لماذا رأى الكثير من الأتراك إهانة في الجمعة السوداء؟

قد يعتبر البعض أن إدانة آلاف الأتراك مبيعات الجمعة السوداء على تويتر بمثابة نوع من السخافة، إلا أن اندفاعهم هذا لا يبشر بالخير.

al-monitor .

المواضيع

shopping, islam, social media, turkish economy, islamists in turkey, retail, western influence, akp

نوف 28, 2017

هرع الملايين من الأمريكيين إلى المتاجر في جميع أنحاء الولايات المتحدة في 24 تشرين الثاني / نوفمبر للاستفادة من يوم الجمعة الأسود، وهو اليوم الذى يقدم فيه معظم تجار التجزئة مبيعات ترويجية. أما في تركيا، وفي حين حاولت بعض المتاجر الكبرى في المدن الكبرى محاكاة هذا التقليد الأجنبي عبر الإعلان عن تخفيضات كبيرة في هذا النهار، اصطدمت هذه المتاجر بتسونامي غير متوقع من التعليقات المدينة لإهانة الإسلام ورأى العديد من الأتراك أن هذا المصطلح يقلل من أهمية يوم الجمعة، وهو يوم مقدس للإسلام.

بدأت العاصفة مع الهاشتاغ #KaraCuma أي الجمعة السوداء باللغة التركية. فغرد أحدهم قائلا: "الجمعة يوم مبارك، والأسود لون القلوب المحرومة من شعاع هذا النهار المقدس،" وأدان بذلك "الزنادقة" الذين أشاعوا هذا المصطلح في تركيا. وأعلن آخر إن "العقلية الصليبية التي تطلق تسمية#BlackFriday أي الجمعة السوداء على أقدس أيام الإسلام هي عقلية مليئة بالمخاوف، إلا أن هذه المخاوف لن تنقذهم أبدا،" مستشهدا بالقرآن الذي يقول: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولوكره الكافرون".

في غضون بضع ساعات، عبر الآلاف عن رسائل مماثلة على وسائل الاعلام الاجتماعية التركية فيما بدأ المتظاهرون الغاضبون يتداولون قوائم الشركات التركية التي تدير حملات إعلانية خاصة بيوم الجمعة السوداء وسط تصور مفاده أن هذه الشركات تشارك في حملة تهدف إلى "منع موظفيها من تأدية صلاة الجمعة".

وسرعان ما استحال الغضب ماديا، إذ دخلت مجموعة صغيرة إلى مركز تجاري في بلدة بولو المركزية في الأناضول وطلبت من العمال إزالة ملصقات الجمعة السوداء "إذا كنتم مسلمين،" وتم تداول فيديو المشهد على الإنترنت بشكل كبير.

أما وسائل الإعلام الموالية للحكومة فالتزم بعضها الصمت إزاء هذا الاندفاع في حين انضم بعضها الآخر إلى الحملة بامتنان. وأعلنت صحيفة "ييني صفك" اليومية إن "الجمعة السوداء أغضبت تركيا" وقامت بنشر رسائل تم تداولها على وسائل الإعلام الاجتماعية لإدانة الحملة "المتعمدة". فقال مقال في الصحيفة: "لقد اختاروا اليوم الذي أعلنه المسلمون مقدسا،" في إشارة إلى بعض أعداء الإسلام غير المعروفين.

وقد انضم إلى الجوقة حمزة ييرليكايا، المستشار الرسمي للرئيس رجب طيب أردوغان فغرد: "ما هي هذه الجمعة السوداء؟ لماذا الجمعة؟ يوم الجمعة هو النور والسلام والبركة،" وسأل: "أي نوع من العمليات هذا؟ ما هو التصور الذي يجري بناؤه في هذا اليوم بالتحديد؟ "

الجزء المحير هو أن أيا من هؤلاء الأتراك الذين أدانوا يوم الجمعة الأسود كلف نفسه معرفة ما يعنيه هذا المصطلح ليعرف أنه لا علاقة له بيوم الإسلام المقدس وأنه لا يهدف بأي شكل من الأشكال إلى "إهانة" أو تنفيذ "عملية" على تركيا وإسلامها.

عدد قليل فقط من المعلقين حاول شرح اللغط. فقد غرد باريز إيسن، وهو خبير اقتصادي في بلومبرج تركيا، إن "الجمعة السوداء تعني أن الشركات في الولايات المتحدة تحقق أرباحا في ميزانياتها العمومية التي يتم الإشارة إلى الخسارة فيها بالأحمر في حين يشار إلى الربح فيها بالأسود. لا تنسبوا معان أخرى لهذا النهار". إلا أن الغاضبين إزاء يوم الجمعة الأسود بدوا غير مهتمين بهكذا حقائق، أو ببساطة فضلوا عدم قراءة المقالات التي قدمت التفسيرات.

