دار الأوبرا المصريّة تتجدد مع فنانين عالميين وموسيقى جديدة

تسعى دار الأوبرا المصرية العريقة لاستعادة مجدها الماضي وجذب الجمهور لها من جديد من خلال توسيع برامجها الفنية.

al-monitor .

ديس 4, 2017

إعتبرت ماريانا موسوتو مشاركتها في أوبرا "عايدة" الشهيرة للموسيقار الإيطالي فيردي والتي عرضت في حفل منتدى شباب العالم في تشرين الثاني / نوفمبر، بمثابة تحيّة إجلال وشكر لوطنها إيطاليا ولبلدها المضيف مصر.

ويُعتبر التعاقد مع موسيقيين أجانب مثل عازفة البوق الإيطالية الشابة هذه التي انضمت إلى دار الأوبرا المصرية في كانون الأول/ سبتمبر الماضي من أحد المبادرات العديدة التي قامت بها هذه الدار لتحديث صورتها بهدف جذب جمهور متنوع وإعادة إحياء مجدها القديم الذي عرفته خلال الخمسينات والستينات.

وتتطلع دار الأوبرا المصرية، التي تضم أوركسترا القاهرة السيمفوني وفرقة باليه أوبرا القاهرة، إلى جذب مختلف قطاعات المجتمع، ولا سيما الشباب. وكجزء من هذه الجهود، تمت دعوة أوركسترا القاهرة السمفوني للعزف في حفل إفتتاح منتدى شباب العالم، وهو مؤتمر دولي مرموق عُقد في شرم الشيخ في الفترة من 4 إلى 10 تشرين الثاني/ نوفمبر.

ولافتتاح المنتدى إختار الأوركسترا عرض أوبرا "عايدة" للموسيقار الإطالي غويزيبي فيردي والتي تتكون من أربعة فصول. وكان هذا الخيار مُتعمدًا ليُعبّر عن الحنين إلى الزمن الماضي، إذ تدور أحداث هذه الملحمة في مصر الفرعونية القديمة.

وكان من المفترض أن يتم عرض أوبرا "عايدة" لفيردي [للمرة الأولى] في حفل إفتتاح دار الأوبرا الخديوية احتفالاً بتدشين قناة السويس عام 1869 ولكن عرضها تعثّر بعد أن علقت الأزياء والديكورات في باريس بسبب الحصار بعد هزيمة فرنسا في الحرب الفرنسية البروسية. وفي حفل الإفتتاح تم عرض أوبرا ريغوليتو لفيردي أيضَا. وبعد مرور سنتين، أي في عام 1871، تم عرض أوبرا عايدة للمرة الأولى في العالم في دار الأوبرا المصرية.

في عام 1971 التهمت النيران مبنى دار الأوبرا الخديوية الرائع وبعد 17 عام تمت إعادة بناء الدار وإفتتاحه في حي الزمالك الثري في القاهرة. وخلال فترة الإقفال هذه المطوّلة، سيطر الإحباط على الجمهور الذي سرعان ما فقد الاهتمام بهذه الدار وعروضها. كما وتركت النزعة المحافظة المتنامية في البلاد أثرها أيضًا على الجمهور. ففي أغلب الأحيان كانت المعلومات بشأن العروض الفنية في دار الأوبرا قليلة أو متعارضة، ناهيك عن أسعار التذاكر الباهظة في بلد يصل فيه متوسط ​​الدخل الشهري إلى 300 دولار أميركي. وعلى الرغم من أن الأوركسترا وجد له جمهورًا على شاشة التلفزيون، وخاصة خلال شهر رمضان، إلا أنه لم يتمكن منذ وقت طويل من جذب جمهور كبير إلى قاعات دار الأوبرا.

وفي هذا السياق تحدث بيرام الميرغني، وهو أول عازف بوق فرنسي في [أوركسترا] الأوبرا منذ أكثر من عقدين، إلى الـ"المونيتور" قائلاً: "قضت دار الأوبرا المصرية الخمسين عامًا الماضين في الظلام. ويقع معظم اللوم في ذلك على نظام التعليم إذ أن المدارس العامة لا تُعلّم الأطفال كيف يقدرون الموسيقى كما كانوا يفعلون من قبل. ولا يتم التركيز على [الموسيقى] إلا في المدارس الخاصة الدولية ".

وأكّد أن أي تغيير في المواقف تجاه الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية، يجب أن يبدأ من خلال نظام التعليم. وأضاف الميرغني: "يجب أن تتضمن المناهج الدراسية في كافة مستويات التعليم دروسًا في الموسيقى أو نشاطات موسيقية. قمنا بتنظيم حفلات موسيقية للأطفال ولكنهم لم يُظهروا الإهتمام المطلوب، إذ يُفضل الاطفال الرياضة ".

