نبض فلسطين

"برونجيّة" لعبة إلكترونيّة فلسطينيّة تجمع الجيل الجديد بالقديم

p
بقلم
بإختصار
مجموعة من المبرمجين الفلسطينيّين تنجح في تصميم لعبة تراثيّة فلسطينيّة قديمة وبرمجتها لتلعب عبر أجهزة الحاسوب والهواتف الذكيّة، بهدف إنقاذها من الاندثار، وجعلها كجسر يربط الجيل الفلسطينيّ القديم بالجديد.

مدينة غزّة، قطاع غزّة – نجحت مجموعة من المبرمجين الفلسطينيّين في تصميم لعبة فلسطينيّة تراثيّة قديمة وبرمجتها، لتصبح متوافرة في شكل إلكترونيّ، بهدف إنقاذها من الاندثار، إضافة إلى استخدامها كجسر ينقل التراث بين الجيلين الفلسطينيّين القديم والجديد.

اللعبة التي يطلق عليها في الوطن العربي اسم "برونجيّة أو إدريس أبو التسع"، وعالميّاً "Nine Men's Morris"، تقوم فكرتها على رسم 3 مربّعات متداخلة تجمع بينها أربعة خطوط، يوضع عليها 18 حجراً، لكلّ لاعب 9 أحجار يقوم بتحريكها على تلك المربّعات بصورة أفقيّة أو رأسيّة. وفي حال تمكّن أحد اللاعبين من تكوين 3 أحجار على خطّ مستقيم من خطوط تلك المربّعات، ففي إمكانه البدء بقتل أحجار الخصم التي تقع في الزاوية القاتلة واحداً تلو الآخر، وهكذا إلى أن تنتهي اللعبة.

قال رئيس فريق بكسل جروب القائم على تصميم تلك اللعبة وبرمجتها سليم المدهون لـ"المونيتور": " تكوّنت الفكرة لدينا كمجموعة مبرمجين فلسطينيّين، بهدف حماية تلك اللعبة من الاندثار كونها من التراث الفلسطينيّ القديم."

اللعبة مشهورة على نطاق واسع في فلسطين والشرق الأوسط، ولكن جذور اللعبة لا تزال تثير جدل كبير. يقول بعض المؤرخين أنه يعود إلى مصر، في حين أن آخرين يربطونه بالإمبراطورية الرومانية.

وأضاف: " وبدأنا في بداية تشرين الثاني/نوفمبر 2016، بتصميم نماذج إلكترونيّة عدّة منها وبرمجتها، إلى أن استقرّينا على التصميم المتوافر حاليّاً في متجري Google Play وApple Store، والذي أطلقناه في 1 نيسان/أبريل 2017".

وأوضح المدهون أنّ فريقه راعى خلال تصميم تلك اللعبة وبرمجتها سهولة الوصول إليها واستخدامها من الصغار والكبار، إضافة إلى برمجتها باللغة الإنجليزيّة بهدف إيصالها إلى أكبر عدد من المستخدمين حول العالم، ناهيك عن مراعاة توافقها مع مواقع التواصل الحديثة كـ"فيسبوك"، وإمكان لعبها في شكل مباشر بين أيّ شخصين حول العالم.

وكشف رئيس الفريق أنّ العديد من العقبات واجهت فريقه خلال العمل، وانعكست في شكل كبير على الوقت المفترض لإنجاز اللعبة والمقدّر بـ3 أشهر، وتتمثّل في انقطاع التيّار الكهربائيّ لساعات طويلة خلال اليوم، وهو الأمر الذي ضاعف وقت إنجاز تلك اللعبة ليصل إلى 6 أشهر، إضافة إلى مضاعفة التكلفة الماليّة، والتي وصلت إلى 25 ألف دولار توزّعت بين مصاريف تشغيليّة ورواتب للمصمّمين والمبرمجين، وحملة دعائيّة للّعبة.

من جانبه، قال أحد مبرمجي تلك اللعبة عزّ الدين مشتهى لـ"المونيتور": "خلال الأربعة أشهر من إطلاق التطبيق، عثروا على الكثير من الأخطاء البرمجيّة التي استطاعوا معالجتها جميعاً في تلك الفترة، لا سيّما وأنّ اللعبة تعتمد في برمجتها على الذكاء الاصطناعيّ، إضافة إلى احتوائها على ميزات عدّة كتوافر غرف للدردشة بين اللاعبين.

وبيّن مشتهى أنّ عدد المستخدمين الناشطين لتلك اللعبة يصل إلى 18 ألف مستخدم شهريّاً، لافتاً إلى إمكان تحميلها من متجري Google Play وApple Store في شكل مجّانيّ، ومنوّهاً بأنّ غالبيّة المستخدمين لتلك اللعبة يتركّزون في كلّ من فلسطين وإسرائيل وباكستان والهند والأردن والسعوديّة.

أكّد السبعينيّ عبد الحميد عياد، وهو أحد كبار السنّ الفلسطينيّين الذين ما زالوا يتمسّكون بلعب "البرونجيّة"، أنّ تلك اللعبة من الألعاب الفلسطينيّة القديمة التي تعلّمها من خلال أجداده قبل عام 1948، لافتاً إلى أنّها لعبة ذكاء وفي حاجة إلى تفكير عميق قبل تحريك أيّ حجر كما لعبة الشطرنج.

وقال عياد لـ"المونيتور": "منذ سنوات، بدأت بتعليم بعض أحفادي تلك اللعبة فأتقنوها وأصبحوا يرسمونها على لوح خشبي ويلعبونها في شكل جيّد، والآن هم يقومون بتعليمي كيفيّة الولوج إليها، ولعبها عبر الحاسوب بعدما أصبحت تطبيقاً إلكترونيّاً، معتبراً ما قام به أولئك المبرمجون بالخطوة الجيّدة التي أدّت إلى حفظ تلك اللعبة من الاندثار في ظلّ قلّة عدد من يلعبها.

من جانبه، اعتبر مدير عام الفنون والتراث في وزارة الثقافة في غزّة عاطف عسقول في حديث إلى "المونيتور" أنّ مثل تلك الأفكار يقومون بتشجيعها ودعمها، مشيراً إلى أنّهم تواصلوا مع القائمين على المشروع بهدف تكريمهم على جهودهم في برمجة تلك اللعبة، وتقديم أيّ دعم آخر لهم في حال أرادوا إنجاز أيّ عمل آخر يتعلّق بحفظ التراث الفلسطينيّ.

وأقرّ عسقول بأنّ الموازنات التشغيليّة الضعيفة التي تتلقّاها وزارته تحول دون تقديم الدعم الكافي والمطلوب لهكذا مشاريع، منوّهاً بأنّ الحصار الإسرائيليّ والأوضاع الاقتصاديّة والبطالة المرتفعة في غزّة دفعت باللجنة الإداريّة الحكوميّة إلى توجيه أغلب الدعم الماليّ إلى الوزارات الأساسيّة كالتعليم والصحّة والاقتصاد.

أمّا الأديب والناقد الفلسطينيّ يسري الغول فاعتبر أنّ نجاح أولئك المبرمجين في تصميم لعبة "البرونجيّة" وبرمجتها كي تلعب من خلال الأجهزة الحديثة يعدّ وجهاً من أوجه حفظ التراث الفلسطينيّ، مناشداً الرئاسة والحكومة الفلسطينيّيتين والمؤسّسات الثقافيّة الفلسطينيّة في دعم مثل تلك الإبداعات والطاقات بهدف تشجيع آخرين على المساهمة في حفظ التراث الفلسطينيّ.

ولفت الغول في حديث إلى "المونيتور" إلى أنّ الكثير من الألعاب الفلسطينيّة القديمة اندثرت وما تبقّى منها على وشك الاندثار، في ظلّ حالة التطوّر التكنولوجيّ الكبيرة، ممّا يحتّم على كلّ فلسطينيّ مواكبة ذلك التطوّر، وجلب التراث الفلسطينيّ القديم وتقديمه إلى العالم في شكل عصريّ وحضاريّ.

كاتب وصحفي فلسطيني يعمل في مهنة الصحافة منذ 9 سنوات، عمل في العديد من الوسائل الإعلامية الفلسطينية والأجنبية. حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، شارك في إعداد كتاب عن "حصار غزة" لصالح وكالة الأناضول التركية ونشر بعدة لغات.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X