نبض اسرائيل

هل يستطيع المستوطنون البقاء في دولة فلسطينيّة مستقبليّة؟

p
بقلم
بإختصار
إنّ العنف الذي يمارسه المستوطنون بحقّ المزارعين الفلسطينيّين يبيّن لماذا لا يستطيع المستوطنون البقاء والعيش داخل دولة فلسطينيّة مستقبليّة.

أفادت صحيفة نيويورك تايمز يوم 3 كانون الأوّل/ديسمبر بأنّ خطّة السّلام الجديدة التي يعمل عليها البيت الأبيض بشكل مكثّف هذه الأيّام ستشمل خيار السّماح لليهود بالعيش تحت السّيادة الفلسطينيّة. فقد أعلن الرّئيس الأميركي دونالد ترامب بالفعل في شهر شباط/فبراير أنّه في ما يتعلّق به، "أنا أنظر إلى (حلّ) الدّولتين، وإلى (حلّ) الدّولة، وأنا يناسبني الحلّ الذي يفضّله الطّرفان".

طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاباته من حين لآخر أن يجري الحفاظ على المستوطنات الإسرائيليّة بالضفة الغربيّة في إطار التسوية الدّائمة مع الفلسطينيّين، وقد جرى أيضًا طرح المسألة حتّى في المفاوضات مع الفلسطينيّين. حتّى قائد الاتّحاد الصّهيوني المعارض، أفي غباي، قال إنّه "إذا جرى التوصّل إلى اتّفاق سلام، يمكن إيجاد حلول لا تتطلّب إخلاء المستوطنات". إذا كان بإمكان القرى العربيّة التّواجد في قلب دولة إسرائيل، يسأل اليمين السّياسي، لماذا يجب أن تكون الدّولة الفلسطينيّة المستقبليّة "مطهّرة من اليهود"؟ إذًا في الواقع، لما لا يمكننا الحصول على دولة لليهود مع أقليّة فلسطينيّة، ودولة أخرى للفلسطينيّين مع أقليّة يهوديّة؟

نجد إجابة مناسبة على هذا السّؤال المنطقي في الحادثة المحزنة التي جرت في 30 تشرين الثاني/نوفمبر في شمال الضفة الغربيّة، فقد قام عشرات من سكّان قرية قصرة الفلسطينيّة بإلقاء الحجارة على مجموعة من حوالي عشرين شابًا إسرائيليًّا وراشدين مسلّحين كانوا برفقتهم أثناء سيرهم على مشارف القرية، ما أدّى إلى إصابة اثنين منهم بجروح طفيفة. وقد قام أحد المرافقين بإطلاق النار ما أدّى إلى إصابة مواطن قرية قصرة محمود زعل عودة ومقتله.

فما كان إلا أنّ اندلعت الاشتباكات بين الفلسطينيّين والقوّات الإسرائيليّة بعد حادثة إطلاق النار، فأصيب جنديّان وستّة فلسطينيّين. قال رئيس مجلس قرية قصرة، عبد العظيم وادي لصحيفة هآرتس إنّ المستوطنين استغلّوا وجود الجنود لإلحاق الضّرر بالممتلكات والمنازل في القرية. وتجدر الإشارة إلى أنّ كلمة "مستوطن" ليست مرادفة لـ"عنيف". على سبيل المثال، في ما يلي إفادة تلقّتها منظّمة عوسيم شالوم للعاملين الاجتماعيّين المؤيّدة للسّلام، من موريس شوشانا، وهو من سكّان مستوطنة ميغداليم المحاذية لقصرة:

"أنا أعيش هنا منذ 27 عامًا. ذهبت إلى القرية مئات المرّات ولم يصبني شيء يومًا ولم أشعر قطّ بالخطر. ومنذ حوالي أربع سنوات، أثناء عاصفة ثلجيّة رهيبة تسبّبت بقطع جميع الطّرقات وبانقطاع الكهرباء، قدم أصدقاؤنا من قصرة بكاسحات الثّلوج وفتحوا لنا الطّرقات. حتّى في فترة الانتفاضة [الثانية بين عامي 2000 و2005]، كنا نعيش بسلام نسبي. لكن هذا الصّباح، أتى بعض الشباب من مستوطنة يتسهار، يرافقهم بعض الراشدين المسلّحين، وقرّروا القيام بـ'نزهة' في إطار احتفالات البار متسفا لأحد الشبان، ودخلوا بأسلحتهم إلى القرية ولديهم هدف واحد هو استفزاز الفلسطينيّين.

"قرأت في الأخبار أنّ 'إرهابيّين' هاجموا الشّبان. هذه مجرّد أكاذيب. يؤلمني أن أرى أشخاصًا طيّبين نتمتّع معهم بحسن الجوار، يصوَّرون على أنّهم وحوش لأنّ بعض 'شباب التلال' المتطرّفين [كنية للمستوطنين الشباب من اليمين المتطرّف] دخلوا موطنهم بنيّة واحدة هي شنّ الحرب. من المؤسف أن يعاني أشخاص طيّبون بسبب بعض المحرّضين على الحرب. هذه منطقة رائعة ومن المحزن أن نرى المتطرّفين يدمّرون الحياة الهادئة التي ينعم بها هنا كلّ من الفلسطينيّين والإسرائيليّين".

بالفعل، يعيش عدد كبير من اليهود المقيمين في الضفة الغربيّة بسلام مع جيرانهم الفلسطينيّين. وهم يثورون على الذين يشوّشون "نمط حياتهم الهادئ" في الطّبيعة النقية حيث اختاروا تربية أطفالهم. لكنّ نمط الحياة هذا شبيه بالعلاقة بين الحصان وفارسه. هل سيبقى مستوطن ميغداليم راغبًا في البقاء في تلك "المنطقة الرائعة" إذا تبادل الفارس والحصان الأماكن وباتت المستوطنة خاضعة للسّيادة الفلسطينيّة؟

تصدّرت قصرة العناوين لأنّ الاشتباك الأخير فيها أدّى إلى سقوط قتيل، لكنّ النّزاعات المماثلة أمر اعتيادي هناك. إلا أنّ الوحيدين الذي يجتهدون في توثيقها وإخراجها إلى العلن هم محقّقو مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشّؤون الإنسانيّة. وإنّ تقريرهم الأخير، الذي يغطّي الفترة الممتدّة بين 7 و20 تشرين الثاني/نوفمبر، يعطي فكرة عن "التعايش" بين سكّان الضفة الغربيّة الفلسطينيّين والأقليّة اليهوديّة التي نجد أنّ تمسّكها بأرض الميعاد أقوى من ولائها لدولة إسرائيل المعاصرة. وفي ما يلي بعض الأحداث التي يذكرها التّقرير:

قامت مجموعة من المستوطنين الإسرائيليّين برمي الحجارة على مزارعين فلسطينيّين من قرية عوريف أثناء قيام هؤلاء بقطف الزيتون، فأصابت اثنين منهم بجروح في الرّأس. وبعد الحادثة، تلقّت 40 أسرة فلسطينيّة أخرى تعمل في المنطقة أوامر بمغادرة حقولها. وفي حادثتين أخريين، أفادت تقارير بأنّ مستوطنين قطفوا ثمار أشجار الزيتون التي تعود ملكيّتها لمزارعين من قرية بورين الفلسطينيّة، وسرقوا حمارًا يملكه مزارعون من قرية جيت. كما وردت تقارير أيضًا حول عدد من الحوادث الأخرى التي ألقى فيها مستوطنون الحجارة باتّجاه مزارعين فلسطينيّين. بالإضافة إلى ذلك، دخلت مجموعات من المستوطنين الإسرائيليّين، وبحماية من القوّات الإسرائيليّة، إلى مواقع دينيّة في مناطق فلسطينيّة، ما تسبّب في اندلاع اشتباكات انتهت بدون تسجيل أيّ إصابات.

اعتدى مستوطنون إسرائيليّون على طفل فلسطيني يبلغ من العمر 13 عامًا، وأصابوه بجروح وهو في طريقه إلى منزله؛ أطلقت القوّات الإسرائيليّة قنابل الغاز المسيل للدّموع باتّجاه باحة مدرسة ما أدّى إلى إصابة خمسة أطفال بجروح. وبحسب مصادر إسرائيليّة، جاء ذلك ردًّا على إلقاء حجارة من المدرسة على مركبات المستوطنين الإسرائيليّين. وقد أصيبَ ثلاثة مستوطنين إسرائيليّين بجروح، وتضرّرت عدّة مركبات نتيجة إلقاء فلسطينيّين للحجارة في البلدة القديمة في القدس والضفة الغربيّة. قاد فتى فلسطيني يبلغ من العمر 17 عامًا مركبته ودهس مستوطنين إسرائيليّين في حادثتين منفصلتين، ما أدّى إلى إصابة إسرائيليّين اثنين بجروح.

بعد مقتل مواطن قصرة الفلسطيني بإطلاق النار، كتب وزير الدّفاع أفيغدور ليبرمان على فيسبوك أنّ "استعمال الأسلحة للدّفاع عن النفس قيمة أخلاقيّة يحميها القانون في كلّ مجتمع ديمقراطي". وعندما تنطبق هذه القيم الدّيمقراطيّة على دولة فلسطينيّة مستقلّة، سيكون الفلسطينيّون هم من يقرّرون ما إذا كانوا سيسمحون بتجوّل إسرائيليّين مسلّحين بينهم. وفي ظلّ غياب الحقّ بحمل السّلاح، يبدو أنّ أسرة ليبرمان حتّى في مستوطنة نوكديم بالضفة الغربيّة قد تفضّل المغادرة إلى الدّولة اليهوديّة.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X