بوتين محاصر بين إيران وتركيا في قضيّة الاستفتاء الكردي العراقي

p
بقلم
بإختصار
قد يجد الرّئيس الرّوسي نفسه على خلاف مع إيران إذا أخطأ بإظهار ضعفه.

كان الرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين يعتمد على رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني. على مدى العام المنصرم، استثمرت روسيا أكثر من أربعة ملايين دولار في قطاع الطّاقة بإقليم كردستان، متغلّبة على الولايات المتّحدة كأكبر مستثمر. وبارتباط بوتين بمثل هذا الالتزام بشمال العراق، كان يعوّل على الأرجح على ربح مفاجئ في قطاع الطّاقة في نهاية المطاف، وعلى بطاقة أخرى ليلعبها كوسيط إقليمي على حساب الولايات المتّحدة. ويمكنه الاعتماد على العلاقات الجيّدة، أو على الأقلّ الفعالة، مع دمشق، وطهران، وأنقرة، وبغداد إلى حدّ ما، وأربيل بفضل مشروع النفط والغاز الضّخم.

لكن ما لم يراهن عليه الرّئيس الرّوسي كان قيام بارزاني بالمضيّ قدمًا بالاستفتاء على الاستقلال يوم 25 أيلول/سبتمبر وسط معارضة دوليّة وإقليميّة واسعة. ما كان بإمكان الكرملين طبعًا دعم الانفصاليّة العرقيّة، وكان يأمل على الأرجح باتّفاق مع بغداد يوقف التّصويت في اللّحظة الأخيرة. لكن مع انهيار فرص التّأجيل، رأى بارزاني على الأرجح في استثمار روسيا غطاء ضدّ المعارضة الدّوليّة شبه الموحّدة لاستفتائه على الاستقلال.

بطبيعة الحال، واصل بوتين تظاهره بالسّيطرة على الوضع، لكن لا يمكن إنكار الطّابع غير العادي لزيارته إلى أنقرة يوم 28 أيلول/سبتمبر لإجراء مشاورات مع الرّئيس التّركي رجب طيب أردوغان، بعد ثلاثة أيّام فقط على إجراء الاستفتاء.

كان موقف أردوغان متوقَّعًا وعاصفًا، بما في ذلك قوله، "لا يحقّ لأحد رمي منطقتنا في النار"، بحسب ما أفادت به إكاتيرينا شولكوفسكايا. لكنّ بوتين سعى إلى تهدئة الانفعالات، وأشار إلى بيان وزارة الخارجيّة الرّوسيّة الذي ضمّ عبارة "موسكو تحترم الطّموحات القوميّة للأكراد" والأمل "بحوار بنّاء يتّسم بالاحترام، بهدف التوصّل إلى صيغة تعايش مقبولة من الجميع داخل دولة عراقيّة واحدة"، كما أفاد جاسبر مورتيمر.

يرجّح أن يكون بوتين قد ناشد أردوغان ليسحب تهديده بإغلاق خطّ أنابيب كركوك-جيهان. فشركة النّفط الرّوسيّة روسنفت المملوكة للدّولة، تتوقّع أن يكون خطّ الأنابيب مفتوحًا للأعمال، وتتوقّع موسكو الحصول على إيرادات من حكومة إقليم كردستان مقابل استثمارها. لكن بدون خطّ الأنابيب، والحدود المفتوحة والدّفعات التي تعطيها بغداد لإربيل، ستعلن حكومة إقليم كردستان إفلاسها، الأمر الذي سيشكّل كارثة على المشروع الرّوسي.

ربّما كان لبوتين بعض التّأثير على أردوغان الذي كان قد هدّد بعقوبات اقتصاديّة، وأجرى تدريبات مشتركة مع القوّات العراقيّة على الحدود وأكّد أنّه لن يتعامل بعد الآن إلا مع السّلطات العراقيّة في بغداد، مقصيًا حكومة إقليم كردستان. قبل يومين من وصول بوتين، هدّد أردوغان "بإغلاق صنابير النّفط، وعندها ستختفي جميع [عائداتهم] ولن يكونوا قادرين على إيجاد الطّعام عندما تتوقّف شاحناتنا عن الذّهاب إلى شمال العراق". لكن بعد زيارة بوتين، بدا أنّ الحكومة التّركيّة كسرت من حدّة تهديدها، فقالت إنّها ستتفادى استهداف المدنيّين في أيّ خطوات انتقاميّة ستتّخذها.

كتب مورتيمر أنّ بوتين ربّما يجد حليفًا في مجتمع الأعمال التركي الذي يسعى إلى الحدّ من التّكاليف الاقتصاديّة لأيّ انتقام من إقليم كردستان. صدّرت تركيا سلعًا بقيمة 4.5 مليارات دولار عبر معبر خابور الحدودي في الأشهر السّتّة الأولى من العام الحالي، بحسب ما أفاد به محمود بوزرسلان، ويقوم المقاولون الأتراك بأعمال تفوق قيمتها 5 مليارات دولار سنويًا في كردستان العراق التي تشكّل ثاني أكبر سوق للمقاولين الأتراك بعد تركمانستان.

لا يستطيع بوتين الاعتماد فعلاً على ضبط النّفس الذي قد يمارسه أردوغان ولا على جدّيّة الرّئيس التركي بالإذعان للعقلانيّة الاقتصاديّة في اتّخاذ قرارته. فمعارضة تركيا لاستقلال إقليم كردستان شديدة الوضوح ولا تترافق مع أيّ شرح. وفي الواقع، كانت العلاقات الجيّدة بين أنقرة وأربيل على مرّ العقد المنصرم هي الاستثناء وليست القاعدة؛ وقد أعاد الاستفتاء على الاستقلال كركوك إلى الواجهة، حيث نجد نسبة كبيرة من التركمان. وتقف أنقرة حاليًا في صفّ بغداد في السّعي إلى ضمان بقاء المنطقة الغنيّة بالنّفط تحت سيطرة الحكومة المركزيّة.

إلا أنّ تبنّي موقف متشدّد إزاء حكومة إقليم كردستان قد يعود على تركيا بنتيجة عكسيّة. كتب فهيم تشتكين أنّ حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا مجموعة إرهابيّة، قد يستفيد من إضعاف بارزاني. "بفضل حركة الحكم الذاتي الكردي في شمال سوريا ودفاع حزب العمال الكردستاني عن الأيزيديّين في سنجار في وجه تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش)، يتمتّع الحزب بفرصة كسب موطئ قدم أكبر في كردستان العراق. في الوقت الحالي، يحول توازن القوى والسّياسات التّقليديّة القائمة على روابط القرابة دون حصول حزب العمال الكردستاني على تأييد شعبي واسع، لكنّ الأمور قد تتغيّر إذا أدّت العقوبات إلى إضعاف إدارة بارزاني. يقوم حزب العمال الكردستاني بتنظيم نفسه بهدوء في كركوك مؤخّرًا، الأمر الذي لا بدّ أن تكون أنقرة قد لحظته. وبحسب مصادر المونيتور في كركوك، لا يتخطّى وجود حزب العمال الكردستاني هناك 500 شخص، لكنّ قد تتسّع شبكة المتعاطفين معه في حال حدوث اضطرابات. بالتالي، إنّ السّيناريو الذي يشغل بموجبه حزب العمال الكردستاني الفراغ في المنطقة، يجب أخذه في عين الاعتبار كثقل موازن في الحسابات".

وإذا لم يكن ذلك كافيًا، ستكون إيران وليس تركيا، هي المحكّم النّهائي لطموحات بوتين في العراق والمنطقة. فتمامًا كتركيا، ستسعى إيران إلى الحؤول دون تفشّي النّموذج الكردي العراقي ووصوله إلى شعبها الكردي الخاصّ. ربّما تكون طهران مستعدّة وراغبة في تكليف وحدات الحشد الشّعبي الخاصّة بها بدعم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إذا قرّر نشر القوّات في كركوك. وإنّ قيام العبادي بمثل هذه الخطوة سيلقى شعبيّة في أوساط العراقيّين العرب، وسيضع حدًا للتحدّي السّياسي من جانب رئيس الوزراء السّابق نوري المالكي. بالفعل، إذا أخذت الأحداث هذا المنحى، قد يتوقّع المرء حتّى إعلان حالة الطّوارئ وتأجيل الانتخابات العامة في العراق المزمع إجراؤها في شهر نيسان/أبريل 2018. ولا حاجة بنا إلى القول إنّ إيران لا مصلحة لها في دعم الجهود الرّوسيّة لتوسيع حصّة روسيا من سوق الغاز الدّولي من خلال صفقة روسنفت مع حكومة إقليم كردستان.

تجدر الإشارة إلى أنّ بوتين توصّل إلى اتّفاق هشّ مع إيران وتركيا بشأن وقف إطلاق النّار في سوريا، ولا يمكنه تحمّل خسارة إيران ولا تركيا، أو كليهما، والحفاظ على موقعه. ما من عضلات عسكريّة روسيّة لاستعراضها في العراق كما جرى في سوريا، بخاصّة مقارنة بأصول تركيا وإيران هناك. وكما كتبنا هنا في وقت سابق من الصّيف الحالي، كشف الاستفتاء حدود وليس نطاق نفوذ بارزاني وتأثيره في بغداد والمنطقة. إذا واجه إقليم كردستان صعوبات أو نزاعات نتيجة الاستفتاء، يمكن لوم بارزاني أو إضعافه في التّداعيات اللاحقة.

توجد أمور كثيرة على المحكّ بالنّسبة إلى بوتين لكنّ الخيارات لم تنفد أمامه للتّفكير في خطواته التّالية. إذا أخطأ في شمال سوريا بالاعتماد على بارزاني الذي يزداد ضعفًا، قد ينتهي به المطاف مكشوفًا وفي موقف دفاعي في كلّ من سوريا والعراق، وعلى خلاف مع إيران وتركيا، وهذا أسوأ ما قد يحصل؛ أو يمكنه التّحوّل ببراعة نحو التراصف بين إيران وتركيا الذي يكتسب زخمًا وقوّة، نائيًا بنفسه بتروٍّ عن الاعتماد على بارزاني، وفاتحًا محادثات مع بغداد لمواصلة السّعي وراء مصالح روسيا في مجال الطّاقة بشمال العراق. وكما لحظ هذا العمود في شهر آب/أغسطس، يعتمد تحكّم بوتين بالأحداث في سوريا بشكل متزايد على تركيا وبخاصّة إيران. وكتبنا أنّ "روسيا قد تتبنّى بالتّالي دورًا سلبيًا في الظّاهر وداعمًا في الواقع يسمح للأطراف الإقليميّة بأخذ المبادرة ضدّ الأكراد السّوريّين أو غيرهم". ويمكن القول إنّ الأمر عينه ينطبق على مقاربته إزاء الأكراد العراقيّين.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X