Russia / Mideast

عمل روسيّ متوازن في شمال أفريقيا

p
بقلم
بإختصار
تعامل روسيا كلّ من المغرب والجزائر بطريقة متوازنة، على الرغم من أن علاقتها بالمغرب تختلف عن علاقتها بالجزائر.

وصل رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف إلى شمال أفريقيا في الأسبوع الماضي، وذلك في زيارتين رسميتين إلى كلّ من الجزائر والمغرب، استمرت كلّ منها يومين. التقى ميدفيديف بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، وهو امتياز دفع بالمجلة الأسبوعية "جون أفريك" إلى إبداء ملاحظة لاذعة، في اشارة إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لا يزالان على قائمة الانتظار للقاء بوتفليقة.

أما في المغرب، فقد منحت جامعة محمد الخامس ميدفيديف دكتوراه فخرية. وتعليقًا على آفاق العلاقات الثنائية الروسية-المغربية، أشار ميدفيديف إلى فيلم "كازابلانكا"، قائلًا "أظنّ أنها بداية صداقة جميلة".
وتابع قائلًا، "تعود الصداقة بين روسيا والمغرب إلى زمن بعيد، وهناك أسباب وجيهة تدفعنا إلى الاعتبار أنها ستنمو وتتطور لتصبّ في مصلحة شعبي البلدين".

هل تُعبّر جولة ميدفيديف عن الاستراتيجية الروسية الجديدة؟ بالكاد وصلت مقاربتها إلى "أقصى الطرف الغربي" للعالم العربي، حتّى وقت قريب. وهل يندرج ذلك في إطار الدلائل التي تشير إلى بعض التغييرات داخل الجهاز السياسي الروسي، بالنظر إلى انشغال ميدفيديف بالشؤون الداخلية إلى حد كبير، في حين كانت السياسة الخارجية، وعلى الأخص الشرق أوسطيّة، من اختصاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟

 إن الحال مغايرة عن السيناريوهين السابقين.

لم تأتي زيارة ميدفيديف من العدم. قال دبلوماسي روسي مطّلع على تفاصيل الزيارة لـ "المونيتور" إنه قد وُضعت كلّ من الجزائر والمغرب على جدول السفر الخاص برئيس الوزراء منذ ستة أشهر على الأقل، كما شاركت وزارات عدّة في الاستعدادات المكثّفة لها منذ ذلك الحين.

كانت الجزائر من ضمن انشغالاته منذ وقت طويل. وقّعت روسيا والجزائر اتفاقية حول الشراكة الاستراتيجية في العام 2001. فطغى الاقتصاد — كما التعاون العسكري التقني إلى حد كبير — على جدول الأعمال الثنائي في السنوات الـ 16 التي تلت. فوفقًا لميدفيديف، بلغ حجم التجارة السنوية بين البلدين 4 مليار دولار بحلول العام 2016، واستحوذت الأسلحة الروسية على نصيب الأسد منه. إذ تستورد الجزائر أكثر من 90٪ من أسلحتها من روسيا. أما الصادرات الجزائر السنوية إلى روسيا فتبلغ عدة مئات من ملايين الدولارات فقط.

وفي تطوّر دبلوماسي مثير للاهتمام، شكّلت هذه الجولة نوعًا من أنواع لمّ الشمل بين مدفيديف وصديق قديم له. فعندما كان ميدفيديف يشغل منصب رئيس روسيا في العام 2010، التقى برئيس الوزراء في ولايته الثالثة أحمد أويحي في الجزائر. عاد أويحي بشكل مفاجىء إلى هذا المنصب قبل شهرين، مما يسمح له باستئناف العمل مع ميدفيديف.

تندرج الوثائق المتعلقة بتطوير النفط والغاز والطاقة النووية في أبرز الوثائق الاثنتي عشرة التي وقّع عليها ميدفيديف في زيارته الأخيرة. ذكرت بعض المصادر احتمال مناقشة الطرفين إمكانية شراء الجزائر أنظمة صواريخ روسية من طراز "إس-400" وطائرات مقاتلات قاذفات "سو-32" و"سو-34"، إضافة إلى إمكانية أن تصنّع شركات روسية شاحنات وجرافات في الجزائر.

تمامًا كما في الكثير من جولات كبار المسؤولين الروس في المنطقة، تم جمع زيارة ميدفيديف إلى الجزائر والمغرب معًا في جولة واحدة. فلهذه الاستراتيجية أسباب لوجستية، إلى جانب سعيها إلى عدم الإساءة إلى أي من الجارتين.

لقد طغت الشؤون الاقتصادية على جدول أعمال ميدفيديف في المغرب، تمامًا كما الجزائر. فبلغ حجم التجارة بين روسيا والمغرب 2.5 مليار دولار، وهو رقم أصغر بكثير من حجم التجارة بين روسيا والجزائر، إلا أنه ذات تركيبة مختلفة وهو في ارتفاع مستمر. ففي حين شكّل التعاون العسكري التقني العنصر الطاغي على التجارة بين روسيا والجزائر، تتمحور التجارة الروسية مع المغرب حول الزراعة، كما تلعب شركات صغيرة ومتوسطة الحجم عدّة دورًا مهمًّا، مما يقوّي العلاقات الثنائية. كما تبدو العلاقات التجارية الروسية-المغربية أكثر توازنًا من العلاقات التجارية الروسية-الجزائرية.

أبرم ميدفيديف اثنتي عشرة اتفاقية في المغرب، أبرزها في مجال الزراعة. إلاّ أن بعض الأطراف أفادت أيضًا أنه تمّ التوصل إلى اتفاقات رئيسية تسمح لروسيا بتزويد المغرب بالغاز الطبيعي المسال. كما زار وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك المغرب في الشهر الماضي، حيث قال إنه كان العمل جارٍ لبناء محطة تحويل الغاز الطبيعي المسال، وإن الدولتين ناقشتا تسليم الغاز من قبل شركتين روسيّتين هما "غازبروم" و"نوفاتيك" الروسيتين.

يشير ما يمكن تسميته بـ "التوازي المتحذلق" الذي تعتمده موسكو في بناء علاقاتها بالجزائر والمغرب على الأرجح إلى عدم رغبة روسيا في الغوص في الألعاب الإقليمية المعقّدة في المغرب العربي، وتطلعها إلى حصر علاقاتها بالأجندة الاقتصادية بشكل عام.

أما المؤشر الآخر الذي يدلّ على العمل الروسي المتوازن في المنطقة، فيكمن في الموقف المحايد لموسكو في قضية الصحراء الغربية. تزور وفود من جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر — وهي حركة من الصحراويين في الصحراء الغربية تسعى إلى التحرّر من المغرب — موسكو في كلّ ربيع، كما تستضيفها وزارة الخارجية الروسية ومجلس الفدرالية. ولطالما حرص المسؤولون الروس على عدم الإدلاء بأي تصريح معادٍ للمغرب. تستضيف الجزائر اللاجئين من الصحراء الغربية في المخيمات منذ عقود.

ولكن لا ينبغي إساءة فهم "التوازي". إذ يُنظر إلى روسيا في الجزائر والمغرب بطريقة مختلفة، كما تحتل [روسيا] مكانة مختلفة في قائمة أولويات السياسة الخارجية لكل من البلدين.

لطالما شكّلت موسكو شريكًا مهمًا بالنسبة للجزائر. إذ دعم الاتحاد السوفيتي بقوّة حركة التحرير الوطني في البلد وجبهة التحرير الوطني، وهو حزب سياسي اشتراكي، بين العامين 1954-1962. كما تلقّى قادة المستقبل في الجيش الجزائري وجزء كبير من المثقفين الوطنيين التعليم في الجامعات السوفيتية. وعندما أدرج الاتحاد السوفياتي السِبرانية في مناهجه الأكاديمية، كان الجزائريون من بين أوّل المحاضرين الذين دعتهم القيادة السوفيتيّة.

واليوم، يحتضن متحف الفن الحديث في الجزائر مجموعة فنيّة لفنّانين سوفيات وجزائريين عاشوا في روسيا. وقد نجت "العلاقة الخاصة" بين البلدين في تخطّي الانتكاسات التي شهدتها ثمانينات القرن الماضي — في ظل أزمة الاشتراكية — والصعوبات الاقتصادية التي شهدتها تسعينيات القرن الماضي. إضافة إلى ذلك، لا تسمح طبيعة الدولة الجزائرية لقيادتها بأي تقارب مفرط مع أوروبا، وتشدّد على استقلالها عن الدولة الأم السابقة، فرنسا.

تختلف الحال تمامًا مع المغرب. إذ يشكّل ارتباطها التقليدي بالاتحاد الأوروبي وتعاونها معه، فضلًا عن الإلفة السياسية بين المغرب والسعودية، قيودًا طبيعية لتماهٍ أكثر حميمية مع روسيا.

تشير هذه الخلفية إلى أنه مهما برعت روسيا في دبلوماسيتها المتوازية، تحتاج موسكو إلى اتصالات أكثر تنوّعًا مع البلدين، في حال أرادت تعزّز تدخّلها السياسي في المنطقة. ففي ما يتعلّق بالجزائر، سيكون على روسيا على الأرجح أن تعمل بجهد على تطوير الروابط الإنسانية وتعزيز التفاعل العسكري والسياسي القائم. أما في ما يتعلّق بالمغرب، فسينبغي على روسيا أن تزيد من تركيزها على تعزيز العلاقات الاقتصادية بهدف التعويض عن غياب صيغ سياسية مشتركة وحيويّة.

ومع ذلك، سيحدد المستقبل هذه المسألة. فقد بيّنت زيارات ميدفيديف حتى الآن أنه ما من استراتيجية روسية جديدة في شمال أفريقيا، وانّما تسعى موسكو بطبيعة الحال إلى الاستفادة من نجاحها في سوريا وتثبيت موقعها كطرف رئيسي قادر على توفير للأمن في المنطقة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept