نبض مصر

المصريون يسلطون الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في حملة ارتدّت على الحكومة

p
بقلم
بإختصار
بعدما شجّعت الحكومة المصرية المشاركين في "منتدى الشباب العالمي" على التفاعل في ما بينهم قبيل المؤتمر عبر استخدام هاشتاغ #WeNeedToTalk (نحتاج إلى التكلم)، انتهز مواطنون كثر الفرصة للتنديد بما يصفونه بانتهاكات حقوق الإنسان.

يبدو أن الحملة التي أطلقتها الحكومة المصرية من أجل الترويج لـ"منتدى الشباب العالمي" المنعقد في منتجع شرم الشيخ على ضفاف البحر الأحمر من 4 إلى 10 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ارتدّت بنتائج عكسية عليها، بعدما استولى الناشطون عبر الإنترنت على هاشتاغ المؤتمر #WeNeedToTalk (نحتاج إلى التكلم)، لتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

كان منظّمو المؤتمر يأملون بأن يساهم الهاشتاغ في التشجيع على التفاعل بين المشاركين قبيل انعقاد المنتدى، وفي الترويج لمصر كوجهة سياحية آمنة. بدلاً من ذلك، نشر النشطاء صوراً لعناصر القوى الأمنية يقومون بالاعتداء على الشباب وتوقيفهم في مواقع الاحتجاجات، وتشاركوا صوراً لصحافيين يقبعون في السجون، ونشطاء وأشخاص آخرين يُزعَم أنهم تعرضوا للتعذيب أو أنهم مخفيّون قسراً.

غرّد عمرو البقلي، مدير "منتدى القاهرة الليبرالي"، وهو عبارة عن منظمة مصرية غير حكومية تعمل على نشر القيم والثقافة الليبرالية لدى الشباب المصريين: "#نحتاج إلى التكلم عن الاختفاء القسري".

وكتب في تغريدة أخرى: "#نحتاج إلى التكلم عن الرئيس الذي ينفق على السلاح أكثر مما ينفق على التعليم والرعاية الصحية".

وقد استخدمت الناشطة البارزة منى سيف، التي يمضي شقيقها علاء عقوبة بالسجن لمدة خمسة أعوام بتهمة انتهاك قانونٍ يحظر الاحتجاجات غير المرخَّصة، الهاشتاغ للفت الانتباه إلى محنة الطالب عمرو نوهان المحكوم عليه بالسجن ثلاثة أعوام على خلفية قيامه بنشر صورة للسيسي معدَّلة بواسطة برنامج "فوتوشوب"، عبر صفحته على موقع "فايسبوك"، يظهر فيها الرئيس المصري مع أذنَي "ميكي ماوس".

أما بهي الدين حسن، وهو من المدافعين عن حقوق الإنسان ومدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، فقد نشر صورة للباحث المسجون اسماعيل الإسكندراني مع التعليق الآتي: "#نحتاج إلى التكلم. لقد تكلّم اسماعيل. إنه في السجن لأنه سأل لماذا تحوّل بعض كبار الضباط العسكريين إلى جهاديين".

بعد ساعات من إطلاق الهاشتاغ، بات الأكثر تداولاً عبر موقع "تويتر" في مصر، ما أطلق موجة جامحة من الانتقادات المناهضة للحكومة، والتي أشار المراقبون إلى أن "السبب وراءها هو رياء الحكومة الشديد".

وقالت رشا الإبياري، وهي باحثة وأستاذة مساعدة في مادة وسائل الإعلام السياسية، عن الهجوم اللاذع عبر الإنترنت: "إنه ردّ مناسب على السياسات الحكومية التي تعتمد ازدواجية المعايير".

وعلّقت في هذا الصدد: "من جهة، تستخدم الحكومة وسائل التواصل الاجتماعي لـ‘تشجيع الشباب’ على مناقشة أفكارهم. ومن جهة ثانية، تعمد السلطات إلى إسكات وسائل الإعلام وحظر مئات المواقع الإخبارية المستقلة. ويكمّون أيضاً أفواه النقّاد عبر زجّهم في السجون وتعذيبهم ونفيهم. لا يُسمَح سوى بظهور سردية واحدة في مصر اليوم، هي سردية الدولة".

تلجأ الحكومة المصرية بصورة مطّردة إلى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق قضاياها وتعزيز مصالحها، لكن غالباً ما تُستقبَل البروباغندا الرسمية عبر الإنترنت بالتشكيك والانتقاد اللاذع من النشطاء الثوريين ذوي المهارة في استعمال التكنولوجيا، والذين استخدموا مواقع التواصل الاجتماعي في العام 2011 لتنظيم الاحتجاجات في الشوارع والتعبئة لها في مواجهة الرئيس السلطوي حسني مبارك الذي حكم البلاد لفترة طويلة. قالت الإبياري لموقع "المونيتور": ""الإنترنت سيف ذو حدَّين؛ يجب أن تدرك الحكومة أن تقلُّص مساحة حرية التعبير في مصر لم يترك أمام الشباب من خيار سوى اللجوء إلى شبكات التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك وتويتر، كمنصة ’بديلة‘ للتعبير عن مظالمهم ومخاوفهم".

هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها حملة ترويجية من تنظيم الحكومة المصرية، عن المسار المرسوم لها. العام الفائت، ارتدّت حملة دعائية أطلقتها الحكومة لإنعاش القطاع السياحي، بنتائج عكس المتوخّاة، بعدما استخدم النشطاء عبر الإنترنت هاشتاغ #ThisIsEgypt (هذه هي مصر)، للتغريد عن حقائق قاسية في البلاد. ففي حين استخدم بعض النشطاء الهاشتاغ بحسب الغرض المنشود منه، وقاموا بتشارُك صور النُّصُب والمعالم السياحية، نشر آخرون صوراً للشوارع حيث تتناثر القمامة، وروابط لمقالات عن المعتقلين الذين يتعرضون للتعذيب، والصحافيين القابعين في السجون، والتجاوزات السياسية المستمرة.

شهدت مصر، في عهد السيسي، ما يصفه نشطاء حقوقيون بأنه "حملة قمع غير مسبوقة تستهدف المعارضة"، وقد طالت في البداية قادة "الإخوان المسلمين" وأنصارهم، لكنها توسّعت لاحقاً لتشمل مجموعة متزايدة باطراد من النشطاء الليبراليين، وأعضاء المنظمات الأهلية، والمثقّفين والصحافيين الذين ينتقدون سياسات الحكومة. منذ إطاحة الرئيس الإسلامي السابق محمد مرسي في تموز/يوليو 2013، زُجَّ عشرات الآلاف في السجون، وفقاً لمجموعات حقوقية تدّعي أن 60 ألف سجين سياسي يقبعون خلف القضبان في مصر اليوم. كذلك وثّقت المجموعات الحقوقية المحلية والدولية مئات حالات الاختفاء القسري وعشرات قضايا التعذيب في السجون المصرية السيئة السمعة، ما دفع بمنظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى وصف ما يجري بـ"وباء التعذيب".

نفى السيسي الاتهامات بممارسة التعذيب التي وجّهتها مجموعات حقوق الإنسان إلى الشرطة المصرية، مشدّداً: "نحن لا نلجأ إلى التعذيب". وناشد المجتمع الدولي "توخّي الحذر من المعلومات التي تنشرها المنظمات الحقوقية". وفي مؤتمر صحافي عُقِد مؤخراً في باريس إثر مباحثات بين الرئيس المصري ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، قال السيسي، رداً على سؤال عن سجل بلاده السيئ في مجال حقوق الإنسان، إن مصر تقع "في منطقة مختلفة"، وإنه لدى "الحكومة مسائل ملحّة أخرى يتعيّن عليها معالجتها". وناشد الصحافيين عدم تقييم أوضاع حقوق الإنسان في مصر، الدولة النامية، على ضوء المعايير نفسها المستخدَمة في الحكم على حقوق الإنسان في البلدان الأكثر تقدّماً. وقال في هذا الإطار: "بالنسبة إلى موضوع حقوق الإنسان، أرجو أن نفهمه في سياقه الصحيح لدولةٍ في ظروف مصر. نحن لسنا في أوروبا مع تقدّمها الفكري والثقافي... والإنساني".

في الأسابيع الأخيرة، استهدفت موجة جديدة من التوقيفات المثليين جنسياً في مصر. فقد جرى اعتقال عشرات الأشخاص الذين يُشتبَه في أنهم من ذوي الميول الجنسية المثلية، ووُضِعوا في الحجز، على الرغم من أنه ليست لمصر، حتى تاريخه، قوانين تحظر المثلية الجنسية. ووُجِّهَت إلى معظم الموقوفين تهمة "الفسوق" و"التحريض على الفجور في المجتمع". ينظر مجلس النواب حالياً في مشروع قانون ينص على تجريم ممارسات المثلية الجنسية، بعدما تقدّم نائب بمشروع قانون بهذا الخصوص في منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي. في حال إقراره، من شأن المثليين وكذلك الأشخاص الذين "يحرّضون على المثلية الجنسية" أن يواجهوا عقوبة بالسجن تتراوح من عام واحد إلى ثلاثة أعوام.

إلى جانب الهاشتاغ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمّن الحملة الترويجية التي أطلقتها الحكومة لمناسبة انعقاد "منتدى الشباب العالمي"، شريط فيديو ومقاطع تلفزيونية مصوَّرة تُشبّه المؤتمر بغصن الزيتون. يقول الراوي للمشاهدين: "توجّه مصر، عبر استضافتها للمؤتمر، رسالة سلام إلى العالم". وتُروّج لوحات إعلانية ضخمة للمؤتمر في الشوارع المزدحمة في القاهرة من خلال مشاهد الوجوه الشبابية المبتسمة من بلدان مختلفة، في حملةٍ تهدف إلى إظهار الالتزام المصري بتعزيز التعددية الثقافية وتقبّل الآخر. هذه الصورة مختلفة تماماً عن الواقع في البلاد حيث تدأب وسائل الإعلام الموالية للحكومة، في الأعوام الأخيرة، على تأجيج الكراهية للآخر ومشاعر الريبة من الغرباء في أوساط الرأي العام.

وكان السيسي قد أعلن عن نيّة بلاده استضافة "منتدى الشباب العالمي" خلال مؤتمر الشباب الوطني الذي أقيم في الإسكندرية في تموز/يوليو الماضي.

أعربت هاجر جميل، وهي مذيعة شابة تشارك في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة الذي اقترح تنظيم حوار بين الثقافات، عن حماستها للقاء المشاركين القادمين من أكثر من ثمانين بلداً. أضافت لموقع "المونيتور": "إنها فرصة رائعة أن نتمكّن من مناقشة التحديات المشتركة التي نواجهها جميعنا، ومن تبادل الآراء حول المسائل التي تؤثّر في الشباب في مختلف أنحاء العالم، مثل التطرف والبطالة". تتطلع جميل أيضاً إلى تشارُك تجاربها كقيادية شابة في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، والحديث عن دور الدولة في إعداد قادة المستقبل.

في حين يُجمع عدد كبير من المراقبين على أن البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة هو مبادرة جيدة تستحق الثناء نظراً إلى أنها تساعد الشباب على تطوير مهاراتهم القيادية وتشجّعهم على الانخراط أكثر في مجتمعاتهم المحلية، يقول المشكّكون إن هذه الفرصة متاحة فقط أمام مجموعة مختارة من الشباب المناصرين للسيسي.

يعلّق حسام مناعي، وهو مخرج وناشط مصري شاب أمضى فترة وجيزة في سجون السيسي في شباط/فبراير 2014 بتهمة "نشر أخبار كاذبة" و"تهديد استقرار الدولة": "أين هم النشطاء الشباب الداعِمون للإصلاح الذين قاموا بتعبئة الرأي العام للنزول إلى الشارع وطالبوا بسقوط النظام قبل ستة أعوام؟ عدد كبير منهم إما في السجن وإما في المنفى. إنهم الأشخاص القادرون على إحداث تغيير حقيقي. من دون مشاركتهم، يصبح المؤتمر الشبابي مجرد منصة أخرى لتكرار كلام عقيم وغير مثمر".

لقد غادر مناعي مصر ويقيم الآن في بولندا. لن يكون حاضراً في "منتدى الشباب العالمي"، شأنه في ذلك شأن عدد كبير من الثوّار المصريين الشباب.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept