نبض لبنان

رائحة أزمة النفايات تتصاعد من جديد في لبنان

p
بقلم
بإختصار
تحذّر منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير صدر مؤخراً، من التداعيات الوخيمة لحرق النفايات في الهواء الطلق على امتداد عقود من الزمن.

ربما اعتمدت الحكومة اللبنانية خطة لمعالجة النفايات في آذار/مارس 2016 وضعت من خلالها حداً للجوانب الأكثر انقشاعاً في أزمة النفايات التي ظهرت في العام 2015، غير أن سوء إدارة ملف النفايات على امتداد عقود من الزمن تترتّب عنه تبعات خطيرة وطويلة الأمد على الصحة العامة.

يعيش موسى، وهو بستاني في الخامسة والثلاثين من العمر، على مقربة من مكب نفايات في الشهابية جنوب لبنان. وقد روى لموقع "المونيتور": "يحرقون ثلاث حمولات من النفايات على الأقل يومياً: نيلون، مواد بلاستيكية، نفايات منزلية، كل شيء"، مضيفاً: "تعاني ابنتي البالغة من العمر أربع سنوات من [الحساسية] في مختلف أنحاء جسمها، إنما لا يمكننا الانتقال للعيش في مكان آخر. لا نملك المال ولا نحصل على الدعم من الحكومة".

موسى هو واحد من 53 شخصاً أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" مقابلات معهم أثناء عملها على إعداد تقرير صدر في الأول من كانون الأول/ديسمبر الجاري حول المخاطر الصحية التي يتسبب بها حرق النفايات في لبنان، بعنوان "كأنك تتنشّق موتك".

قال بسام خواجة، الباحث المتخصص في الشؤون اللبنانية والكويتية في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، خلال المؤتمر الصحافي الذي أقيم للكشف عن التقرير في الأول من كانون الأول/ديسمبر الجاري في بيروت: "برزت أزمة النفايات إلى الواجهة في العام 2015، لكن الحرق في الهواء الطلق مستمر منذ عقود في أكثر من 150 مكبّاً في مختلف أنحاء البلاد، ويحمل مخاطر صحّية للأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المكبّات". وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، مستوى تلوّث الهواء في بيروت أعلى بثلاث مرات من "المستوى الآمن"، وتُسجَّل نحو 1500 وفاة سنوياً في لبنان بسبب تلوّث الهواء.

قال محمد، الذي يعيش على مقربة من مكب نفايات في بر الياس في سهل البقاع، حيث يتم حرق النفايات منذ أكثر من عشرين عاماً، لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" إنه يعاني من "السعال، والالتهابات الرئوية، وصعوبة في التنفّس، ومؤخراً يبصق دماً عند السعال". وقد ورد في التقرير أنه "يمكن لحرق النفايات الصلبة في الهواء الطلق أن يبعث مجموعة من الملوّثات في الهواء. يمكن أن تخترق جسيمات PM10، وهي جزيئات بحجم 10 ميكرومتر أو أقل، الرئتين أو تدخل مجرى الدم، وقد تؤدي إلى أمراض القلب وسرطان الرئة والربو والتهابات الجهاز التنفسي السفلي الحادة".

وفقاً للتقرير، لا ترصد الحكومة المخاطر الصحية لحرق النفايات في الهواء الطلق "بسبب نقص الموارد والخبرات". نتيجةً لذلك، يتفشّى القلق في أوساط الأشخاص الذين يعيشون على مقربة من الأماكن حيث يتم حرق النفايات. قالت أمال افرام، وهي من سكّان فرن الشباك، إحدى ضواحي بيروت، لموقع "المونيتور": "يفعلون ذلك ليلاً، كالمجرمين. تستيقظ من النوم، ولا تدري ماذا تفعل. لا مكان نذهب إليه". تروي أن النفايات أُحرِقت مرات عدة في الحي حيث تقطن في العام 2015: "كان ذلك مؤلماً جداً، كنت أعاني لأيام وأيام. كنت أشعر بألم في رئتَيّ، وتتسارع نبضات قلبي ليلاً".

ليس واضحاً مَن هي الجهة التي تقف فعلاً خلف حرق النفايات، بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش". قال خواجة لموقع "المونيتور": "يقول البعض إنها البلديات، لكن البلديات تشير إلى جهاتٍ أخرى. أياً تكن الجهة التي تعمد إلى حرق النفايات، لقد توصّلنا إلى استنتاج مفاده أنه يقع على عاتق الحكومة أن تمنع هذه الانتهاكات التي تشكّل خطراً على الصحة".

واقع الحال هو أن الزيادة في عمليات الحرق في بيروت وجبل لبنان سُجِّلَت بعد إغلاق مكبّ الناعمة في العام 2015. وقد تراجعت وتيرة حرق النفايات بعدما اعتمدت الحكومة خطة طوارئ في آذار/مارس 2016، والتي اشتملت على إنشاء مكبَّين مؤقتين – في برج حمود والكوستا برافا. يقول خواجة إن تسعة من أصل 150 مكباً حيث يتواصل حرق النفايات بصورة أسبوعية، تقع في بيروت وجبل لبنان.

لكن باقي البلاد – لا سيما المناطق الأكثر تهميشاً – يعاني من الحرق منذ عقود. يعلّق خواجة: "المشكلة هي وجود منظومتَين في لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية [1975-1990]: منظومة لبيروت وجبل لبنان، وأخرى لباقي المناطق. لقد طالت أزمة النفايات في العام 2015 محافظتَي بيروت وجبل لبنان، وخطة الطوارئ الجديدة تقتصر فقط على هاتَين المحافظتين. يجب وضع خطة راسخة لمعالجة النفايات في مختلف المناطق اللبنانية". نتيجةً لذلك، لا يزال حرق النفايات خارج العاصمة والمناطق الأكثر ثراءً، مستمراً حتى يومنا هذا كما كان في التسعينيات.

ورد في تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن "المقابلات مع أطباء وغيرهم من خبراء الصحة تشير بقوة إلى وجود علاقة سببية بين تلوث الهواء الناجم عن حرق النفايات في الهواء الطلق وضعف صحة المجتمع المحلي". تقول زينة عون، الطبيبة الاختصاصية في أمراض الرئة في مستشفى أوتيل ديو في بيروت، إنه "يجب إجراء دراسة وافية لإثبات [هذا الأمر]".

غير أن عون قالت لموقع "المونيتور" إنها لاحظت زيادة في المشكلات التنفّسية لدى مرضاها في الأعوام القليلة الماضية، مثل الإصابة بالربو، والتهاب الشُّعَب الهوائية، والتليّف الرئوي. تؤثّر بعض هذه الأمراض في متوسط العمر المتوقَّع عند مرضاها، كما أن العلاجات القوية المثبِطة للمناعة التي يخضعون لها قد تؤدّي إلى مزيد من التعقيدات. غالباً ما تكون هذه العلاجات مكلفة، ولا تستطيع أكثرية المقيمين في لبنان تحمّل أعبائها المادّية. وفقاً للتقديرات الواردة في تقرير "الثروة العالمية" الصادر عن مجموعة "كريدي سويس" في تشرين الثاني/نوفمبر، يبلغ صافي الثروة للفرد الواحد أقل من عشرة آلاف دولار في حالة 69 في المئة من اللبنانيين.

يصبح إيجاد حل لمشكلة النفايات في لبنان مسألة ملحّة من جديد، إذ يُتوقَّع أن يبلغ المكبّان المؤقتان في برج حمود والكوستا برافا سعتهما القصوى في العام 2018، وفقاً للمعلومات التي حصلت عليها منظمة "هيومن رايتس ووتش" من وزارة البيئة. سأل خواجة خلال المؤتمر الصحافي في الأول من كانون الأول/ديسمبر: "هل ستزداد نسبة حرق النفايات في جبل لبنان بمعدّل 330 في المئة من جديد، كما حصل في العام 2015؟ لا تزال هذه المسألة مطروحة بقوّة".

في أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، طلب مجلس الوزراء إجراء دراسة حول إمكانية توسيع مكبَّي الكوستا برافا وبرج حمود. استهجن نشطاءٌ الخطوة وانتقدوها معتبرين أنها مناورة لتجنّب أزمة نفايات جديدة على مشارف الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في أيار/مايو 2018.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حقوق الإنسان
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept