نبض مصر

ارتفاع نسبة فقر الأطفال في مصر في ظلّ تلاشي الدعم الضروريّ

p
بقلم
بإختصار
بينما تسعى منظّمات مستقلّة إلى تخفيف حدّة الفقر وضمان نفاذ الأطفال في مصر إلى التعليم، يعيق القانون الحكوميّ الخاصّ بالمنظّمات غير الحكوميّة هذه المحاولات.

قبل أيّام قليلة من عيد الميلاد القبطيّ في 7 كانون الثاني/يناير، كان مؤسّس ومدير جمعيّة روح الشباب، عزت نعيم، يحضّر ملابس كهدايا لبعض الأطفال المقيمين في حيّ منشية ناصر في القاهرة. وتسعى المنظّمة التي يديرها نعيم، والتي تأسست سنة 2004، إلى تعليم الأطفال في منشية ناصر كيفيّة إعادة التدوير بشكل آمن، بالإضافة إلى القراءة والرياضيّات.

يقع حيّ منشية ناصر على هضبة المقطم في شرق القاهرة، ويُعرف بحيّ الزبّالين، أي جامعي القمامة الأكثر فقراً الذين يعيدون تدوير القسم الأكبر من نفايات القاهرة.

وشرح نعيم لـ "المونيتور" قائلاً: "إنّ 60% من الأطفال تقريباً هم خارج نظام التعليم الرسميّ. ويستحيل عليهم دخول المدرسة لأنّهم يرافقون آباءهم لجمع النفايات من المنازل والتجّار. وعندما يعودون، تكون المدارس قد أقفلت أبوابها".

وأضاف نعيم: "لا يلعبون كالأطفال [الآخرين]. ولا يمرحون أو يقومون بأشياء مسلّية، ما عدا الذهاب إلى الكنيسة أحياناً. وبالتالي، يفقدون الكثير من حقوقهم كأطفال".

وفي مجتمع الزبّالين، غالباً ما يبدأ الأطفال بجمع النفايات في سنّ السابعة أو الثامنة لمساعدة أهاليهم ذوي الدخل المنخفض. يستيقظ الصبيان مع آبائهم عند الرابعة فجراً لكي يجمعوا النفايات من الشقق في كلّ أنحاء القاهرة، ثمّ يعودون إلى بيوتهم قرابة الحادية عشرة صباحاً.

وبعد عودة الصبيان والرجال، يحين وقت العمل لدى النساء والفتيات، خلال ساعات الدراسة، فيفتّشن في القمامة لفرز ما يمكن إعادة تدويره وما يمكن إطعامه للخنازير.

إنّ الهدف من تأسيس جمعيّة روح الشباب بيئيّ وتعليميّ في الوقت نفسه. فالجمعيّة تؤمّن التعليم المجانيّ لعدد من الأطفال الأكثر ضعفاً في الحيّ. ويقدّم مئات الأطفال طلبات الالتحاق. وتدرّبهم الجمعيّة أيضاً على كيفيّة إعادة التدوير بشكل آمن ومستدام.

وغالباً ما يشكّل العمل وسط القمامة خطراً على الأطفال. وقال نعيم: "إنّهم يصابون بأمراض. يتعرّضون لجروح بسبب دخول الإبر في أيديهم عند جمعهم النفايات. ولهذا السبب، ينتشر مرض التهاب الكبد [ج] هنا".

يعاني طفل واحد من بين ثلاثة أطفال في مصر من الفقر، بحسب ما كشف تقرير للـ "يونيسف" بعنوان "فهم فقر الأطفال متعدّد الأبعاد في مصر" نُشر في كانون الأول/ديسمبر 2017 بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعيّ المصريّة والجهاز المركزيّ للتعبئة العامّة والإحصاء.

ويشير التقرير إلى أنّ نسبة الفقر الماليّ في صفوف العائلات ارتفعت في مصر في خلال العقد الماضي. وبحسب التقديرات، عاش 16,7% من السكّان تحت خطّ الفقر في العام 2000، وبحلول العام 2015، ارتفع هذا الرقم إلى 27,8%. وجاء في التقرير أنّ العنف ضدّ الأطفال وقلّة التغذية وقلّة النفاذ إلى الخدمات الصحيّة هي العوامل الثلاثة الرئيسيّة المساهمة في فقر الأطفال متعدّد الأبعاد.

ارتاد موسى، وهو شابّ عشرينيّ فضّل عدم الكشف عن اسمه، مدرسة نعيم واستفاد من خدمات التعليم التي تقدّمها. فتمكّن من كسر دوّامة الفقر وأصبح خبّازاً في منشية ناصر. وقال إنّ التعليم الذي حظي به أفضل بكثير من ذلك الذي تلّقاه في مدرسة حكوميّة في المنطقة، حيث لم يتعلّم حتّى القراءة والكتابة.

وقال موسى لـ "المونيتور": "المشكلة هي أنّ المدرسة الحكوميّة لديها أسلوب سيئ في التعليم. لديهم أساتذة سيّئون ويتشاجرون مع الفتيان من دون سبب. لم أتعلّم الأبجديّة باللغة العربيّة. تعلّمتُ كلّ شيء في المدرسة مع السيّد عزت".

وفي معرض الكلام عن عامل آخر يبقي الأطفال عالقين في الفقر، قال ممثّل "اليونسيف" في مصر، برونو ميس، لـ "المونيتور" إنّ "مصر بحاجة إلى تحوّلات اجتماعيّة وسلوكيّة وثقافيّة كبيرة لضمان الحماية لجميع الأطفال وللقضاء على العنف كأحد العوامل الرئيسيّة المسبّبة لفقر الأطفال".

وأشار موسى إلى إنّه لم يتعرّض يوماً للعنف الجسديّ، لكنّه تعرّض لمخاطر أخرى. وقال: "فقدنا هذه السنة ثلاثة أولاد في الشارع بعد أن صدمتهم سيّارات، أحدهم الأسبوع الماضي".

وفيما يسلّط تقرير "اليونيسف" الضوء على تقصير الحكومة المصريّة في معالجة فقر الأطفال عبر العقود، يشير أيضاً إلى الجهود الحاليّة التي تبذلها الدولة لتخفيف وطأته. وفي هذا الإطار، وكجزء من خطّة مدّتها خمس سنوات، ستتطرّق "اليونيسف" والحكومة إلى مسألة الفقر من خلال التركيز على تنمية الطفولة المبكرة وسوء التغذية لدى الأطفال والقضاء على العنف ضدّ الأطفال. وستقدّم "اليونيسف" النصح إلى الحكومة وتساعدها على محاولة تحسين هذه المؤشّرات.

ومن الجهود الأخرى التي تبذلها الحكومة للوقاية من الفقر برنامجا "تكافل" و"كرامة". ويقدّم برنامج "تكافل" إعانة أساسيّة بقيمة 320 جنيهاً (18 دولاراً) مع زيادات للطفل الواحد تتراوح من 60 جنيهاً (3,40 دولاراً) إلى 100 جنيه (5,70 دولاراً) بحسب سنّ الطفل. لكنّ المشاركة في البرنامج مرتبطة بشرط ذهاب الطفل إلى المدرسة.

ويشير من ينتقدون هذه المقاربة الحكوميّة إلى أسباب سياسيّة تدفعهم إلى الاعتقاد أنّ الحكومة ستفشل في هذا الإجراء.

يعتبر البروفسور في علم الاجتماع عمرو علي مثلاً أنّ رفض الحكومة للشمول السياسيّ هو مصدر ضرر. وقال لـ "المونيتور": "لا تسمح الحكومة لأصوات بديلة بـ [تقديم النصح]. وليس هناك مجال كبير لذلك إلا إذا تمّ تحت إشراف النظام".

وأضاف قائلاً: "إنّ الدولة ببساطة لا تصغي – لا للخبراء ولا للفقراء أنفسهم. والذهنيّة الحاليّة للحكومة لا تفهم مفهوم السياسة أو المداولات".

في هذا السياق، تتخبّط جمعيّة روح الشباب التي يديرها عزت نعيم في ضائقة ماليّة حالياً بعد سحب شركة مانحة تمويلها في منتصف العام 2017 بسبب قانون جديد للمنظّمات غير الحكوميّة وعجز الجمعيّة حتّى الآن عن اجتذاب أموال بديلة.

وينصّ القانون الجديد الذي صدر العام الفائت على أنّ المنظّمات التي تتلقّى هبات من الخارج تتخطّى قيمتها 10 آلاف جنيه (566 دولاراً) يجب أن تحصل على موافقة مسبقة من الحكومة من أجل التمويل. وإنّ عدم الامتثال لهذا الشرط قد يؤدّي إلى خمس سنوات من السجن أو غرامة بقيمة مليون جنيه (56600 دولار).

ولم يتمكّن نعيم حتّى اليوم من الحصول على موافقة من أجل أيّ تمويل، ما يعني أنّ المدرسة لا تستطيع استيعاب العدد الكبير نفسه من الأطفال. فقبل أن تسحب الشركة المانحة أموالها، كان هناك 120 طفلاً على الأقلّ في برنامج الجمعيّة. أمّا اليوم فهناك ما بين 20 و30 طفلاً في البرنامج.

وشرح نعيم قائلاً: "منذ العام 2011، تخشى الحكومة المنظّمات غير الحكوميّة باعتبار أنّها تتسبّب بعدم الاستقرار لأنّها تنشر الوعي لدى الناس بشأن العدالة الاجتماعيّة. لدينا حملات لنشر الوعي بشأن الرعاية الصحيّة الأوليّة ولقاحات ونؤمّن القفّازات لعمّال [النفايات]. والآن تمّ رفض تمويلنا لأنّ الحكومة غبيّة بما يكفي لعدم التمييز بين المنظّمات غير الحكوميّة التي تساعد المجتمع وتلك التي تعنى بحقوق الانسان".

ومع أنّ الحكومة تفعل عين الصواب بالتركيز على تخفيف حدّة فقر الأطفال – من خلال برنامج "تكافل" والتعاون مع "اليونيسف" مثلاً – إلا أنّ إصرارها على ملاحقة المنظّمات غير الحكوميّة لا يخدم الهدف المرجوّ ويحرم بعض الأطفال من التعليم الجيّد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : التعليم
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept