نبض لبنان

أمّهات يطالبن برفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعيّة

p
بقلم
بإختصار
هذه بعض قصص الأمّهات المطلّقات في لبنان، اللواتي ناضلن من أجل حضانة أطفالهنّ بعد الطلاق.

في 11 كانون الأول/ديسمبر 2017، أصدر رئيس محكمة بعبدا الشرعية الجعفرية القاضي موسى سمّوري قرار بحضانة موقّتة لمصلحة الأمّ - رفضت الإفصاح عن اسمها لأنّ القضيّة ما زالت مستمّرة في المحكمة - رغم أن أولادها قد تخطوا السن القانوني لحضانة الأم لدى الطائفة الشيعية.

هذا القرار سبقه قراران صدرا عن القاضي نفسه بحضانة مؤقتة للأم إلى حين البتّ بدعاوى الحضانة المرفوعة، وذلك منذ 11 تمّوز/يوليو 2017، فبرزت على مستوى هذه القضيّة فسحة أمل لدى الأمّهات، الأمر الذي اعتبر سابقة في المحكمة الجعفريّة.

لكنّ الأم التي حصلت على القرار الأخير أوضحت لـ"المونيتور" أنّ هذا القرار لم ينه المشكلة، بسبب قدرة اعتراض الأب عليه وبسبب صعوبة تنفيذه في الواقع، قائلة: "دوائر التنفيذ المختصة لم تتجاوب معي لتنفيذ هذا القرار كونه قرار فرديّ، يشكر القاضي عليه، لكنّه في ظلّ منظومة متكاملة تصبّ في مصلحة الآباء".

لذلك يقول موسى سمّوري لـ"المونيتور" أنه لا يمكنه الخروج عن أصول المحاكمات أيّ أنّه أصدر قرار الحضانة الموقّتة، ولكن يحقّ للأب الاعتراض عليه، وهو يؤيّد أن تكون الحضانة للأمّ، في حال كانت مؤهّلة وفيها مصلحة الطفل، وقال: "الأحكام القضائيّة تخرج من دائرة الفتاوى الشرعيّة إذا اقتضت الحاجة. وعلى القاضي اختيار الأنسب للطفل، فالفتاوى شيء والأحكام القضائيّة شيء آخر"، أي يمكن للقاضي في حال توجهت الأم الى المحكمة بطلب الحضانة، ورفعت دعوى، أن يعطيها الحق في الحضانة بحكم قضائي، حتى ولو كان عمر طفلها قد تخطى السن القانوني لحضانة الأم وفق الفتوى الشرعية.

من جهتها، قالت الناشطة في "الحملة الوطنيّة لرفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعيّة" زينة ابراهيم لـ"المونيتور": "إنّ هذه القرارات تعدّ خطوة مهمّة باتّجاه رفع الظلم عن الأمّهات، رغم أنّها ليست بالشيء الكبير، لكنّها تثبت أنّ مطالب النساء ومصلحة الطفل بدأت تؤخذ بشكل جديّ بعدما تمّ تجاهلها لأعوام، حينها لم تكن تحلم الأمّهات بحضانة أطفالهنّ فوق السنّ القانونيّة".

حتى لو لم يتم تعديل الفتوى يحق للقاضي في المحمة الجعفرية عند تقدم الأم بدعوى تطلب فيها الحضانة لطفلها، ورغم أن الفتوى تقول بسن محدد للحضانة، يمكن للقاضي أن يعطي الحضانة للأم إذا أراد ذلك، ويعد قراره نافذاً وله حق إصدار هذا القرار.

في المقابل، هناك كثير من الأمّهات المطلّقات في لبنان، اللواتي ناضلن من أجل حضانة أطفالهنّ بعد الطلاق، ورفضن التنازل عن حقهن في الحضانة، بعضهم استأنف القرار لدى المحكمة الجعفرية، وبعضهم سجن لمخالفته قرار المحكمة، ولم تصدر بحقهم قرارات حضانة ولو مؤقتة.

من هؤلاء، ريتا شقير، أمّ لطفل يبلغ من العمر 5 سنوات، حرمها زوجها من رؤيته بعد الطلاق في العام 2015 أو التواصل معه هاتفيّاً، إذ وفق حكم القضاء الجعفريّ تعود حضانة الطفل إلى الوالد بعد عمر السنتين. أمّا هي فيمكنها رؤية إبنها 3 ساعات فقط كلّ أسبوع.

وتقول شقير لـ"المونيتور": "لقد تعرّضت للضرب من الأب، وطردت وشتمت وعنّفت لأنّني أردت رؤية ابني فقط"، وتضيف، "تعرض الطفل أيضاً للعنف النفسيّ على يدّ أبيه، والعنف الأوّل كان حرمانه مني"، كما حرمت هي من رؤية والدتها وكان عمرها 3 سنوات بقرار من المحكمة الجعفريّة، الأمر الذي اضطرّ ريتا إلى الاحتفاظ بطفلها بعد الإنفصال عن زوجها خلافاً للقانون حيث أخذته بالقوة من منزل جدته، لكنّها في الأيّام القليلة الماضية لم تعرف عنه شيئاً بعدما أخذه والده من المدرسة.

أمّا دارين سلمان، فهي أمّ لطفل يبلغ من العمر 7 سنوات، لم تره منذ عام ونصف عام، سجنت في العام الماضي بسجن نساء بعبدا (قرب العاصمة بيروت) حوالى شهر، لأنّها احتفظت به خلافاً لقرار المحكمة الجعفريّة الذي منح الحضانة للأب، وقالت لـ"المونيتور": منذ خرجت من السجن، وأنا لا أعلم عن طفلي أيّ شيء، تمّت مقايضة طفلي بحريّتي، فخرجت من السجن بعد تسليم عائلتي طفلي إلى أبيه، مع حقّ رؤيته 15 يوماً في السنة، ولكن مرّ عام ونصف عام ولم أره بعد".

وهناك قصص كثيرة مشابهة، تحكي عن نضال أمّهات قابلتها قرارات مجحفة من المحكمة الجعفريّة، بسبب القوانين الشرعيّة لدى الطائفة الشيعيّة التي تمنح الأمّ في لبنان، حقّ حضانة الصبيّ حتّى السنة الثانية من عمره والفتاة حتّى السنة السابعة فقط، لتكون الحضانة بعد هذا العمر من حق الأب مع حق رؤية للأم مرة في الأسبوع لـ 48 ساعة أو أقل بحسب كل حالة، الأمر الذي يعدّ ظلماً للأطفال والأمّهات معاً. وهو قانون ملزم لجميع المواطنين من الطائفة الشيعية في لبنان، بسبب غياب قانون مدني موحد لجميع الطوائف في الدولة اللبنانية، فلكل طائفة في لبنان قانونها الخاص في تنظيم الأحوال الشخصية.

من هنا، انطلقت في العام 2013 "الحملة الوطنيّة لرفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعيّة" بمبادرة من الناشطة في الحملة زينة ابراهيم وضمت فيما بعد مجموعة من النساء.

ومنذ انطلاقتها، طالبت الحملة باسم الكثير من الأمّهات، برفع سنّ الحضانة للأمّ إلى 7 سنوات للصبيّ و9 سنوات للفتاة مع حقّ الأب برؤية طفله لمدّة 48 ساعة أسبوعيّاً، وهو ما جاء في فتاوى المرجع الشيعيّ السيّد محمّد حسين فضل الله، وفق ما قالته زينة ابراهيم لـ"المونيتور"، وهي فتوى قديمة استندت لها الحملة أمام المحكمة الجعفرية للقول بأن هناك مرجع ديني شيعي لبناني يقول بأحقية أن تكون الحضانة للأم وهو بدوره (أي فضل الله) يستند لبعض المراجع الدينية التي تقول بأن سن الحضانة ممكن أن يصل حتى عمر 18 سنة، والحملة ماتزال تتمسك بهذه الفتوى لأن السيد فضل الله مرجعية دينية لها مكانتها في لبنان. وأضافت: "تأتي بعد ذلك مرحلة الحضانة المشتركة بين الطرفين لما فيه مصلحة الطفل (ففي حال أهليّة الطرفين أي عندما يكون الأب والأم قادرين على تربية الطفل بأنفسهم، ولا يعانون من اضطرابات نفسية ولا يعرضونه للأذى، ولديهم قدرة على الإهتمام به، يكون الطفل أيّام المدرسة مع أحدهما، وأيّام الإجازات بما فيها الإجازة الصيفيّة مع الطرف الآخر)، وذلك حتّى سنّ التخيير 13 سنة للصبيّ و9 سنوات للفتاة. وعندها، يختار الطفل الطرف الذي يريد العيش معه".

وقال القاضي الشرعيّ علي مكّي في حديث مع جريدة "المدن" الإلكترونيّة المحليّة: "إنّ الطائفة الشيعيّة لا تعمل بالبكاء والاستجداء، إنّما تستمدّ حكمها من روايات النبيّ وأهل البيت. وبما أنّ الروايات واجتهاد المراجع تقول سنتين للصبيّ و7 سنوات للفتاة، فإنّ الفتاوى لن تتغيّر"، وذلك ردّاً على إمكانيّة تعديل الفتاوى ورفع سنّ الحضانة، لا سيّما بعد تناقل معلومات عن نقاش جديّ يجري أخيراً داخل المجلس الشيعيّ الأعلى حول هذه المسألة ليؤكّد مكي أنّ هناك شبه استحالة لأيّ تعديل في قانون الأحوال الشخصيّة، وأنّ كلّ ما يتمّ تداوله عار من الصحّة.

وأضافت ابراهيم: "منذ انطلاقها، حقّقت الحملة أمرين أساسيّين: الأوّل، وعي الأمّهات على حقوقهنّ ورفع مطالبهنّ وإيصالها إلى المعنيّين. والثاني، أحدثت شبه صدمة داخل المجلس الشيعيّ، إذ يقف أبناء الطائفة في وجه القرارات المجحفة لسلطتهم الدينيّة".

هذا الواقع، يعيدنا إلى أصل المشكلة ويثير التساؤلات حول كيفيّة رفع الظلم عن الأمّهات والأطفال في الوقت الراهن. وفي هذا السياق، قال الخبير القانونيّ حسن بزي: "تعود أصل المشكلة إلى مرحلة الانتداب الفرنسي بين العامين 1920 و1943، حين عقد المفوّض السامي الفرنسيّ اتفاقاً مع زعماء الطوائف في لبنان، ومنحهم الحقّ في تنظيم شؤون الطوائف. وبعد الاستقلال، أحال القانون اللبنانيّ كامل مسائل الأحوال الشخصيّة على القوانين الطائفيّة لكلّ طائفة، فبات لكل طائفة قانونها الخاص، وانتفى بذلك مبدأ المساواة أمام القانون وهو مبدأ نص عليه الدستور اللبناني".

أضاف حسن بزي في حديث لـ"المونيتور": "إنّ حلّ هذه المشكلة يكون بإقرار قانون مدنيّ موحّد يراعي الأحكام الشرعيّة، يتمّ الاتفاق فيه على سنّ حضانة موحّدة، ويصدر الأحكام فيه قاض مدنيّ أحكام الحضانة وغيرها من الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق...، أقلّه قانون موحّد للمسلمين وآخر للمسيحيّين".

في وقت باتت سنّ الحضانة للأمّ لدى الطائفة الدرزيّة في لبنان 12 سنة للصبيّ و14 للفتاة، و12 للصبيّ والفتاة لدى الطائفة السنيّة. و14 للصبي و15 للفتاة لدى طائفة الروم الأثوذكس، و12 للصبي و13 للفتاة لدى الطائفة الإنجيلية، في حين لم ينص قانون الطوائف الكاثوليكية على سن حضانة محدد وإنما على حق حضانة عامين للأم، تقرر بعد ذلك المحاكم الروحية مصير الطفل.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حقوق المرأة

Hanan Hamdan, a Beirut-based journalist, reports on social and economic issues for local and international media outlets, among them Al Modon, Raseef22 and Legal Agenda. She holds master's degrees in finance and political science.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept