نبض تركية

هل تنجح حملة أردوغان الخاصة بالقدس؟

p
بقلم
بإختصار
يخشى أنصار أردوغان أن تسفر حملته الصاخبة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل عن خيبة أمل تؤدي إلى عزله إقليميا.

للوهلة الأولى، يبدو أن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس كعاصمة إسرائيل قد أتاح للرئيس رجب طيب أردوغان فرصة جديدة لقيادة العالم الإسلامي وتحريف الانتباه عن مشاكله الداخلية، إلا أن عدة محللين يعتقدون أن عدم دعم القوى العربية للجهد الذي يمارسه أردوغان ضد الولايات المتحدة وإسرائيل قد يسفر في نهاية المطاف عن خيبة أمل، وإن كان أردوغان يكتسب بذلك نقاطا شعبوية، ليس فقط في تركيا، ولكن أيضا في الشرق الأوسط فيما تكتسب حملته القوية على القدس المديح في ظل استجابة عربية متعرجة.

في خطاب أدلى به أردوغان أمام أنصاره فى مدينة سيفاس في وسط الأناضول يوم 10 كانون الأول / ديسمبر، أشار الى قرار مجلس الأمن رقم 478 الذي تم تبنيه فى عام 1980 والذى أدان إسرائيل جراء إعلانها القدس عاصمتها، مواصلا بذلك هجومه على ترامب.

وفي خضم انتقاضه إمبراطورية ترامب العقارية، قال أردوغان: "كيف يمكنك يا ترامب أن تعتبر بمفردك أن قرار عام 1980 باطل؟ هل تتمتع بهكذا سلطة؟ أوهل هي عملية بيع وشراء أراضي؟"

وتابع أردوغان ليصف إسرائيل بأنها "دولة إرهابية". وفي إشارة إلى الصورة التي انتشرت والتي أظهرت عددا كبيرا من الجنود الإسرائيليين يعتقلون ويعصبون عيني أحد المتظاهرين الفلسطينيين الشباب، انتقد الجيش الإسرائيلي انتقادا لاذعا ليضيف: "أنظر إلى ما فعله حوالى 20 إرهابي إسرائيلي بصبي يبلغ من العمر 14 عاما".

أما رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فلم يخل من الحدية ذاتها، إذ صرح للصحفيين فى باريس في خلال زيارة رسمية: "لست معتادا على تلقي محاضرات أخلاقية من زعيم يقصف القرويين الأكراد في بلده الأصلي تركيا ويسجن الصحفيين ويساعد إيران على التحايل على العقوبات الدولية ويساعد الإرهابيين، بما في ذلك في غزة، علما أنهم يقتلون الأبرياء".

لكن يبدو أن أردوغان هو الفائز نظرا لترحيب مسلمي العالم أجمع بحملته على الولايات المتحدة وإسرائيل.

وجيه نسيبة، رئيس الأسرة الفلسطينية المكلفة فتح باب كنيسة القبر المقدس في القدس كل يوم، لخص مشاعر الشارع في العالم العربي وقال في مقابلة مع صحيفة حريت إن تركيا تدافع عن القدس بشكل أفضل من القادة العرب الذين اتهمهم "بهدر الوقت من خلال الاشتباك فيما بينهم".

كما عادت الكراهية التركية تجاه الأنظمة العربية إلى الظهور مجددا إثر أزمة القدس، وخاصة - ولكن ليس حصرا - بين مؤيدي أردوغان الإسلاميين.

وقال نوح البايراك، رئيس تحرير صحيفة ستار المؤيدة لجماعة أردوغان، في مقال له إن ترامب لما كان تمكن من التوصل إلى قراره من دون موافقة "الدمى العالمية التي تحرك الدول الإسلامية،" مضيفا إن تركيا هي الدولة الوحيدة التي تتكبد عناء الدفاع عن محنة الفلسطينيين ومصير القدس.

وكرر من جهته طه أكيول، وهو كاتب عمود ليبرالي مخضرم في صحيفة حريت، المشاعر ذاتها لكنه ذهب حد انتقاد الجمهور العربي إزاء رده المعتدل نسبيا على قرار ترامب بشأن القدس فقال في مقاله إن "المجتمعات العربية اليوم صامتة ونائمة وغير متطورة"، وألقى اللوم في ذلك على "غياب الثقافة الديمقراطية والتفكير الحر" في العالم العربي.

وصرح أردوغان للصحفيين في اثينا الاسبوع الماضي في خلال زيارة رسمية إن الانشقاق في العالم الإسلامي هو الذي حفز ترامب على إعلان القدس عاصمة إسرائيل. كما أوضح إنه يريد نتائج ملموسة من القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 عضوا والتي دعا إليها بصفته رئيسا للمنظمة التي من المقرر أن تعقد فى اسطنبول في 13 كانون الأول / ديسمبر، ويأمل أردوغان أن تتمخض هذه القمة عن رد جماعي مجدي بما يخص الولايات المتحدة وليس عن مجرد بيان سطحي. فإذا تمكن من تحقيق ذلك، سيكون أردوغان قد عزز من مكانته كزعيم رئيس في العالم الإسلامي.

وقد سبق ومر أردوغان بهكذا تجربة توجبت عليه في نهاية المطاف أن يتخلى عن موقفه الأخلاقي العالي بعد أن ارتفعت شعبيته في العالم الإسلامي، إذ قام بانتقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل شيمون بيريز في دافوس عام 2009، متهما إسرائيل بالقدرة على قتل الأطفال الفلسطينيين. إلا أن الوقائع في الشرق الأوسط أثرت عليه بشدة وأجبرته في نهاية المطاف على التراجع من خلال جملة أمور منها استعادة العلاقات الطبيعية مع إسرائيل في عام 2016، ما أدى إلى إزعاج الإسلاميين في تركيا ومعجبيه في الشرق الأوسط. وجاء هذا التطبيع مع إسرائيل في وقت كانت فيه أنقرة معزولة في المنطقة بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها في ما يتعلق بالربيع العربي، علما أن دعم أردوغان القوي للإخوان المسلمين أدى عدة أنظمة عربية إلى التشكيك في طموحاته الإقليمية. وبصرف النظر عن الرفض التقليدي الذي تشعر به الأنظمة العربية إزاء فكرة "القيادة التركية" في الشرق الأوسط، من غير المرجح أن تكون هذه الأنظمة مسرورة بدعم أردوغان لحماس، التي تحاول بدء انتفاضة جديدة ضد إسرائيل. فآخر ما تريده الرياض أو القاهرة أو عمان الآن هو رؤية الحشود الإسلامية المتطرفة في الشارع من جديد.

لا تزال عيون السلطات العربية السنية مسلطة اليوم على إيران على الرغم من قرار ترامب بشأن القدس، والذي من الواضح أنه زاد الأمور تعقيدا بالنسبة لهم. ومن غير المرجح أن تستجيب السلطات للنداءات الداعية إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وسط انشغالهم بتطوير علاقات استراتيجية مع واشنطن وعلاقات غير مباشرة مع إسرائيل لمواجهة التهديد الإيراني.

ويعتبر من جهته الصحفي المخضرم فهمي كورو الذي دعم حزب العدالة والتنمية وأردوغان في الماضي إن الإخوان المسلمين وحماس، وليس إسرائيل، يشكلان الخطر الأول الذي يحدق بالأنظمة العربية اليوم.

وعبر كورو عن قلقه إزاء خسارة تركيا في حال فشل أردوغان في توحيد العالم الإسلامي في قمة منظمة التعاون الإسلامي، وأعرب في مدونته التي غالبا ما يُستشهد بها عن قلقه "بأن تؤدي الموجات التي أنشأتها حملة ترامب على القدس إلى دفع بلادنا إلى مزيد من العزلة".

وفي حين قد يعول أردوغان على منظمة التعاون الإسلامي في تحقيق نتائج ملموسة إزاء القدس، إلا انه لم يكن واضحا حتى وقت كتابة هذا التقرير من الذي سيحضر القمة أو ما سيكون مستوى تمثيل السعودية ومصر، وذلك وسط تساؤلات عما إذا كان من الممكن التوصل إلى أرضية مشتركة في قمة يحضرها أعداء لدودين لديهم خطط مختلفة كل الاختلاف.

كيمال أوزترك من صحيفة يني شفق الموالية للحكومة لا يتوقع أن تتمخض قمة منظمة التعاون الاسلامي عن الكثير. ففي مقال عن هذا الموضوع، وصف منظمة التعاون الإسلامي بأنها "منظمة أنشئت لكي لا تفعل أي شيئ، لتفسد ما يجب القيام به، ولتحول دون تحقيق الوحدة".

وألقى أوزترك اللوم في عدم فعالية منظمة التعاون الإسلامي على "تراجع الحكومات وعدم فعالية الحكام وجهل المسؤولين،" مضيفا إنه يجب اعتبار البلدان التي تمنع تحقيق نتائج قوية في قمة اسطنبول بمثابة "أعظم أعداء العالم الإسلامي".

هذه الآراء التي يتقاسمها الكثيرون في الدوائر الحكومية إنما تعبر عن الإحباط السائد وهي لن تغير الكثير على الأرض نظرا للتطورات الحالية في الشرق الأوسط، ما يترك أردوغان في معركة شاقة لمحاولة تعبئة العالم الإسلامي وإبراز نفسه كزعيم إسلامي رئيس. لكن من المرجح أن تسلط جهوده الضوء في نهاية المطاف على فشله في هذا الصدد - وهو احتمال يسلم به أقرب مؤيديه – لتغذي هذه المساعي المزيد من الشكوك بين القادة العرب بشأن دوافعه في الشرق الأوسط.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : القدس
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept