المصارف الإيرانيّة تتصّل بالعالم مجدداً ببطء

تسعى إيران إلى ربط نظامها المصرفيّ بالعالم تدريجيّاً، لكنّها تواجه عوائق كبيرة على الرغم من توصّل الشركات إلى حلول مبتكرة.

al-monitor .

أكت 26, 2017

تدلّ سلسلة "اتّفاقات تمويل" وقّعتها حكومات ومصارف دوليّة متعدّدة مع إيران مؤخراً على أنّ طهران تتوصّل إلى حلول لتخطّي العوائق المرتبطة بتمويل مشاريعها الدوليّة. وإنّ السؤال الذي يُطرح في هذه المرحلة هو ما إذا كانت هذه الصفقات ستسهّل توسيع التجارة والاستثمار مع الشركات الدوليّة – وخصوصاً الأوروبيّة، كما هو مخطّط.

وبدأت سلسلة الاتّفاقات في آب/أغسطس مع منح إيران عدد من حدود الائتمان القصوى، بما في ذلك 8 مليارات يورو قدّمها بنك التصدير والاستيراد في كوريا الجنوبية (المعروف بـ Kexim)، تبعها حدّ أقصى بقيمة 10 مليارات دولار قدّمته الصين. واستمرّت هذه العمليّة عندما وقّع مصرفان أوروبيّان متوسّطا الحجم، هما مصرف "أوبر بنك" النمسويّ ومصرف "دانسك بنك" الدنماركيّ، اتّفاقات إطار مع كيانات إيرانيّة من أجل تمويل صادرات الشركات النمسويّة والدنماركيّة إلى إيران. ويجري التفاوض بشأن اتّفاقات مماثلة مع اليابان وإيطاليا. بالإضافة إلى ذلك، وقّع البنك المركزيّ الإيرانيّ والمؤسّسة الحكوميّة لضمان الصادرات الروسيّة "إكسيار" (EXIAR) مذكّرة تفاهم من أجل تمويل المشاريع المشتركة بين البلدين.

وتعني التطوّرات المذكورة أعلاه أنّ غالبيّة شركاء ايران التجاريّين الرئيسيّين يساهمون في تسهيل تمويل المشاريع – علماً أنّ هذا المجال هو من المجالات الرئيسيّة التي تواجه فيها طهران قيوداً منذ رفع العقوبات النوويّة في كانون الثاني/يناير 2016. وبالفعل، واجهت الشركات الدوليّة المصدّرة إلى إيران تحدّيات كبيرة في ما يتعلّق بالصفقات الماليّة، ويعود السبب في الدرجة الأولى إلى تردّد المصارف العالميّة من الفئة الأولى في دخول السوق الإيرانيّة. ويعزى هذا التردّد جزئيّاً إلى الإطار القانونيّ المتغيّر للأعمال المصرفيّة الدوليّة، وإلى المخاوف بشأن العقوبات الأميركيّة الحاليّة أو المستقبليّة ضدّ إيران. ويعود جزء من المشكلة إلى أنّ عدداً من المصارف الأوروبيّة الرئيسيّة التي غرّمتها السلطات الأميركيّة بسبب صفقات سابقة مع إيران تعهّد أيضاً بعدم القيام بأيّ أعمال مع إيران لفترة معيّنة.

وفي سياق معالجة نقاط الضعف في القطاع المصرفيّ في البلاد، أدخلت إدارة الرئيس حسن روحاني عدداً من الإصلاحات من أجل تمهيد الطريق للمصارف الإيرانيّة للاتّصال مجدداً وبشكل فعّال بالنظام الماليّ الدوليّ. وبالتالي، تعيّن على المصارف الإيرانيّة التقيّد بمعايير اتفاقيّة بازل المصرفيّة وتوخّي الشفافية والامتثال للمعايير الدوليّة، خصوصاً في ما يتعلّق بالأنظمة المخصّصة لمكافحة غسل الأموال والإرهاب. وقد تمّ إدخال الإصلاحات التنظيميّة، لكنّ بعض المؤسّسات الماليّة في إيران لا تزال متأخّرة في تطبيق الممارسات المطلوبة.

والخبر السارّ هو أنّ توقيع الصفقات المذكورة أعلاه يعني أنّ عدداً متزايداً من المصارف الإيرانيّة – الحكوميّة والخاصّة – بلغ درجة مقبولة من الامتثال للقوانين المذكورة. وبالتالي، يرتفع عدد المصارف الدوليّة التي تدخل تدريجياً في صفقات ماليّة مباشرة مع إيران، ما سيتيح للمصارف الإيرانيّة الاندماج بشكل أكبر في النظام الماليّ العالميّ. لكنّ غياب المصارف الدوليّة من الفئة الأولى سيشكّل عائقاً أمام تمويل المشاريع الضخمة. ففي الواقع، إنّ اتّفاقات التمويل مع المصارف الدوليّة متوسّطة الحجم ستقدّم حلولاً للمشاريع الصغيرة والمتوسّطة ليس إلا. وفي الوقت نفسه، يقدّم أغلبيّة شركاء إيران التجاريّين الرئيسيّين تغطية ائتمانيّة للصادرات إلى إيران، ما يسمح للمصارف المذكورة بإدارة خطر المشاركة في مشاريع مماثلة.

مع ذلك، سيستمرّ تمويل المشاريع الأكبر حجماً – كمشاريع النفط والغاز الرئيسيّة – في مواجهة تحدّيات في غياب مصارف عالميّة من الفئة الأولى. ولهذا السبب، قرّرت شركة النفط الفرنسيّة Total SA استعمال احتياطاتها النقدّية باليورو لتمويل مشروعها الضخم في إيران – وهي خطوة غير اعتياديّة بالنسبة إلى شركة دوليّة تموّل مشاريعها عادة عبر مؤسّسات ماليّة كبيرة. ويشكّل غياب مصارف دوليّة من الفئة الأولى عائقاً آخر يتعلّق بخدمات المقاصّة. بتعبير آخر، حتّى لو أجرت المصارف من الفئتين الثانية والثالثة صفقات مرتبطة بإيران، قد تواجه عوائق في غرف المقاصّة الدوليّة التي تسيطر عليها المصارف من الفئة الأولى. ومع أنّ بعض غرف المقاصّة تقدّم خدماتها – مثل مصرف "رايفيسين" النمسويّ الذي يقدّم خدمات مقاصّة باليورو – إلا أنّ كلّ تغيير في المقاربات التقليديّة يولّد تكاليف وعوائق إضافيّة.

وفي موازاة التطوّرات المذكورة، تحاول طهران أيضاً الابتعاد عن الدولار الأميركيّ، وهو من المكوّنات التي تجعل الصفقات الماليّة عرضة للعقوبات الأميركيّة. فبالإضافة إلى التفاوض بشأن عقود بيع النفط والغاز وتوقيعها باليورو أو بعملات رئيسيّة أخرى، تحاول الحكومة أيضاً توجيه الأنماط التجاريّة نحو عملات أخرى. وفي الواقع، من خلال القيود على التغيير المزعوم في الصفقات المثمّنة بالدولار الأميركيّ، يمكن أن تطال القيود الماليّة الأميركيّة الصفقات المرتبطة بإيران، وإن كانت تجري بين مصارف غير أميركيّة. ولهذا السبب، قرّرت إيران وتركيا تمهيد الطريق لإجراء الصفقات التجاريّة الثنائيّة بعملتيهما بهدف الابتعاد عن الدولار الأميركيّ كالعملة الأساسيّة. ومن المتوقّع إبرام اتّفاقات مماثلة بشأن صفقات إيران التجاريّة المتزايدة مع البلدان الأخرى.

في الوقت نفسه، سيساهم تطوّر مهمّ آخر في تسهيل عمليّة اندماج المصارف الإيرانيّة في الشبكة الماليّة العالميّة. ففي وقت سابق من هذا الشهر، وقّعت شركة Informatics Services Corporation الإيرانيّة – وهي فرع من البنك المركزيّ الإيرانيّ يعنى بحلول الدفع - صفقة مع شركة Banking Production Center الروسيّة – وهي مزوّد لحلول الدفع الإلكترونيّ - من أجل تطوير منصّة وطنيّة لربط الأنظمة الدوليّة للدفع عن طريق البطاقات بنظام "شيتاب" الإيرانيّ، الذي هو منصّة الدفع عن طريق البطاقات في إيران. وقال المسؤولون الإيرانيّون إنّ ربط نظام الدفع الإيرانيّ ببرامج البطاقات الدوليّة ينبغي أن يتمّ قبل أن يصبح البلد جاهزاً للاتّصال بمنصّات بطاقات الائتمان الدوليّة، في حال سمحت العقوبات بذلك. وسيسمح هذا الاتّصال الجديد للسيّاح الأجانب في إيران والسيّاح الإيرانيّين في الخارج بالقيام بمدفوعات قائمة على البطاقات.

وتتّخذ إيران خطوات مهمّة باتّجاه اندماجها في النظام الماليّ العالميّ. لكن من الواضح أنّ اندماجها الكامل سيعتمد على درجة التطبيع في العلاقة بين طهران وواشنطن. وفي ضوء موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب المناهض لإيران مؤخراً، من السذاجة توقّع تحسّن في العلاقات الثنائيّة. وبالتالي، في الوقت الحاليّ، ستبقى المصارف من الفئة الأولى بعيدة عن السوق الإيرانيّة، وسيتعيّن على جميع اللاعبين الرئيسيّين الاعتماد على الحلول التي تقدّمها المؤسّسات الماليّة الدوليّة الأخرى، ما عدا وكالات ائتمانات التصدير، والمصارف متوسّطة الحجم ومنصّات الدفع والمقاصّة المختلفة. وهذا يعني أنّه سيكون هناك قنوات أكثر للصفقات الماليّة، لكنّ تمويل المشاريع الضخمة سيبقى صعباً بسبب التحدّيات وسيتعيّن عليه الاعتماد على حلول مبتكرة. وبالتالي، سيعتمد تعزيز الأعمال واسعة النطاق مع الشركاء الأوروبيّين على استعداد هؤلاء الشركاء لدراسة حلول مبتكرة وقبول التكاليف والمخاطر الإضافيّة. وسيكون من الحكمة أن تسعى الحكومة الإيرانيّة إلى تخفيض المخاطر الأخرى المرتبطة بالقيام بأعمال في إيران، كالمخاطر القانونيّة والتشغيليّة، من أجل تحفيز الشركات الدوليّة على دخول السوق الإيرانيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض إيران

al-monitor
هل سينهار اقتصاد إيران؟
بیژن خواجه پور | اقتصاد و تجارة | يون 25, 2018
al-monitor
لماذا لم يحن وقت خروج إيران من سوريا بعد؟
Makram Najmuddine | | يون 15, 2018
al-monitor
تعرّفوا إلى زعيم المتشدّدين الجديد المحتمل في إيران
روح الله فقیهی | الإسلام والسياسة | يون 1, 2018
al-monitor
تنظيم الدولة الإسلامية في إيران
فاضل هورامي | الدولة الإسلامية | ماي 23, 2018