نبض إيران

كيف تفوز إيران بلعبة الشطرنج في كركوك

p
بقلم
بإختصار
لعبة إيران في كركوك هي نموذج مصغّر للطّريقة التي يؤتي فيها استثمار إيران الحصيف الطّويل الأمد في العراق بثماره.

جمجمال، العراق – للوقت الحالي، دفع رئيس الوزراء حيدر العبادي الأكراد الانفصاليّين إلى الوراء مع توسيع سلطة الحكومة الاتّحاديّة مجدّدًا إلى المناطق التي يعتبرها الدّستور العراقي متنازعًا عليها. إذًا مني الأكراد بالهزيمة، لكنّ السّؤال الرّئيسي هو إلى متى سيدوم هذا التّوازن؟

خاب أمل الأكراد في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها بالأحزاب الكرديّة بما فيها قيادتي الاتّحاد الوطني الكردستاني والحزب الدّيمقراطي الكردستاني. فأيّ من القادة الأكراد لم يتقدّم من ناخبيه باعتذار عن الخطأ الحاصل، ناهيك عن عدم محاولتهم حتّى شرح حقيقة ما جرى يومي 15 و16 تشرين الأوّل/أكتوبر عندما انسحبت آلاف قوّات البيشمركة تاركة شعب كركوك يتخبّط بمفرده.

في غضون ذلك، اتّحد التركمان في كركوك وطوز خورماتو المجاورة في معارضتهم الاستفتاء الكردي على الاستقلال الذي جرى في 25 أيلول/سبتمبر وغير ذلك ممّا يرونه كتجاوزات كرديّة؛ لكن مع زوال تأثير انتصار بغداد على الأكراد، لا مفرّ من عودة العداوات القديمة ومنافسات الدول الإقليميّة في كركوك.

ينقسم التّركمان على أسس مذهبيّة. فوحدات الحشد الشّعبي ذات الغالبيّة الشّيعيّة التي تحمي التركمان الشّيعة في جنوب كركوك ومدينة طوز خورماتو – وهي أبرز نقطة ساخنة كرديّة تركمانيّة – ترتبط مباشرة بطهران. من جهة أخرى، يحتشد معظم التّركمان السّنّة في كركوك خلف الجبهة التركمانيّة العراقيّة التي تقوم روابط وثيقة بينها وبين أنقرة. قال علي مهدي، المتحدّث باسم الجبهة التركمانيّة العراقيّة، لموقع "نقاش" في شهر أيار/مايو، "لا ننكر أنّ التّركمان تدعمهم تركيا أكثر من جميع المجموعات في العراق. نحن جزء من الشّعب التركي. ولطالما دعيناهم [تركيا] للاضطلاع بدور في التطوّرات الجارية هنا".

في العام 2014، فشل التركمان في التّوافق على مرشّح تركماني لرئاسة مجلس محافظة كركوك، الأمر الذي كان من الممكن أن يحول دون إدخال المدينة المتنازع عليها في 29 آب/أغسطس في الاستفتاء الكردي على الاستقلال الذي جرى في 25 أيلول/سبتمبر الماضي. في موازاة ذلك، اشتدّ التوتّر العميق الجذور بين الأكراد والتركمان، بخاصّة في طوز خورماتو، مع انحسار خطر تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش)؛ علمًا أنّ عددًا من اشتباكات كانت قد اندلعت بين التركمان الشّيعة والأكراد في البلدة في السّنوات الأخيرة في إطار نزاعهم على السّلطة. وفي هذا السّياق، يقول السّكان الأكراد المحليّون وقيادة الاتّحاد الوطني الكردستاني على حدّ سواء إنّ إيران لها تأثير لا يضاهى على التركمان الشّيعة في المنطقة.

الحاج علي اقبال بور هو مسؤول رفيع في الحرس الثّوري الإيراني يقال إنّه أدّى دورًا أساسيًا في منطقة كركوك في العقد الماضي على الأقلّ، ويعرفه السّكّان المحليّون في طوز خورماتو باسم السيد إقبالي. وبالفعل، كانت مجموعة من الأكراد النّازحين من طوز خورماتو تنتظر في أحد المساجد في بلدة جمجمال في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر للحصول على الطّعام الذي تقدّمه المجموعات الخيريّة؛ ولدى السّؤال عمّا إذا كانت إيران قد أدّت أيّ دور في بلدتهم، أجاب شابان في أواخر العشرينات ورجل يبلغ من العمر 51 عامًا على سؤال المونيتور بالقول إنّ "السّيّد إقبالي هو مسؤول عن التركمان هناك".

كثير من كبار المسؤولين في المنطقة يعرفون الضّابط الإيراني القوي، لكن يبدو ألا أحد يجرؤ على الحديث عنه، ربما خوفًا من إغضاب طهران. ووسط كلّ ذلك، يبدو أنّ إقبال بور الغامض يختبئ في مكان مكشوف ويظهر في كلّ مكان على صفحات وحدات الحشد الشّعبي على فيسبوك لكن بدون ذكر اسمه.

في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر، بعد يومين على هزيمة البيشمركة في كركوك، نشرت صفحة رسميّة لإحدى الوحدات في الحشد الشّعبي على فيسبوك، صورة لعدد من كبار قادة الحشد الشّعبي في كركوك، وورد في البيان، "إلى أهالي كركوك الكرام، نبارك لكم هذه الانتصارت، ونؤكّد لكم بأنّ محافظة كركوك تحت سيطرة الحكومة الاتّحادية وحمايتها". وفي الصّورة إلى أقصى اليمين، يقف رجل رياضيّ طويل القامة أكتافه عريضة، رماديّ الشّعر واللّحية يرتدي زيًا أخضر اللّون. وهذا الرّجل نفسه يظهر في صورة أخرى نُشِرت يوم 14 تشرين الأوّل/أكتوبر في جنوب كركوك مع أبو مهدي المهندس، وهو أبرز قياديّي وحدات الحشد الشّعبي وحليف مقرّب من إيران، وإلى جانب قائد وحدات الحشد الشّعبي البارز في العراق أبو رضا النجار. وفي صورة أخرى أيضًا نُشِرت في 18 أيلول/سبتمبر، يظهر الرّجل نفسه على يمين المهندس، والنجار وكولونيل لم يُعرَف اسمه من الفرقة 16 بالجيش العراقي، داخل غرفة عمليّات حيث يقوم بالتّحضيرات لاستعادة معقل داعش المجاور في الحويجة.

وكشفت للمونيتور ثلاثة مصادر كرديّة، من بينها مسؤول كبير في الاتّحاد الوطني الكردستاني، أنّ الشّخص الذي لم يتمّ التعرّف عليه في هذه الصور ليس سوى إقبال بور، ممثّل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في المنطقة.

وبالتالي، فإنّ دعوة وزير الخارجيّة الأميركي ريكس تيلرسون يوم 22 تشرين الأوّل/أكتوبر للميليشيات المدعومة من إيران ومستشاريها الإيرانيّين، كإقبال بور، إلى "الذّهاب إلى منازلهم والسّماح للشّعب العراقي باستعادة السّيطرة" يكشف عن سوء فهم جوهري من جانب الحكومة الأميركيّة لطريقة عمل الحرس الثّوري الإيراني في المنطقة. فعلى عكس الولايات المتّحدة، غالبًا ما تبقى إيران في أيّ منطقة استراتيجيّة لفترة طويلة، سواء أكان في لبنان، أم سوريا أم العراق.

في ربيع العام 1988، عندما قام نظام الديكتاتور العراقي صدام حسين - الذي كان يدعمه الغرب آنذاك، بما في ذلك واشنطن – بسحق التمرّد الكردي، هربت قوّات البيشمركة وأسرهم إلى الجانب الإيراني من الحدود، بحسب ما أفاد به القائد البارز في البيشمركة آنذاك، نوشيروان مصطفى، الذي نشر عددًا من الكتب حول حرب البيشمركة مع الجيش العراقي. وهناك، جرى تعيين ضابط شابّ من الحرس الثوري الإيراني للعمل مع اللاجئين الوافدين حديثًا الذين انتشروا في المخيّمات في غرب إيران. كان هذا الضّابط هو إقبال بور، الذي بدأ ينسّق من حينها مع البيشمركة الكرديّة العراقيّة وأصبح يتكلّم اللّغة الكرديّة بطلاقة، ولو بلكنة حادّة، بحسب ما قاله للمونيتور مسؤول رفيع في الاتّحاد الوطني الكردستاني طلب عدم الكشف عن هويّته. وفي حين يعتبر الأكراد أنفسهم موالين للغرب، نجد قلّة ثقة كبيرة في الغرب في الوقت عينه، بما في ذلك الأميركيّين، وإنّ الهزيمة الأخيرة في كركوك لم تسهم إلا في تعزيز هذا المفهوم، بخاصّة أنّ إيران ظهرت على الجانب الفائز.

في 31 آب/أغسطس 1996، عندما دعا قائد الحزب الدّيمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني الجيش العراقي لمساعدته على استعادة أربيل من منافسه الاتّحاد الوطني الكردستاني، طمأن الأميركيّون قائد الاتّحاد الوطني الكردستاني آنذاك جلال طالباني إلى أنّهم لن يسمحوا لقوّات صدام بالدّخول مجدّدًا إلى البلدة. وعشيّة الهجوم، طلب طالباني من ابنه قباد، وهو النائب الحالي لرئيس وزراء حكومة إقليم كردستان، الاتّصال بكبير المسؤولين الأميركيّين المعني بفرض منطقة الحظر الجوّي، فقام المسؤول بطمأنة طالباني الشاب إلى أنّ صدام لا يمكنه إرسال جيشه إلى أربيل، بحسب ما ورد في مذكّرات جلال طالباني التي نُشِرت في وقت سابق من العام الحالي. لكن في اليوم التّالي، قام صدام بذلك، بمساعدة آل بارزاني، وهرب العدد القليل من الأميركيّين المتمركزين هناك.

بعدها بشهرين، وقعت على عاتق أشخاص كإقبال بور وسليماني مهمّة مساعدة الاتّحاد الوطني الكردستاني على استعادة أراضيه من آل بارزاني. وهذا النّوع من التّحرّكات، بالإضافة إلى استثمار الحرس الثّوري الإيراني الطّويل الأمد في مجموعات المعارضة العراقيّة، هي المصدر الحقيقي لنفوذ إيران في العراق. ينظر الأكراد والعراقيّون الشّيعة إلى إيران كشريك موثوق قادر على الوفاء بوعوده. قبل الاستفتاء على الاستقلال في 25 أيلول/سبتمبر، وعد إقبال بور وسليماني الأكراد بمساعدتهم للحصول على حقوقهم بموجب الدّستور العراقي إذا تراجعوا عن الاستفتاء الشّعبي. وتلقّوا تحذيرات بأنّ أبواب الجحيم ستفتح إذا لم يلتزموا بذلك. وبعد مرور شهر واحد تقريبًا، تعرّض الأكراد لأكثر هزائمهم إهانة منذ العام 1975 عندما انهار تمرّد والد بارزاني ضدّ بغداد بين ليلة وضحاها مع سحب كلّ من واشنطن، وطهران وتل أبيب دعمهم.

تُظهِر تعقيدات العمليّات الإيرانيّة في العراق – وحصافة عملائهم لجهة التّعامل مع المجتمعات المحلّيّة، حتّى تلك الصّغيرة نسبيًا كالتركمان – أنّ الإيرانيّين موجودون في العراق على المدى الطّويل وأنّ الحدّ من نفوذ طهران لن يكون سهلاً على الإطلاق بالنسبة إلى واشنطن.

لكن فيما تتصاعد قوّة إيران وحلفائها في المناطق ككركوك، مع سعي طهران وأصدقائها العراقيّين لخلق وقائع مماثلة على الأرض للأكراد، من الأرجح أن تشكّل المعارضة من جانب التركمان السّنة والعرب السّنّة فضلاً عن القوى الإقليميّة كتركيا وصفة أخرى لكارثة في العراق.

في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر، احتجّت مجموعة من الأكراد النّازحين من طوز خورماتو خارج المكتب الرّئيسي للاتّحاد الوطني الكردستاني في السليمانيّة. وقد تنقّل رجل في الأربعين من عمره بين الجماهير طالبًا عنوان القنصليّة الإيرانيّة في المدينة. وقال للمونيتور إسماعيل عباس، وهو خياط ترك أسرته في الجبال المطلّة على طوز خورماتو قبل يومين، "أريد التوجّه لرؤية القنصل العام الإيراني. طوال السنتين والنّصف الماضيتين، كنا نطالب بالمصالحة [مع التركمان]، لكنّ السّياسيّين [العراقيّين] لا يمكنهم القيام بذلك". وأضاف بقوله إنّ "إيران تتمتّع بالسّلطة لحلّ هذه القضيّة ... نحن لا نثق ببغداد".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : kirkuk, kurds, turkmens, erbil, irgc, independence referendum, iranian influence

فاضل هورامي محرر من kurdishblogger.com وصحافي مستقلة مقره حاليا في كردستان العراق.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept