نبض العراق

فتيات عراقيّات يبعن الكتب ... المهنة ليست حكراً على الرجال

p
بقلم
بإختصار
لم تقتصر مهنة الكتبيّ في العراق على الذكور فحسب، بل عملت مجموعة من الفتيات في السنوات الأخيرة على مزاولة المهنة وافتتاح مشاريع في مدن عدّة كسرت حاجز احتكار الذكور لها.

مجموعة كتب على الرفوف، وبقربها طاولات فيها عناوين أخرى، وفناجين قهوة لمن يريد القراءة، وفتاة تبيع الكتب، هذه ليست القاهرة أو بيروت أو بغداد، إنّها محافظة ديالى التي لا يمكن الحديث عنها من دون ذكر تنظيم الدولة الإسلاميّة والاقتتال الطائفيّ والميليشيات.

فعندما تذكر محافظة ديالى، شرقيّ العراق، فإنّ الصراعات الطائفيّة والتغيير الديموغرافيّ والأزمات السياسيّة المتعاقبة هناك، ستتصدّر الحديث عنها، وتغيب الكتبيّة تيسير أمير وأقرانها عن المشهد.

تيسير أمير، هي مهندسة عمرها 31 عاماً، تمكّنت من تجاوز كلّ ما يحدث في محافظة ديالى، وأسّست مكتبة "مدينة الكتب" في محاولة منها لجمع القرّاء والمثقّفين في المحافظة بمكان "يليق بهم"، بحسب تعبيرها.

عدم وجود مكتبة في محافظة ديالى تمكّن زبائنها من القراءة والشراء والجلوس في مكان واحد بالوقت ذاته، من الأسباب التي دفعتها إلى تأسيس المكتبة. وفي هذا السياق، قالت أمير: "أردت أن أسهّل عليهم مشقّة وعناء الوصول إلى بغداد إذا ما أرادوا شراء الكتب".

لقد واجهت أمير مصاعب كثيرة عندما افتتحت مكتبتها، فمكان المكتبة يتوسّط مجموعة محال تجاريّة وأسواقاً كبيرة، تدار كلّها من قبل رجال، وتعرّضت إلى "تسقيط" من قبل البعض، لكنّها أكّدت تجاوزها ذلك.

ليست أمير هي الأولى التي أسّست وافتتحت مكتبة خاصّة بها، بل سبقتها بثلاث سنوات رقيّة عبد عليّ، وهي محامية من بغداد عندما كانت تبيع الكتب في شارع المتنبّي الشهير بالعاصمة العراقيّة. وكانت تجربة عبد عليّ فريدة من نوعها، فهي باعت الكتب على الرصيف، وليس داخل مكتبة، ويبدو أنّ هذا ما شجّع بقيّة الفتيات اللواتي جئن بعدها لمزاولة مهنة كهذه. وقالت عبد عليّ لـ"المونيتور": "تفاجأت عندما سلّط الضوء على بيعي الكتب في شارع المتنبّي، فلم أكن أتوقّع أنّني الفتاة الأولى التي تمتهن مهنة الكتبيّة".

ورغم أنّها الفتاة الأولى التي زاولت مهنة الكتبيّة، إلاّ أنّ عبد عليّ لا تعتبر نفسها مؤسّسة هذه الظاهرة، بقدر ما وضعت خطوة أولى لإقدام المرأة على العمل في هذه المهنة، بحسب قولها لـ"المونيتور".

تعتبر فتيات، ومنهنّ عبد عليّ، أنّ وجود المرأة في مهنة الكتبيّة، هو تحدّ لعادات وتقاليد في المجتمع ساهمت كثيرا في عزل المرأة عن ممارسة حياتها وهوايتها وعملها بالشكل الطبيعيّ.

لم تكن فتيات إقليم كردستان العراق بعيدات عن إيصال هذه الظاهرة إلى مدنهنّ، ففي محافظة السليمانيّة حقّقت رنكين جمال ابنة الـ24 عاماً، حلمها بافتتاح مقهى للقراءة وبيع الكتب. وفي أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، افتتحت فتيات مقهى The book cafe، الذي لا يختلف في مضمونه عمّا افتتح في السليمانيّة. فهو مقهى ومكتبة ومكان قراءة أيضاً.

ولم تقتصر هذه الظاهرة على العاصمة بغداد ومدن شمال العراق وشرقه، فحتّى في مناطق الفرات الأوسط كانت هناك مبادرة من إحدى فتيات محافظة بابل، التي سعت إلى أن تكون مكتبتها الأولى هناك.

وتحاول أطياف قيس، وهي صاحبة مكتبة "ورد"، أن تدفع بأكبر عدد من الناس إلى الإتّجاه نحو الكتاب، وتركّز تحديداً على المرأة التي تعتبرها "بذرة" أساسيّة في تحقيق مستقبل إيجابيّ للمجتمع. وقد تكون قيس هي أكثر الفتيات اللواتي واجهن صعوبات أو اعتراضات على مشروع افتتاح المكتبة، لكنّها تمكّنت من تجاوزها، وقالت لـ"المونيتور": "هناك من تقبّل فكرة بيعي للكتب، وهناك من لم يتقبّلها، لكنّني أسعى إلى كسب الجميع، والمعارضون لن يثنوني عن هدفي".

تهدف الفتاة البابليّة إلى ترك أثر في مجتمعها، فمقابل التضحيات التي يبذلها الجنود في الجبهات ضدّ تنظيم "داعش" الإرهابيّ، تريد أن تكرّس جهدها لمحاربة الجهل، بحسب قولها لـ"المونيتور". لكنّ محافظات جنوب العراق بقيت بلا مكتبات تدار من قبل فتيات، رغم أنّ المدن الجنوبيّة فيها أنشطة ومنتديات ومهرجانات ثقافيّة كثيرة، إلاّ أنّ فتياتها لم يفكّرن حتّى اللحظة بهذه الخطوة، باستثناء تمارة العطيّة.

تسعى العطيّة، وهي ناشطة نسويّة في محافظة البصرة، أقصى جنوب العراق، من خلال تحضيراتها الأوليّة، إلى افتتاح مكتبة بإدارتها في محافظتها للمساهمة في حركة النشر والطباعة والقراءة وتغيير الصورة النمطيّة عمّا تعرفه المرأة و ما تقرأه. وقالت العطيّة لـ"المونيتور": "إنّ المكتبة لن تكون فقط عملاً خاصّاً أجد شغفي به، بل ستكون جزءاً من حركة إصلاحيّة ثقافيّة".

تريد العطيّة ألاّ تكتفي ببيع الكتب فحسب، بل تحاول أن تكون قادرة على مساعدة الأجيال الجديدة في فهم الهدف من القراءة، على إعتبارها (الأجيال) تنتمي إلى بيئات الصراع الطائفيّ والعشائريّ والأزمات التي تفتك بالعراق، وقالت: "سيكون جمهور القرّاء المستهدف هو الجيل الصاعد، فهؤلاء ينتمون إلى أفكار لا تعود دائماً إلى النزعة العشائريّة (الدخيلة)، بل تتذبذب بين الأخيرة وأخرى حديثة متبنّاة وموروث ثقافيّ أصليّ".

ساعدت المكاتب التي تدار من قبل الفتيات، العشرات من النساء اللواتي يحرصن على التواصل معهنّ عبر مواقع التواصل الإجتماعيّ والحصول على خدمة التوصيل المنزليّ. ليس التواصل بين البائعات وزبائنهنّ من النساء هدفاً لوجستيّاً فحسب، بل يتعدّى ذلك حدّ النصيحة في شراء الكتب والعناوين التي لا تستطيع كلّ فتاة طلبها من أيّ مكتبة.

زهراء سعد، 25 عاماً، بدأت القراءة قبل عامين، وقالت لـ"المونيتور": "إنّ الفضل في ذلك يعود إلى المكتبات، التي تدار من قبل فتيات، فهنّ شجّعنني على القراءة وطلب العناوين التي تُعتبر لدى البعض غير صالحة للإناث".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept