Russia / Mideast

التحديات تلاحق جهود السلام السورية

p
بقلم
بإختصار
على الرغم من أنّ محادثات السلام تبدو سائرة على قدم وساق، لا تزال المناورات الميدانية وبين الأطراف المتورطة في الحرب في سوريا كثيرة.

لطالما أثارت اللقاءات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب إردوغان تساؤلات كثيرة لدى المتابعين في الشرق الأوسط حول آثار نقاشاتهما على المنطقة. لم يكُن اللقاء الأخير بين الرئيسين "الصديقين"، كما أشار أحدهما إلى الآخر خلال المؤتمر الصحفي في 28 أيلول/سبتمبر في أنقرة، مختلفاً.

ظاهرياً، لم يكُن اللقاء العملي مميّزاً ولم يتمّ الإعلان عن أي اتفاقات ملموسة. كرّر الطرفان التزامهما بمناطق تخفيف التصعيد التي "تساهم في خلق ظروف لإنهاء الحرب الأهلية الفتاكة في سوريا". كما ناقشا استفتاء الاستقلال لمنطقة كردستان العراق والتعاون الروسي – التركي في مجاليّ الطاقة والتجارة. إنّ الطابع السري للمفاوضات بالإضافة إلى اللقاء بين القوى الأمنية والعسكرية الروسية والتركية والخطاب الأخير لإردوغان الذي قال فيه إنّ تركيا ستنشر قواتها في إدلب جميعها عوامل تشير إلى أنّ زيارة بوتين إلى أنقرة كانت تعجّ بـ"جدول الأعمال السوري".

قبل الزيارة، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم إنّ تركيا تعمل مع روسيا وإيران لإنشاء منطقة تخفيف تصعيد جديدة في عفرين، منطقة سورية يعيش فيها سكّان من أصول كردية. في اليوم نفسه، انتقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الغارات الجوية في إدلب لأنها قتلت المدنيين ومقاتلي المعارضة المعتدلة على حدّ سواء ولأنها قد تؤثر على مصداقية مفاوضات السلام في الأستانة في كازاخستان.

كما سبق أن أفاد موقع المونيتور، وضعت الدول الضامنة لاتفاقات الأستانة وهي روسيا وتركيا وإيران في 14 و15 أيلول/سبتمبر المعايير الرئيسية لمناطق تخفيف التصعيد الأربع في سوريا ونشرت موسكو الشرطة العسكرية الروسية على حدود حماة وإدلب. 

لكن، منذ أن هاجم ائتلاف هيئة تحرير الشام الذي يضمّ الفصائل الإسلامية القوات الروسية في 19 أيلول/سبتمبر في إدلب، تراجع الوضع في شمال غرب سوريا. اتهم رؤساء الأركان الروسيون أجهزة الاستخبارات الأمريكية بإطلاق معركة واسعة النطاق على يَد قوات جبهة النصرة التابعة لهيئة تحرير الشام في غرب سوريا.

تزعم موسكو أنّ الأمريكيين مرّروا معلومات حساسة عن موقع الشرطة العسكرية الروسية في الجهة الجنوبية من الفرات في دير الزور، في سعيهم إلى عرقلة تقدم الجيش السوري نحو الشرق. بالتالي، شنّت روسيا سلسلة من الضربات على منطقة إدلب التي تضمّ أجزاء من محافظات حلب وحماة واللاذقية.

أفادت روسيا أنها شنّت هجمات فقط لردع قوات هيئة تحرير الشام التي تستمرّ في الهجوم على الشرطة العسكرية الروسية. في 28 أيلول/سبتمبر، ذهب المتحدث بإسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف أبعد من ذلك وقال: "خلال الأسبوع، ركّزت الضربات الجوية التي شنتها الطائرات الروسية في محافظة إدلب على المعدّات والجنود الاحتياطيين والمحاربين في جبهة النصرة الذين حاولوا القيام بهجمات مفاجئة لتحرير الإرهابيين من ناحية عقيربات في شرق حماة".

بما أنّ ناحية عقيربات معروفة بوجود عناصر الدولة الإسلامية فيها بدلاً من جبهة النصرة، أوحى البيان بأنّ جبهة النصرة تحاول إنقاذ الدولة الإسلامية.

تبدو فكرة هرع هيئة تحرير الشام لإنقاذ خصمها اللدود أي الدولة الإسلامية غريبة. فبمجرّد الاطلاع على خارطة الأوضاع في سوريا، يدرك المرء أنّ حديث كوناشينكوف شعبوي البحتة. إنّ ناحية عقيربات بعيدة عن مواقع هيئة تحرير الشام وينشط المقاتلون على بُعد مئات الأميال في شمال حماة في حين تمّ إخلاء بعض عناصر الدولة الإسلامية وعائلاتهم من ناحية عقيربات إلى محافظة إدلب التي يسيطر عليها المتمرّدون ضمن اتفاق مع النظام السوري. بالتالي لا يمكن أن تكون مواقع انتشار الشرطة سرية بطبيعة الحال. كذلك تُعتبر أي قوى أجنبية في متناول المجموعات المتطرّفة لقمة سائغة. تثبت الأخبار عن تنسيق روسيا وتركيا جهودهما لإضعاف قدرات هيئة تحرير الشام في إدلب هذه الأقوال.

في الأشهر الأخيرة الماضية، ضاعفت هيئة تحرير الشام هجماتها ضدّ قوى المعارضة الأخرى التي شاركت في مفاوضات الأستانة. لطالما سعت هيئة تحرير الشام إلى ترسيخ وجودها الميداني واستبدال الهيئات الإدارية المحلية بأشخاص موالين لها. ولكنّ أفعال هيئة تحرير الشام الأحادية ضدّ فيلق الشام وأحرار الشام ومجموعات أخرى واحتمال إنشاء تركيا لمنطقة عازلة في إدلب أثارت النعرات الداخلية في الهيئة، فباتت على شفير الانهيار، وسط انشقاق المزيد من الفصائل مثل حركة نور الدين الزنكي وجيش الأحرار والشيخ عبد الله المحيسني.

في ظلّ هذه الظروف، كانت الطريقة الوحيدة الناجعة لتخلّص الهيئة نفسها هي شنّ معركة واسعة على القوى الداعمة للدولة لدفعها إلى الانتقام واجتذاب قوى معارضة أخرى. وهذا ما حصل بالفعل إذ أطلقت هيئة تحرير الشام معركة لإحباط التقدم الذي تمّ تحقيقه في الأستانة.

ومن المستبعد أن تكون هذه الخطّة قد فاتت أجهزة الاستخبارات الروسية وكان نشر الشرطة العسكرية الروسية في حماة وإدلب قراراً دقيقاً ولكن متسرعاً. انتقلت موسكو لنشر "قوة المراقبة" في منطقة خطرة، ولعلّها وضعت ثقة كبيرة في قوات النظام السوري. أطلق نظام الرئيس بشار الأسد هجومه الخاص على جبهتي عين ترما وجوبر داخل منطقة تخفيف الصعيد في الغوطة الشرقية. فانقلب الوضع وبات خطراً وأصبح نقاش جدي في الدوائر العالية الشأن أمراً ضرورياً. بعد لقاء بوتين وإردوغان، تابعت القوات الجوية الروسية ضرباتها على إدلب في حين أرسلت الأفواج التركية تعزيزات إلى محافظة هاتاي على حدود إدلب. لكن كي تنقذ موسكو وأنقرة اتفاقيّ وقف إطلاق النار والأستانة، حان الوقت كي تواجها الواقع عبر تشكيل منطقة عازلة في إدلب ودعم المعارضة واستهداف هيئة تحرير الشام.

في محاولتها لمساعدة دمشق وطهران لبسط نفوذهما على المزيد من الأراضي في شرق سوريا والحدّ من تقدّم قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، وجدت روسيا نفسها في وضع حرج. من جهة، يتطلّب إضعاف طلبات هيئة تحرير الشام تركيز القوى والتعاون مع الحلفاء في إدلب. وعلى الأرجح، ستنقل تركيا بعض قوى المعارضة التي تدعمها من شمال حلب إلى الحدود مع إدلب. لتفادي المناكفات بين القوى الداعمة للأتراك والقوى الكردية، ثمة حاجة لمنطقة تخفيف تصعيد أخرى في عفرين الكردية. ومن جهة أخرى، يجب على موسكو أن تستمرّ في صراعها ضدّ الدولة الإسلامية التي عرضت عضلاتها في المقاومة وإطلاق الهجمات المضادة.

تتطلب التطورات الراهنة تحديد الأولويات بوضوح والاستجابة الحاسمة للتحديات المستجدّة؛ فإن إجراءات التنظيم الناجحة في السخنة وتقدمه نحو تدمر، علماً أنّ المنطقتين تقعان في محافظة حمص، أظهرت مدى ضعف النظام في تلك المناطق. كما أن نشاط قوات المعارضة في جنوب سوريا يهدّد اتفاقات الأستانة. جماعة شباب السنة التابعة للجبهة الجنوبية للجيش السوري الحر تعمل في محافظة درعا وأفادت أنها ستشنّ عمليات ضد النظام في حال واصلت دمشق وموسكو هجماتهما على المعارضة في شمال غرب البلاد.

تتصرّف روسيا الآن من موقع قوة. ولكنّ نهج الترغيب والترهيب الذي تتّبعه يقوّض ثقة اللاعبين الإقليميين التي دأبت جاهدة لاكتسابها. قال ألكسندر لافرنتييف، المبعوث الخاص لبوتين في سوريا، إنّ موسكو لا توافق على محاولات المعارضة لتأسيس الجيش الوطني السوري وقد أعربت المعارضة عن قلقها من ألّا يكون هدف مناطق تخفيف التصعيد الفعلي إرساء الاستقرار في سوريا وإنّما إضعاف و"ترويض" المعارضة بذريعة تقديم المساعدات الإنسانية لاستعادة سيطرة الأسد على كامل الأراضي السورية.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X