ما بعد مقتل صالح

بعد مقتل صالح، يظلّ السؤال الأهمّ، لمن ستؤول قوّة صالح الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة؟ قوّة صالح الشعبيّة والتي كانت تتجاوز المنطقة الزيديّة، على عكس جماعة الحوثي التي تحظى بشعبيّة محدودة داخل المنطقة الزيديّة في اليمن.

al-monitor .

ديس 19, 2017

انطوت مرحلة من تاريخ اليمن بمقتل رئيسها السابق علي عبدالله صالح في ٤ ديسمبر ٢٠١٧ الذي حكمها لمدّة تقارب الـ34 عاماً (1978-2012)، ظلّ بعدها لاعباً سياسيّاً مهمّاً ورئيسيّاً حتّى مقتله أخيراً. قتل صالح إثر اشتباكات مسلّحة بينه وبين الحوثيّين حلفائه، بعد تلاقي مصيرهم في مواجهة خصوم مشتركين أوّلهما حزب الإصلاح (شبكة تحالفات قبليّة ودينيّة من سلفيّين وإخوان مسلمين)، ثمّ السعوديّة، عندما شنّت حربها في آذار/مارس 2015.

كان من المتوقّع انفجار الاشتباكات بين الطرفين المتنافرين خصوصاً مع رغبة جماعة الحوثي في الاستيلاء على كلّ شيء، وتزايد قوّتها العسكريّة بمرور كلّ يوم حرب، إضافة إلى إرث الثأرات والحروب بين الطرفين، حيث قاتل جيش الدولة الذي كان يرأسه صالح جماعة الحوثي المتمرّدة (2004-2010) التي كانت تقول إنهم مضطهدين ويدافعون عن أنفسهم ضد حكومة ظالمة.

لذا ظل التحالف هش بين الطرفين اللذين لا يثقان ببعض بسبب الحروب السابقة كما كان يسعي الحوثيون للسيطرة على كل موارد الدولة واقصاء حزب المؤتمر من السلطة.

ولم يكن مستغرباً قتل الحوثيّين صالح وإخفاء جثّته على غرار ما حصل مع مؤسّس الجماعة حسين الحوثي الذي قتل في عام 2004، وأخفيت جثّته حتّى دفنت في عام 2013، وهذا ما يفسّر صياح الحوثيّين بالفيديو الذي نشروه (دم سيّدي الحسين) كناية عن اخذهم بثأر مؤسس جماعتهم حسين الحوثي.

حسب الرواية الحوثية قتل صالح وهو يهرب لمنطقته شمال صنعاء عند قبائل سنحان، لكن الرواية التي تبناها انصار صالح وبعض الوسطاء انه بالفعل قتل اثناء مواجهات في منزله، وهذه مسألة رمزية مهمة لدى العقلية القبلية، فارق كبير بين من يقتل اثناء مواجهة حيث ينظر له بتقدير واحترام لا يحظى بها من قتل اثناء فراره.

لم تكن أيضاً مثيرة للاستغراب عمليّة التنكيل الواسعة التي يقوم بها الحوثيّون ضدّ خصومهم داخل صنعاء من اعتقالات وإعدامات وتفتيش واسع للمنازل وتنكيل بالمتظاهرين، هذا غير تفجير المنازل، كذلك إضعاف النت وحجب مواقع وسائل التواصل الاجتماعيّ. يتناسب ذلك مع طبيعة الجماعة كحالة دينيّة متطرّفة ذات تكوين أمنيّ عسكريّ قويّ وصارم، إضافة إلى ضعف شعبيّتها، حيث تعلم جيّداً أنّ عدد أنصار صالح تضاعف كثيراً في السنوات الأخيرة لأنّ الناس رأته بديلاً عن جماعة الحوثي، ومنقذا لهم من الحوثي.

بعد مقتل صالح، يظلّ السؤال الأهمّ، لمن ستؤول قوّة صالح الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة؟ قوّة صالح الشعبيّة والتي كانت تتجاوز المنطقة الزيديّة، على عكس جماعة الحوثي التي تحظى بشعبيّة محدودة داخل المنطقة الزيديّة في اليمن.

سوف تتمزّق هذه القوّة الجماهيريّة طائفيّاً ومناطقيّاً، ولن تستطيع جماعة الحوثي إلّا وراثة جزء بسيط منها ضمن سياسة إخضاع وليس جذب. أمّا حزب المؤتمر الذي كان يرأسه صالح فهو كان منقسماً بين جماعة صغيرة في السعوديّة تابعة إلى الرئيس عبد ربّه منصور هادي، وجزء أكبر يدين بالولاء إلى صالح داخل اليمن، وهذا الجزء بدوره انقسم إلى جزء إمّا يتعرّض إلى القمع والتنكيل أو إلى الضغط لكي يخضع إلى جماعة الحوثي، أو جزء في الخارج ربّما يتبع أحمد ابن الرئيس صالح الذي يقيم في أبوظبي، وأصدر بياناً بعد مقتل والده يشير إلى رغبته في العودة إلى العمل السياسيّ.

يعبّر وضع قناة اليمن اليوم التي كان يموّلها صالح عن هذا الانقسام حيث تبثّ من صنعاء بتوجّه حوثيّ، وتأسّست قناة اليمن اليوم اخيراً في القاهرة ممّن كانوا يوالون صالح وغاضبين من جماعة الحوثي وغير مقرّبين من هادي أيضاً. تغلق القناة في صنعاء بل صارت تبث بتوجه حوثي لكن فتح لها مقر آخر منفصل بالقاهرة في مصر يتبع أعضاء من حزب المؤتمر انصارا لصالح لا يتبع حكومة هادي لكن يعارض الحوثي.

على المستوى العسكري تعرضت قوات صالح لهزيمة نهائية، وهي أصلا كانت صغيرة وممزقة، ومن المهم معرفة ماذا سيكون مصير القيادي العسكري الاول في هذه المواجهات وهو ابن اخ صالح "طارق صالح"، الذي يقال انه فر ويبحث عنه الحوثيون بتفتيش المنازل وتمشيط الحارات في صنعاء.

من التداعيات العسكرية لمقتل صالح، تصعيد العمليات العسكرية في الساحل الشمالي الغربي من قبل قوات التحالف للسيطرة على ميناء الحديده، منفد شمال اليمن (الواقع تحت سيطرة الحوثي) الوحيد للعالم حيث تستورد منه ابسط احتياجاتهم الغذائية، في محاولة للاستفادة من انشغال الحوثيين بصنعاء والاحتقان الشعبي ضدهم، لكن هذا التقدم حتى لو نجح لن يفيد كثيرا في الضغط على الحوثي سياسيا بل ستسبب فقط في زيادة حدة المعاناة الانسانية وتحرج التحالف دوليا اكثر. كما تظل صنعاء بعيدة عن الحديدة ومحاطة بجبال وعرة صعب اجتياحها.

فالوضع مختلف عن حرب عام 1934 بين السعوديّة واليمن، حيث سيطرت السعوديّة على الساحل وأجبرت الإمام (تسمية حاكم اليمن آنذاك) على التنازل عن مناطق شماليّة (عسير ونجران)، مقابل عودة الساحل، فالإمام يحيى حميد الدين كان يسعى إلى إدارة الدولة، وليس مجرّد السيطرة على مناطق وإخضاع الناس.

كانت رسائل جماعة الحوثي العنيفة جدّاً في الداخل النقيض في الخارج. ففي اليوم التالي مباشرة لمقتل صالح، أعلن رئيس المجلس السياسيّ الأعلى-وهي الهيئة التمثيلية والسياسية الأعلى لسلطة الحوثي -صالح الصماد أنّهم على استعداد للحوار مع دول التحالف، على الرغم من أنّ إحدى أهمّ دعاياتهم الحربيّة ضدّ علي عبدالله صالح أنّه ارتكب خيانة عندما قال إنّه سوف يفتح صفحة جديدة مع الجيران.

تزامن ذلك مع تصريحات البيت الأبيض في ٦ ديسمبر أنّ على السعوديّة رفع حصارها عن اليمن، وحملة إعلاميّة غربيّة واسعة للمرّة الأولى عن حرب اليمن والمعاناة الإنسانيّة فيها. الضغط الغربيّ غير المسبوق التي تتعرّض إليه السعوديّة، بينما جماعة الحوثي في حالة استرخاء حقيقيّ للمرّة الأولى في العاصمة اليمنيّة صنعاء بدون منافس أو شريك سياسي، ممّا يساعد الحوثي السيطرة كلّيّاً على مجريات أيّ عمليّة سياسيّة وكذلك مؤسّسات الدولة من دون منافسة، أسباب تدفع إلى التفكير بأنّ التسوية السياسيّة قد تكون وشيكة بين الحوثي والحكومة الشرعية في المنفى التي يدعمها التحالف.

هذه التسوية سوف تكون ضمنيّاً إقراراً بالأمر الواقع لإضفاء شرعية لسلطة الحوثي على الجزء الأكبر من شمال اليمن، حيث يسكن معظم سكّان اليمن والأهمّ على عاصمة الدولة اليمنيّة، إضفاء شرعية للحوثي لن يجعل اليمنيين ينسون حقيقة إن الحوثي اغتصب السلطة ولن يعالج طبيعة الحوثي العنيفة. لذا سوف تكون سلطة صنعاء على بقيّة المناطق التي خرجت عن سيطرة جماعة الحوثي ضعيفة جدّاً وفيها قدر كبير من الممانعة.

سيطرة جماعة الحوثي، وهي ميليشيا طائفيّة، على صنعاء سوف تقسّم البلد طائفيّاً وتجرّه إلى مستنقع حرب أهلية طائفيّة طويلة الأمد، في وقت يتوقّع أن يرتخي تماسك جماعة الحوثي كجماعة متشدّدة نشأت في منطقة معزولة لسلطة فيها العديد من الانتهازيّين، كما سوف تتوالى شعاراتها الرنّانة في السقوط، سواء تلك المتعلّقة بمواجهة العدوان والحكم الصالح ومكافحة الفساد وتفقد ما تبقّى لها من أغطية أخلاقيّة تحتاجها بعد تخلّيها عن غطائها السياسيّ الأخير بقتلها زعيم حلفها السياسيّ الوحيد صالح.

الأهمّ أنّه مثل ما صعدت جماعة الحوثي بمفاهيم المظلوميّة ورغبة الانتقام بسبب عزلتها ثمّ القمع العسكريّ لتمرّدها، فإنّها خلقت مشاعر مماثلة من الغضب والرغبة في الانتقام لدى اليمنيّين بمختلف تيّاراتهم السياسيّة وقبائلهم وطوائفهم. ومثل ما دارت دورة الثأر كاملة بين مقتل حسين الحوثي ومقتل صالح، سوف تدور دورة كاملة بين الحوثيّين وخصومهم الكثر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

كيف تسير المشاورات السعوديّة مع الحوثيّين؟
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | نوف 26, 2019
ملك البحرين في القاهرة للمرة الثانية خلال عام... فلماذا؟
أحمد جمعة | التعاون الأمني/الدفاعي | نوف 15, 2019
حوار جدّة... تأصيل للتواجد السعوديّ-الإماراتيّ بوجوه يمنيّة
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 23, 2019
الدرون لم تعد في مأمن... سماء اليمن باتت ملغّمة
Ammar al-Ashwal | | أغس 30, 2019
بدعم من الإمارات وتواطئ من السعوديّة... سقطت عدن
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | أغس 22, 2019

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض الخليج

al-monitor
السودان... بقاء رمزيّ في اليمن لحفظ ماء وجه التحالف
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | فبر 3, 2020
al-monitor
كيف تسير المشاورات السعوديّة مع الحوثيّين؟
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | نوف 26, 2019
al-monitor
حوار جدّة... تأصيل للتواجد السعوديّ-الإماراتيّ بوجوه يمنيّة
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 23, 2019
al-monitor
التحالف... جاء لاستعادة الشرعيّة في صنعاء فأسقطها في عدن
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 4, 2019