إن مناهضة يوم الجمعة الأسود عمل مضحك مبك أكثر منه عملية خطيرة. ولقد هدأت هذه الأعمال ومن المحتمل أن تسقط قريبا في غياهب النسيان، ولن يبقى منها سوى احتمال لجوء الشركات التركية إلى طريقة أخرى لتعزيز مبيعاتها في العام المقبل.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فإن هذا الحادث هو واحد من مظاهر لا تعد ولا تحصى من المزاج المناهض للغرب الذي سيطر على تركيا في العامين الماضيين. الكثير من الناس الآن على يقين أن القوى الغربية تعد مؤامرات ضد الأتراك وغيرهم من المسلمين وما ان يسمعون مصطلح "الجمعة السوداء" حتى يبدأون بتصور أفكار شريرة.

هذا الموقف المناهض للغرب مترسخ في المجتمع التركي، علما أن عدة معسكرات سياسية تشمل القوميين والماركسيين والإسلاميين تؤمن منذ وقت طويل بمخططات غربية سرية تهدف إلى إضعاف الأمة وتقسيمها وزعزعة استقرارها. إلا أن ألفة الأتراك مع المؤامرات لم تصل يوما إلى هذا المستوى من التنسيق كما هو الحال اليوم في عهد أردوغان.

ومنذ أن اقتنع أردوغان بمؤامرة غربية للإطاحة به في خلال احتجاجات حديقة غيزي في حزيران / يونيو 2013، أكب على تفسير كل عقبة يواجهها كجزء من مخطط منسق من قبل "العقل المدبر" الغامض. وقد روجت آلة الدعاية العملاقة التابعة له هذا الرأي بلا هوادة، علما أن غالبية وسائل الإعلام التركية تشكل جزءا من هذه الآلة اليوم. والأسوأ من ذلك هو أن الحملة هذه تعكس قناعات النخبة الحاكمة الجديدة الحقيقية.

أحد أسباب هذه المناهضة القوية للغرب هو استياء المحافظين المتدينين العميق من الغرب ولومه على سقوط المجد العثماني وهيمنة الأتراك الغربيين، وهم يرون أن الآن هو وقت الأتراك "الحقيقيين" الذين تم دفعهم خارج السلطة لمدة قرن. إنها حماسة ثورية تشبه إلى حد كبير روح الثورة الإيرانية التي استبدلت نخبة نظام الشاه الغربية بالطبقات الاجتماعية المحرومة سابقا. ولا شك أن ثورة أردوغان أقل راديكالية وأقل وضوحا من الثورة الإيرانية، ولكنها ليست أقل طموحا.

أما السبب الثاني لمعركة تركيا المعاصرة المناهضة للغرب فهو أنها أداة مفيدة جدا لبناء واستدامة الحكم الاستبدادي. لأن هذه المناهضة للغرب تبرر أي فشل حكومي على أنه ناتج من مؤامرة غربية وتصنف أي شخص يقف ضد الزعيم العظيم على أنه دمية غربية.

والسبب الثالث يكمن في أخطاء بعض العواصم الغربية والدول الأوروبية التي لم تسمح لأنقرة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حتى عندما أعرب أردوغان عن استعداده للانضمام إلى هذا الاتحاد. وتشمل هذه العواصم واشنطن، التي اختارت على سبيل المثال تسليح ما يسمى بـ "الأكراد السوريين"، وهم يشكلون فصيلا ينسجم مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي يشكل منذ أوائل الثمانينيات خطرا إرهابيا رئيسا في تركيا.

وقد اعترف مراقب تركي مخضرم يدعى ستيفن أ. كوك ويعمل في مجلس العلاقات الخارجية بهذا العامل الثالث في مقال حديث عن العلاقات التركية الأمريكية قال فيه إن "لدى أنقرة شكاوى مشروعة ضد واشنطن"، خصوصا في ما يتعلق بخيارات الاخيرة السياسة الكارثية في كل من العراق وسوريا. لكن هذه الشكاوى غير مسموعة بسبب "انصهار العقل التركي" الذي بات مزخرفا بعقلية تآمرية تمنعه من التعبير عن حجج صالحة.

إلا أن تركيا عالية الشأن ولا يمكنها القيام بأي تضحية، ولا تزال هذه الحقبة المضطربة في تاريخ البلاد قيد الإعداد ونتائجها غير مؤكدة بعد. لذا، يجب على من يأملون تحقيق نتائج أفضل، أو على الأقل بأقل الأضرار الممكنة، أن يحاولوا الحفاظ على علاقات تركيا المؤسسية مع الغرب، مثل منظمة حلف شمال الأطلسي ومجلس أوروبا، التي لا تزال تشكل مراسي حاسمة للأمة، فإذا اختفت هذه العلاقات، قد تودي نوبة مؤامرة الجمعة السوداء بتركيا إلى مستقبل شديد السواد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض تركية

al-monitor
زيادة حادّة في عدد الزائرين الإيرانيّين تنعش قطاع السياحة التركي
Paul Benjamin Osterlund |  السياحة | يون 17, 2018
al-monitor
ازدهار الصادرات التركية إلى سورية في ظل الحرب
فهيم تشتكين | اقتصاد و تجارة | يون 7, 2018
al-monitor
التطهير العسكري التركي ينسف صفوف الضباط والطيارين
متين گورجان | | ماي 29, 2018
al-monitor
صناعة الدفاع في تركيا عند منعطف حرج
متين گورجان | اقتصاد و تجارة | ماي 25, 2018