أما اليوم، فتتباهى دار الأوبرا المصرية ببرنامج متنوع يتضمن أنواع مختلفة من الموسيقى، والرقص والمناسبات والمهرجانات، من عروض الجاز إلى مهرجانات السينما الراقية. كذلك تقدم الدار الموسيقى العربية الشعبية التي تجسد الفخر المصري والتقاليد الوطنية، كنقطة انطلاق لجذب جمهور الشباب مرة أخرى إلى دار الأوبرا المصرية. وتشمل البرامج الجديدة مهرجانات الموسيقى العربية، وعازفي موسيقى الجاز المحليين وقليلًا من عروض موسيقى البوب ​​لجذب 52٪ من السكان المصريين تحت سن 25 عامًا. ويرى الميرغني أن الإدارة نجحت في تنويع العروض الموسيقية، ويأمل أن يساعد ذلك على أستعادة هذه الدار لمكانتها على الصعيدين المحلي والدولي مرة أخرى. وفي هذا السياق قال الميرغني: "كانت هذه هي الاستراتيجية التي نحتاجها للتغلب على الأزمة. تشهد الدار اليوم عددًا أكبر من حفلات الموسيقى العربية وتتعاون بشكل أكبر مع المُلحّنين المحليين المعاصرين لأستقطاب الجماهير مرة أخرى. غير أن الطريق أمامنا لا تزال طويلة."

فضلاً عن ذلك، تقدم دار الأوبرا المصرية حفلات موسيقية دولية فلكلورية وتجتذب عازفي فرق الأوركسترا الأجنبية، مما يُكسبها رقياً وعراقة.

ويأتي العديد من الموسيقيين الشباب إلى مصر من أوروبا الشرقية وفرنسا وأجزاء أخرى من العالم العربي وحتى من آسيا. فتتمتع اليابان مثلاً بصلات تاريخية مع هذا الصرح الثقافي المصري. ويُذكر أن اليابان الذي يُعرف بـ" بلاد الشمس المشرقة" تبرّع بالأموال لاستكمال بناء مبنى الدار الجديد، وشارك لأول مرة في العالم العربى وأفريقيا في افتتاح هذه الدار بعرض الكابوكي بحضور شقيق الإمبراطور الياباني.

ويقول ماساكي أوكاجيما الياباني وهو عازف التوبا مع أوركسترا القاهرة السمفوني منذ عام 2007، أنه راض جدًا عن الفرص التي أعطيت له في القاهرة. ويضيف لـ"المونيتور": "أعتقد أننا نشهد اليوم العصر الذهبي الحقيقي لدار الأوبرا المصرية وذلك لأن برامجنا اليوم تقدم أكثر بكثير مما كان يُقدم في الستينات."

ويشكل الإيطاليون العدد الأكبر من عازفي الأوركسترا الأجانب الذين توجهوا إلى مصر سعيًا لإطلاق مسيرتهم الفنية في ظل الركود المعلن والمنافسة الشديدة في قطاع الموسيقى في إيطاليا. ولطالما حظيت دار الأوبرا المصرية بعلاقة خاصة مع إيطاليا، على الرغم من الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين البلدين بشأن تعذيب وقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني، وما تلاه من سحب للسفراء بين الدولتين.

وبدورها تقول موسوتو: "يتمتع العازفون المصريون بإحساس فني عالي جدًا ولم أكن أتوقع ذلك على الإطلاق قبل المجيء إلى هنا. ونظرَا لحرفيتهم وقدراتهم العالية لم أرى فرقأً كبيرًا بينهم وبين العازفين في أوروبا." وأشارت إلى أنه وعلى الرغم من الاختلافات الثقافية، يعرف جميع الموسيقيين والموظفين بعضهم البعض ويتعاونون بشكل جيد، مما يجعل بيئة العمل أقرب إلى العمل في شركة عائلية.

أما الميرغني فيؤكد أن الموسيقيين المصريين الذين يدرسون ويعزفون في الخارج يزودون الجمهور المحلي بطاقة جديدة ويعيدون لدار الأوبرا المصرية جاذبيتها.

من جهته، يأمل أحمد أشرف، عازف الكمان الأول [في الأوركسترا] منذ عام 2011، أن يتمكن المصريون من إعادة اكتشاف شغفهم بالفن. وأشار إلى وجود مدارس موسيقى عريقة في مصر على غرار المعهد العالي للموسيقي (الكونسيرفاتوار) في القاهرة والأكاديمية الملكية البريطانية للموسيقى. ويقول أشرف لـ"المونيتور": "شهدت كافة أنواع الفن تطورًا في مصر، والمصريون يقدرّون كل هذه الفنون. انهم يحتاجون فقط الى الوسائل اللازمة لإعادة اكتشاف شغفهم الخامل".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو