نبض لبنان

مساعٍ حثيثة لاحتواء ردود الفعل العنيفة ضد السوريين في شمال لبنان

p
بقلم
بإختصار
أطلق مقتل شابّة لبنانية على يدَي العامل السوري في منزل أسرتها، سلسلة من ردود الفعل العنيفة والترهيبية التي حالت دون التحاق أولاد اللاجئين السوريين بمدارسهم.

أُغلِق الباب أولاً في وجه المفتّشين، إنما لم يدم ذلك كثيراً. فقد ارتسمت ابتسامة على وجه نضال ابراهيم عندما فتح الباب من جديد ليسمح للمفتّشين في منطقة زغرتا بدخول شقّته الصغيرة، حيث تعيش أسرته المؤلّفة من تسعة أشخاص منذ فرارها من بلدة إدلب السورية قبل أربع سنوات.

المكان هو شمال لبنان ليلة يوم اثنين. كما في كل ليلة، يتوزّع فريق من 18 مفتشاً في مختلف أنحاء البلدة للتأكّد من عدم وجود سوريين في الشوارع والطرقات التزاماً بحظر التجوال المفروض عليهم ليلاً، والتقصّي عن السكان وأماكن إقامتهم، وتصوير أي مقيم جديد في البلدة وتدوين اسمه والمدينة أو البلدة السورية التي جاء منها، وتنبيه كل مَن انتهت صلاحية إقامته إلى وجوب تجديدها بأسرع وقت.

هذه الحالات شائعة، ونجل ابراهيم البالغ من العمر 19 عاماً، واحدٌ منها. قال نايف ابراهيم لموقع "المونيتور": "نظراً إلى عدم توافر وظائف كافية، لم أجدّد تصريح العمل". لم يعد يغادر المنزل، لأنه من الممكن أن يتعرّض للاعتقال والسجن. غالباً ما يروي السوريون أن أصحاب العمل اللبنانيين يحاولون ابتزاز المال منهم في مقابل الاستحصال لهم على تصريح عمل يكلّف الجهة المستخدِمة مئتَي دولار في السنة، يتم تسديدها مباشرةً إلى الدولة اللبنانية.

لقد أصبحت عمليات التفتيش أكثر تواتراً في شمال لبنان منذ اغتصاب ريا الشدياق، وهي شابة مسيحية من عائلة ثرية في الـ26 من العمر كانت تعيش في بلدة مزيارة، ومقتلها في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي. الجاني الذي أقدم على خنقها بواسطة كيس بلاستيكي من التابعية السورية، وكان يعمل ناطوراً في منزل عائلتها لسنوات. جرى اعتقاله، واعترف بارتكابه الجريمة.

أثارت الواقعة ردود فعل قوية ليس في مزيارة وحسب، بل في محافظة الشمال بكاملها. لقد رفض رئيس بلدية مزيارة إجراء مقابلة معه، إنما تحدّثت تقارير عن أن جميع السوريين مُنِحوا مهلة زمنية محدّدة لمغادرة البلدة، وتعرّضوا أحياناً للترهيب الجسدي.

في قرية بشري الواقعة شمال لبنان، وُجِّه تحذير إلى السوريين بضرورة المغادرة قبل 15 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. ولم يُسمَح سوى لبضع مئات السوريين الذين يعملون لدى جهة مستخِدمة لبنانية ولديهم كفيل رسمي، بالبقاء في البلدة. قال سليمان من إدلب لموقع "المونيتور" في الشارع: "نعم، عانينا من تداعيات جريمة مزيارة. لكن ما دمنا نملك إقامة، فنحن لا نواجه مشكلة بهذا الصدد". غير أن الآلاف – ولا سيما العائلات – غادروا.

بدأت التظاهرات في بشري في 18 تشرين الأول/أكتوبر، موعد انطلاقة العام الدراسي بعد العطلة الصيفية، وحالت دون تمكّن الأولاد السوريين من الذهاب إلى مدارسهم. تواصلت الاحتجاجات بصورة يومية على امتداد أسبوعَين أمام المدرسة الرسمية الوحيدة والتي تستقبل اللاجئين السوريين في القرية، كما تقول مديرة المدرسة رلى كيروز. أضافت كيروز لموقع "المونيتور": "كان التصويب على الأولاد الوسيلة الفضلى لدفع العائلات نحو الرحيل". غادرت آلاف العائلات إلى بلدات أقرب إلى الساحل مثل طرابلس، وفق ما أفاد العديد من سكّان القرية، من السوريين واللبنانيين على السواء.

حاولت بلدية زغرتا تهدئة الأوضاع، وطلبت من المتظاهرين في المنطقة إبداء دعمهم لعائلة الشدياق من دون التهجّم على السوريين في البلدة. قال غسان طيون، نائب رئيس بلدية زغرتا لموقع "المونيتور": "نشرنا عناصر الأمن التابعين للبلدية حول مزيارة كي يتمكن السوريون من مغادرة البلدة من دون التعرض للاعتداء. كذلك تدخّلت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة".

شكّل مقتل الشدياق القشّة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة إلى اللبنانيين المستائين مما يعتبرونه عبئاً يتسبب به اللاجئون السوريون. على الرغم من أن المنطقة ترحّب تقليدياً ببضع مئات السوريين الذين يأتون سنوياً للعمل في البناء والزراعة، إلا أن أعدادهم ارتفعت كثيراً لتصل إلى الآلاف منذ اندلاع الحرب في سوريا في العام 2011. أحضر العمّال الموسميون عائلاتهم، وسرعان ما التحقت بهم عائلات أخرى. كثيراً ما يشتكي أبناء القرى والبلدات: "نشعر وكأن أعداد السوريين تفوق أعداد اللبنانيين".

تضم بلدات على غرار مزيارة وبشري أكثرية مسيحية مارونية، واللاجئون السوريون هم في شكل أساسي من المسلمين السنّة. يشير عدد كبير من السكّان إلى "الاختلافات الثقافية". قال جو خليفة، الذي كان يعمل لدى بلدية بشري حتى العام 2016، لموقع "المونيتور": "اشتكى الناس من أنهم لا يحبّذون رؤية السوريين يسيرون في مجموعات في الطرقات، أو يغتسلون في الخارج، على مرأى من الجميع"، مضيفاً: "بعد ما جرى في مزيارة، باتت الأمهات يخفن على بناتهن، ولم يعدن يسمحن لهن بالتنقّل بمفردهن ليلاً".

هناك نحو مليون لاجئ سوري مسجَّل في لبنان. في العام 2015، عمدت الحكومة إلى التشدّد في إجراءات منح الإقامة، ما وضع حداً للتسجيل الرسمي، إنما لم يتوقّف تدفق اللاجئين السوريين إلى البلاد. يعتقد معظم المسؤولين اللبنانيين أن هناك نحو مليونَي لاجئ سوري على الأراضي اللبنانية، مع العلم بأن أعداد اللبنانيين تبلغ نحو أربعة ملايين نسمة.

يشتكي اللبنانيون، في مختلف أنحاء البلاد، من أن الزيادة المفاجئة في اليد العاملة الرخيصة تشكّل تهديداً لرفاههم الاقتصادي. تطال البطالة في لبنان نحو عشرين في المئة من السكان، والبنى التحتية ضعيفة – لا يزال اللبنانيون في مختلف المناطق يعانون من مشكلة التقنين الكهربائي منذ انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990. يقول سيمون الدويهي، وهو من المفتّشين الذين استخدمتهم بلدية زغرتا للتقصّي عن السوريين في البلدة: "يتراوح أجر عامل الدهان السوري بين 20 و30 دولاراً في اليوم، في حين أن اللبناني يطلب عادةً مئة دولار".

تأمل زغرتا، عبر تعزيز المراقبة بدلاً من إرغام السوريين على المغادرة، بأن تتمكّن من السيطرة على التشنّجات المتصاعدة، وكذلك تهيئة الأمور من أجل عودة اللاجئين في نهاية المطاف إلى سوريا. قال طيون: "على سبيل المثال، عندما تستتبّ الأوضاع في حمص، سوف نوجّه رسالة إلى الحكومة اللبنانية لنطلب منها تنظيم عودتهم".

شكّلت عودة اللاجئين السوريين موضوعاً سجالياً بين السياسيين اللبنانيين خلال الصيف المنصرم بعدما غادر بضعة آلاف منهم لبنان باتجاه سوريا بموجب اتفاق جرى التوصّل إليه بوساطة من "حزب الله" الشيعي. قال رئيس الوزراء سعد الحريري إنه لا يمكن أن تتم عودة اللاجئين إلا بالتنسيق مع الأمم المتحدة. بيد أن رئيس الجهورية ميشال عون، وهو حليف لـ"حزب الله"، غرّد في تشرين الأول/أكتوبر أن عودة "النازحين" – وهو مصطلح يستخدمه السياسيون اللبنانيون للإشارة إلى السوريين في البلاد تجنّباً لمنحهم وضع اللاجئين – "يجب أن تتحقق من دون أن يتم ربط ذلك بالتوصل إلى حل سياسي" في سوريا.

عودة اللاجئين من دون وساطة من الأمم المتحدة يُفترَض أن تتم بالتنسيق مع الحكومة السورية، وهذا يعني أنه سيكون على لبنان تطبيع علاقاته مع الرئيس السوري بشار الأسد، الحليف العسكري لـ"حزب الله". لقد انتقد الحريري، لدى إعلانه استقالته من السعودية في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، الضغوط التي يمارسها "حزب الله" وحلفاؤه. ولم يتراجع عن استقالته رسمياً إلا في الخامس من كانون الأول/ديسمبر بعدما وافقت حكومته على الالتزام بسياسة "النأي بالنفس" عن النزاعات الإقليمية.

بالعودة إلى شمال لبنان، يعتبر معظم الأشخاص الذين تحدّث معهم موقع "المونيتور"، أن الظروف باتت الآن مؤاتية لعودة السوريين إلى ديارهم. علّقت كيروز من غرفة الجلوس في منزلها في بشري قبالة المدرسة حيث نُظِّمت التظاهرات ضد الأولاد السوريين: "شاهدتُ على شاشات التلفزة أن الهدوء يسود من جديد في 80 في المئة من البلاد. فلماذا لا يعودون؟"

يشرح طيون: "يقولون، لسنا واثقين، هذا ليس صحيحاً حتى الآن. لا تزال المنازل تُدمَّر، ويمكن أن تكون حياة الناس مهدّدة على أيدي الفصائل المسلّحة المختلفة. نحاول معاملة السوريين بطريقة سلمية. لكننا سنكون سعداء جداً بمرافقتهم إلى ديارهم عندما يحين الوقت".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : employment, lebanese society, children, maronites, lebanese politics, syrian refugees in lebanon, hezbollah in lebanon
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept