"اغتصاب بروزربينا" يفتح نيران المثقّفين والفنّانين على رجال الدين والأزهر

أطلق عدد من المثقّفين والفنّانين والإعلاميّين العديد من الحملات ضدّ شيوخ الأزهر والتيّارات السلفيّة، بعد أن اتّهم الداعية الأزهريّ خالد الجنديّ الطبيب والكاتب والمفكّر خالد منتصر بنشر الفسق بسبب نشره صورة لتمثال "اغتصاب بروزربينا" في حسابه الشخصيّ على "فيسبوك"، واستنكر العديد من الفنّانين التشكيليّين والنحّاتين اعتبار بعض الشيوخ التماثيل العارية مصدراً للإثارة الجنسيّة.

al-monitor .

نوف 30, 2017

القاهرة – فجر تمثال من الطراز الباروكي يرجع تاريخه إلى القرن السابع عشر جدلا بين مثقفي وشيوخ مصر في مطلع الشهر الجاري حول مدى توافق أو تعارض التماثيل العارية واقتنائها أو نشر صورها مع تعاليم الشريعة الإسلامية، حيث أن التمثال المعني يصور مشهد اغتصاب إله الميثولوجيا الإرغيقية هاديس للإلهة بيرسيفون أو بروسربينا.

بدأ الجدل عندما نشر خالد منتصر، الطبيب والصحفي المصري، صورا لتمثال "اغتصاب بروزربينا"، وهو المنحوتة الفنيّة الشهيرة للنحّات الإيطاليّ جيان لورينزو برنيني، في صفحته على "فيسبوك" بـ2 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2017، وأظهرت الصور تمثالين عاريين في مشهد اغتصاب بروزربينا وهي تبكي وتصرخ، وعلق منتصر على الصور كاتبا: "أي موضوع ممكن يبقى فن، والمهم هو التناول، حتى موضوع الاغتصاب الكريه صار منحوتة بديعة بسحر الفن".

وفي نفس يوم نشره صور تمثال "اغتصاب بروسربينا" شن الداعية الإسلامي خالد الجنديّ، خلال حلقة برنامجه الدينيّ "لعلّهم يفقهون" المذاع على قناة "دي إم سي" في اليوم نفسه، هجوما على منتصر واتهمه بنشر صورة جنسيّة على الملأ ونشر الفاحشة بين الناس في حجّة التناول الفنيّ.

وفي مداخلة هاتفيّة في برنامج "كلام تاني" للإعلاميّة رشا نبيل المذاع على قناة "دريم" في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، أشار الجنديّ إلى أنّ منتصر ارتكب فعلاً يندى له الجبين، وإنّ الصورة التي نشرها على حسابه جارحة وخادشة للحياء العام، مطالباً أيّ محام برفع قضيّة على منتصر.

بينما ردّ منتصر على الجنديّ في مداخلة هاتفيّة أخرى للبرنامج ذاته في اليوم نفسه لافتاً إلى أنّ العديد من الرموز الفكريّة في مصر مثل فرج فودة، المفكر المصري العلماني، تمّ قتلهم بسبب فتاوى من أسماهم بـ"أمثال خالد الجنديّ"، وقال: "للأسف، إنّ الدولة تعتمد في تجديد الخطاب الدينيّ على أمثاله (في إشارة إلى الجنديّ)، وأطالب ملاّك قناة دي إم سي بإيقافه عند حدّه".

وبالفعل في اليوم التالي بـ4 تشرين الثاني/نوفمبر، تقدّم المحامي المصريّ سمير صبري ببلاغ للنائب العامّ ضدّ منتصر لنشره صورة لمنحوتة "اغتصاب بروزربينا"، مطالباً بمحاكمته أمام المحكمة المختصّة بتهمة التحريض على الفسق والفجور، مستشهداً بنصّ المادّة 178 من قانون العقوبات المصريّ التي تنصّ على معاقبة مدّة لا تزيد على سنتين بالحبس وبغرامة لا تقلّ عن 5 آلاف جنيه ولا تزيد على 10 آلاف جنيه كلّ من صنع أو حاز بقصد الإتجار أو التوزيع أو الإيجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صوراً محفورة أو منقوشة أو رسومات يدويّة أو فوتوغرافيّة أو إشارات رمزيّة أو غير ذلك من الأشياء أو الصور عامّة، إذا كانت منافية للآداب العامّة.

وتضامنت شخصيّات عامّة عدّة مثل عضو مجلس النوّاب الحاليّ عماد جاد، أستاذ الفلسفة في كليّة الآداب بجامعة الإسكندريّة أشرف منصور، والمنتج السينمائيّ والتلفزيونيّ جمال العدل، مع منتصر ضدّ البلاغ المقدّم ضدّه على صفاتحهم الشخصيّة على موقعيّ "فيسبوك" و"تويتر" من خلال هاشتاج "معاً ضدّ دعاة الظلام" الذي انطلق في 5 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2017، وهاشتاج "متضامن مع خالد منتصر" الذي انطلق في 7 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2017، وما زال الإثنان يشهدان تفاعلاً قويّاً من قبل العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعيّ للتضامن مع منتصر.

وشنّ منتصر حملة ضدّ شيوخ الأزهر وشيوخ التيّار السلفيّ، إذ لفت في حوار بـ17 تشرين الثاني/نوفمبر مع جريدة "العرب" اللندنيّة إلى أنّ الأزهر أوقف استعمال العقل في التعامل مع القضايا الدينيّة، واكتفى بالنقل عن تراث من الفتاوى التاريخيّة، مشيراً إلى أنّ العديد من شيوخ الأزهر يتّسمون بالجمود ويتّبعون منهجاً محافظاً لا يختلف عن منهج السلفيّة، رغم الخلافات بين الأزهر والمؤسّسات السلفيّة.

كما نشر فيديو في حسابه على "فيسبوك" بـ19 تشرين الثاني/نوفمبر لمحمود عبد الرازق الرضواني، وهو داعية منشقّ عن الدعوة السلفيّة يهاجم فيه وينتقد شيوخ الدعوة السلفيّة مثل محمّد حسّان ومحمّد حسين يعقوب وأبو إسحق الحويني، متّهماً إيّاهم بتقاضي آلاف الدولارات مقابل الظهور في بعض البرامج الدينيّة، رغم أنّهم أقسموا في العديد من المناسبات والمحافل على عدم تقاضيهم أيّ أجر نظير الظهور في الإعلام، وأشار إلى أنّ الهدف من أغلب القنوات الدينيّة كان تحقيق الأرباح الماليّة حتّى لو على حساب الانضباط في الفتوى.

وكان من اللاّفت، رغم دخول العديد من الأطراف على خطّ المواجهة بين الجنديّ ومنتصر سواء متضامنين مع هذا أو ذاك، أنّ مشيخة الأزهر ودار الإفتاء لم تعلّقا على الأمر، وصدر بالاشتراك بينهما في 16 تشرين الثاني/نوفمبر قائمة تضمّ 50 اسماً من شيوخ وأساتذة الأزهر ودار الإفتاء باعتبارهم الشيوخ المعتمدين من الجهتين للفتوى في وسائل الإعلام، واستبعدت القائمة خالد الجنديّ.

وتواصل "المونيتور" مع وكيل الأزهر الشريف عبّاس شومان، الذي قال: "لا علاقة لاستبعاد خالد الجنديّ بأزمته الأخيرة مع خالد منتصر، وفي ما يخصّ الفتوى في حكم نشر صور للتماثيل العارية، فالأزهر ملتزم فتاوى دار الإفتاء في ذلك الصدد".

ونشرت دار الإفتاء المصريّة في 6 تشرين الثاني/نوفمبر على موقعها الرسميّ فتوى جاء فيها: إنّ نحت أو رسم الأجساد العارية لا يجوز.

أضافت الفتوى: "وللرسّام أن يلجأ إلى رسم الأزهار والأشجار وغيرها ممّا أباح الله لعباده، وفيها من الجمال ما لا يقارن به بدن الإنسان عارياً"، إلاّ أنّ مفتي أستراليا الشيخ مصطفى راشد اختلف مع فتوى دار الإفتاء والجنديّ، معتبراً أنّ نحت الأجساد العارية أو رسمها هو فعل غير مخالف للشريعة، إذ قال في فتوى على موقعه الرسميّ: "لا يوجد نصّ قرآنيّ أو من السنّة النبويّة يؤكّد تحريم ذلك الفعل، وليس من الطبيعيّ أن يستثار الإنسان من منحوتة أو رسم لإنسانة عارية".

وتأتي فتوى مصطفى راشد الوحيدة المتّفقة مع أفكار النحّاتين المصريّين وآرائهم، إذ قال النحّات المصريّ الشهير طارق الكومي لـ"المونيتور": "إنّ دور الشيخ خالد الجنديّ يقتصر على نشر تعاليم الدين الإسلاميّ، ولا يجب أن يمتدّ إلى تقييم الفنّ والجمال وتأثير المنحوتات والرسومات على الإنسان، فمن غير المعقول أن يعتبر رؤية شخص لتمثال أو رسم لموديل عار مصدراً للاستثارة الجنسيّة، لأنّ الإنسان الذي يستثار من منحوتة أو رسم مريض، ولا يجب أن تقاس عليه الأمور، وفتوّته بتحريم تداول صورة تمثال عار هي عودة إلى عصور التخلّف والظلام".

من جهته، قال الفنّان التشكيليّ المصريّ صلاح المليجي لـ"المونيتور": "إنّ التماثيل العارية منتشرة في أوروبا، ومع ذلك فمعدّلات جرائم الاغتصاب في أوروبا أقلّ من مصر بكثير، لأنّ لا علاقة بين تمثال عار وبين التحريض على الفسق، فالتماثيل العارية هي نوع من الفنّ، ولا يوجد فيها مصدر لإثارة أيّ شخص إلاّ المرضى النفسيّين، وفتوى خالد الجنديّ ودار الإفتاء هي اغتيال لذلك النوع من الفنّ في مصر".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو