول إسرائيليّ اعتزامه إحياء فكرة قطار الحجاز – حيفا المنافس للقناة.

البداية كانت عندما أعلن وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيليّ يسرائيل كاتس عن نوايا دولته إعادة إحياء مشروع قطار الحجاز المنافس لقناة السويس، الذي يربط بين ميناء حيفا في شماليّ الأراضي المحتلّة ودول الخليج.

تم بناء سكة حديد الحجاز عام 1908 لربط دمشق بالمدينة المنورة من خلال منطقة الحجاز في المملكة العربية السعودية. وكان من المفترض أن تمتد السكة الحديدة إلى مكة لتيسير وصول الحجاج إلى المدينة المقدسة. أضيفت العديد من التفريعات للسكة ليصل بعد ذلك إلى حيفا على البحر المتوسط، ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى دُمر خطه الرئيسي وخطوطه الفرعية.

وشرح كاتس في حواره مع موقع "إيلاف" بـ13 كانون الأوّل/ديسمبر طريقة تنفيذ ذلك المشروع الموازي لساحل البحر الأحمر وقناة السويس، قائلاً: "سوف نكمل المشروع من بيسان الى جسر الشيخ حسين (معبر الحدود البري بين اسرائيل والاردن) وعلى الاردنيين اكمال السكك من منطقة اربد والمفرق الى الحدود السعودية، والالتقاء بالسكك السعودية، وهذا سوف يربط الخليج العربي بميناء حيفا".

ولفت يسرائيل كاتس إلى أنّ المشروع جاهز، ويمكن تفعيله خلال سنة أو سنتين، إذا وافق كلّ من الأردن ودول الخليج على رأسهم السعودية وتليها دولة الإمارات ودولة البحرين لارتباطهما بشبكة قطارات مع السعودية، مشيراً إلى أنّه تمّ عرض المشروع عليهم بالفعل، من دون أن يوضح كيفيّة وصول ذلك العرض إلى دول الخليج، لا سيّما أنّ السعوديّة لا ترتبط بعلاقات ديبلوماسيّة مع إسرائيل، بينما توجد علاقات ديبلوماسيّة بين الأردن وإسرائيل عبر اتفاقيّة وادي عربة.

واختتم حديثه لـ"إيلاف" قائلاً إن القطار سيقلّل تكلفة نقل البضائع من أوروبا إلى الخليج. وبالفعل، فإنّ نحو 25 في المئة من التجارة التركيّة تمرّ عبر ميناء حيفا إلى دول الخليج، مروراً بالأردن.

وحذّر الإعلاميّ ومستشار رئيس الجمهوريّة الأسبق أحمد المسلماني خلال حلقة برنامجه "الطبعة الأولى" المذاع على فضائيّة "دريم" بـ18 كانون الأوّل/ديسمبر من مشروع قطار الحجاز – حيفا، وقال: إنّ هذا القطار سيكون بديلاً لقناة السويس. وبالتّالي، سيؤثّر في المستقبل على إيراداتها، خصوصاً أنّه سيكون أكثر أمناً من القناة في حال تطوّر الصراع اليمنيّ إلى محاولة سيطرة الحوثيّين والبحريّة الإيرانيّة على مضيق باب المندب.

ورأى الخبير العسكريّ اللواء المتقاعد ممدوح عطيّة في حديث لـ"المونيتور" أنّ الأمر ليس بدرجة البساطة التي تحدّث عنها الوزير الإسرائيليّ أو الإعلاميّ أحمد المسلماني، مشيراً إلى أنّ سيطرة إيران أو الحوثيّين على مضيق باب المندب لا تعتبر عملاً عدائيّاً تجاه مصر وقناة السويس فقط، وإنّما عملاً عدائيّاً تجاه كلّ دول العالم والتجارة بين الشرق والغرب، معتبراً أنّ أيّ محاولة من إيران أو الحوثيّين للسيطرة على مضيق باب المندب ستواجه بردّ شرس وعنيف من كلّ دول العالم.

من جهته، قال أستاذ وخبير اقتصاديّات النقل في الأكاديميّة العربيّة للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحريّ مصطفى الرشيد لـ"المونيتور": "إنّ المشروع الإسرائيليّ ليس منافساً لقناة السويس منذ الأساس لكي يؤثّر على إيراداتها، فبعد نجاح مشروع تطوير المجرى الملاحيّ لقناة السويس الذي أطلقه السيسي في عام 2014 في تعميق المجرى الملاحيّ للقناة أصبحت تستوعب الحاويات الضخمة وناقلات البترول. وبالتّالي، لا يمكن لأيّ قطار أن ينافس القناة لأنّه لن يستوعب إلاّ حمولات السفن ذات الاستيعاب الصغير، ولا يعني ذلك أنّ مشروع القطار فاشل، وإنّما يعني أنّ لكلّ من القطار وقناة السويس عملاء مستهدفين مختلفين نظراً لطبيعة اختلاف القطار عن القناة".

وبالفعل، يعكس إصرار كاتس على المشروع احتماليّات نجاحه، حيث عاد للتحدّث عنه مرّة أخرى في 25 كانون الأوّل/ديسمبر خلال المؤتمر الاقتصاديّ السنويّ لجريدة "كالكاليست" الإسرائيليّة بشأن توقّعات المسؤولين وأهمّ المستثمرين الاقتصاديّة لعام 2018، ووصف في كلمته بالمؤتمر مشروع قطار الحجاز – حيفا بالمشروع التاريخيّ، وقال: "أدفع هذا الأمر قدماً، والتقيت مرّات عدّة مع جهات ومسؤولين إداريّين أميركيّين لمناقشته، وما ينقصنا فقط هو روابط بطول 200 كيلومتر من أجل ربط طرف القطار الأوّل في السعوديّة بطرفه الأخير في إسرائيل عبر الأردن. وبذلك، يكون الوصول الأوّل للقوّة الاقتصاديّة السعوديّة إلى إسرائيل".

ورغم أنّ التأثير المباشر للقطار على إيرادات قناة السويس يبدو معدوماً، إلاّ أنّ مشروع الربط البريّ بين إسرائيل والسعوديّة يدفع إلى التساؤل عن تأثير التطبيع [إذا ما تم] بين المملكة وإسرائيل على اقتصاد مصر، ويذكر أنّ العديد من الخبراء والمراقبين حذّروا من اتفاق إسرائيل والسعوديّة على تأسيس قناة موازية لقناة السويس من ميناء إيلات في إسرائيل إلى ساحل إسرائيل على البحر المتوسّط، على أن تمرّ السفن إلى تلك القناة عبر مضيق تيران الذي تنازلت مصر عن السيادة عليه للسعوديّة في اتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة المعروفة إعلاميّاً باتفاقيّة "تيران وصنافير".

ما سبق هو ما حذّر منه رئيس وزراء مصر الأسبق والمرشّح الرئاسيّ المحتمل لانتخابات 2018 أحمد شفيق، والكاتب الصحافيّ عبد الله السناوي، إلاّ أنّ رئيس لجنة الدفاع والأمن القوميّ في مجلس النوّاب المصريّ كمال عامر قال لـ"المونيتور": "اتفاقيّة كامب ديفيد نصّت على أن يكون مضيق تيران ممرّاً ملاحيّاً دوليّاً، وهو ما يعني أنّ مصر لم تكن قادرة على منع الملاحة في المضيق إذا قرّرت إسرائيل حفر قناة من إيلات إلى البحر المتوسّط لتكون منافسة لقناة السويس".

أضاف: "السبب الذي منع إسرائيل من تأسيس تلك القناة هو أنّ طبيعة الصخور الإسرائيليّة ليست رخوة لتسمح بشقّ ممرّ ملاحيّ كقناة السويس، وليس أنّ مصر كانت قادرة على منع الملاحة بوجه السفن الراغبة في المرور من القناة الإسرائيليّة".

ورغم أنّ العديد من المشاريع الموازية لقناة السويس مثل قطار الحجاز أو قناة إيلات تواجه صعوبات على مستوييّ التنفيذ والتأثير على إيرادات قناة السويس على المدى القريب، إلاّ أنّه يمكن القول إنّ حالة احتكار القناة للتجارة بين الشرق والغرب ما زالت تنكسر شيئاً فشيئاً، وأنّ حالة التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج، والمملكة العربيّة السعوديّة تحديداً، ربما تسرّع من وتيرة انكسار ذلك الاحتكار.

ديفيد عوض صحفي مصري بدأ حياته العملية كمتدرب في الأهرام الاقتصادي ثم انتقل ليكون معدا في راديو مباشر الاقتصادي، مهتم بقضايا الاقتصاد والإعلام والفنون.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X