روسيا وعمان واحتمال التحالف بينهما في الشرق الأوسط

على الرغم من إرث الحرب الباردة، بين روسيا وعمان نقاط مشتركة يظهر من خلالها اختلاف عمان عن بقيّة الدول في الخليج.

al-monitor .

نوف 8, 2017

نادرًا ما يتم ذكر عمان عند الحديث عن السياسة الروسية في الشرق الأوسط. الاّ أنه تمّ التنبّه إلى بعض التطوّرات الملفتة في هذا السياق خلال الأسابيع القليلة الماضية.

سهّلت عمان شروط استحصال المواطنين الروس على التأشيرة في أوائل شهر تشرين الأول\ أكتوبر، تزامنًا مع انطلاق فعاليات منتدى الأعمال العماني الروسي الثاني الذي استضافته العاصمة العمانيّة، مسقط. يشير هذان التطوران إلى التقدّم الذي أحرزه البلدان في تعزيز العلاقة الثنائية بينهما؛ وقد اكتسب هذا التطور زخمًا وذلك منذ قام وفد من مجلس الاتحاد الروسي بزيارة سلطنة عمان في شهر في نيسان\أبريل 2016. وفي حال المضي قدمًا في هذا الاتجاه، قد تنقل سلطنة عمان علاقتها بروسيا إلى "المستوى التالي"، ويمكن عندها الحديث عن آخر الدول الخليجية التي تدعّم علاقاتها بموسكو مؤخرًا. الاّ أن التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والتقني بين روسيا وعمان لا يرقى حتى الآن إلى مستوى التعاون بين روسيا والأعضاء الآخرين في مجلس التعاون الخليجي.

ترك إرث الحرب الباردة ثقلًا كبيرًا على العلاقات الثنائية الروسية العمانيّة. وكانت سلطنة عمان الملكية الخليجية الوحيدة التي تأثرت بشكل مباشر بالسياسة السوفياتية التوسعية في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي ساعد فيه الاتحاد السوفياتي جبهة تحرير ظفار الماركسية — التي شاركت في حركة التمرد المستوحاة من الشيوعيّة في محافظة ظفار (1962- 1976) — كانت موسكو قد بسطت نفوذها في جنوب اليمن. وكان الاتحاد السوفياتي يأمل بأن أن يصل الشيوعيّون إلى السلطة في عمان.

اعتُبر تمرد ظفار، وإن باء بالفشل، أنه محاولة سوفيتية للتدخل في شؤون عمان. ومع ذلك، تمكّنت عمان من اجتياز الحواجز والتأسيس لعلاقات أكثر وديّة مع موسكو في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي.

ولّد الربيع العربي في العام 2011 فرصًا للتقارب بين روسيا وعمان. إذ أدّت مواقف السلطنة تجاه الأزمة السورية واليمنية، وهي مواقف مغايرة عن مواقف دول مجلس التعاون الخليجي، إلى توثيق أكبر للروابط السياسية بين موسكو ومسقط. رفضت عمان توفير الدعم لتدخل دول الخليج العربي وحلفائها في وجه التحالف القائم بين الحوثيين والرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح. كما حافظت عمان على وجودها الدبلوماسي في صنعاء، التي كان يسيطر عليها الموالون لصالح والحوثيون. واعتمدت موسكو المسار نفسه. فلم تقطع علاقاتها بأي من الطرفين. أما في سوريا، فامتنعت مسقط عن قطع علاقتها بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، على الرغم من اعترافها الرسمي بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية كـ "ممثل شرعي" للشعب السوري في العام 2012. إضافة إلى ذلك، اعتمدت عمان موقفًا محايدًا من الأزمة القطريّة الأولى (2014) والأزمة القطرية الثانية، ولم تسحب سفيرها لدى قطر أو تفرض عقوبات عليها.

غير أن التدخل العسكري الروسي في سوريا في أيلول/سبتمبر 2015 قد أعاق التقارب بين موسكو ومسقط وذلك من خلال إحباط جهود عمان للوساطة بين نظام الأسد وإيران ودول الخليج والمتمردين. وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم قد زار مسقط في آب/أغسطس 2015، وبعد شهرين التقى وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي بن عبد الله بالرئيس السوري في دمشق. وفي هذا الإطار، أدّى التورّط الروسي في الصراع إلى تبديل جذري في موازين القوى في سوريا، محبطًا بذلك الجهود الدبلوماسية لعمان.

الاّ أن التقدم المتنامي الذي حقّقته روسيا في عملية السلام في سوريا قد ساعد على سدّ الهوّة بين البلدين. إضافة إلى ذلك، قد تَعتبر عمان الوجود الروسي في سوريا كأداة للحفاظ على موازين القوى أو كقوّة مقابلة في وجه الهيمنة الإيرانية واحتمال الانتشار الأمريكي في سوريا والعراق في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وخلال العقود الأخيرة — منذ أن بدأت السلطنة تحيّد عن سياستها المحافظة والموالية للغرب خلال فترة الحرب الباردة — شكّل كلّ من عدم الانحياز وتوازن العلاقات مع الفاعلين العالميين والإقليميين الرئيسيين وتوازن القوى في الشرق الأوسط الركائز الأساسية للسياسة الخارجية للبلد.

وخلال العقود الأخيرة — منذ أن بدأت السلطنة تحيّد عن سياستها المحافظة والموالية للغرب خلال فترة الحرب الباردة — شكّل كلّ من عدم الانحياز وتوازن العلاقات مع الفاعلين العالميين والإقليميين الرئيسيين وتوازن القوى في الشرق الأوسط الركائز الأساسية للسياسة الخارجية للبلد.

تنتمي المؤسسة السياسية في عمان – إلى جانب معظم المواطنين – إلى الاباضيّة نسبة الى عبد الله بن إباض والتي تختلف عن مذهب أهل السنة والشيعية. تستغلّ عمان بشكل استراتيجي الخلافات السياسية بين الأطراف السنيّة والشيعة النافذة في جوارها، وهو ما يوجب اعتماد سياسة خارجية مرنة، وذلك في إطار سعي عمان إلى تحقيق مصالحها. إذ تنظر مسقط، على سبيل المثال، إلى عضويتها في مجلس التعاون الخليجي الذي تسيطر عليه السعودية، على أنها أداة للحد من النفوذ الإيراني. كما تُبقي، في الوقت نفسه، على علاقتها بإيران على المسار الصحيح، وتعتبر ذلك أداة فعالة للوقوف في وجه الطموحات بأن تصبح السعودية "دولة عظمى".

لعبت مسقط دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران قبيل التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة. وقد مهّدت المشاورات الأمريكية الإيرانية المطوّلة قبيل انعقاد الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول\سبتمبر 2013، الطريق أمام هذا الاتفاق النووي، الذي شكّل انجازًا دبلوماسيًا تفتخر به عمان. إذ استضافت خمسة اجتماعات بين الجانبين. كما زار الرئيس الإيراني حسن روحاني سلطنة عمان في شباط/فبراير 2017، وتبع هذه الزيارة زيارة أخرى قام بها وزير خارجية إيران إلى مسقط في تشرين الأول/أكتوبر.

الاّ أن قرار عمان بالانضمام إلى التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب بقيادة الرياض، والذي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه مبادرة مناهضة لإيران، يمكن أن يؤثّر سلبًا على "الجانب الإيراني" لسياساتها الخارجية. يعتبر بعض الخبراء في الوقت عينه أنه لن يترتّب على هذه الخطوة الشكلية أي عواقب بعيدة الأمد. ستستمرّ عمان في اعتماد سياسة عدم الانحياز وتحافظ على حيادها كـ "سويسرا العرب".

وتعتمد مسقط المقاربة نفسها في التعامل مع "القوى العظمى" في الشرق الأوسط. انّ الوجود العسكري الروسي في سوريا وسياسة الولايات المتحدة الاستباقية في المنطقة قد يُلزمان عمان بإعادة النظر في علاقاتها مع موسكو وواشنطن لتحقيق التوازن بين مركزي السلطة. وبما أن مستوى التعاون بين الولايات المتحدة وعمان أرقى [من مستوى تعاونها مع موسكو]، يمكن بالتالي القول أنه من المتوقّع أن نشهد على ميل أكبر باتجاه روسيا، ولكن إلى حد معقول، في إطار السياسة الخارجية العمانية.

تعتبر سلطنة عمان أن تفادي التضارب وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط عاملين أساسيّين لتطوّر البلد في المستقبل. وبالتالي، يعتمد التفاعل الروسي العماني إلى حد كبير على الثقة التي قُوّضت إلى حد ما بسبب التدخل العسكري الروسي في سوريا. وبالتالي، يتوقّف بناء هذه المصداقيّة على استراتيجية موسكو في الشرق الأوسط.

بودكاست

فيديو