نبض مصر

اتّجاه حكوميّ لتعديل "قانون الجنسيّة المصريّة"... هل يستهدف أشخاصاً بعينهم؟

p
بقلم
بإختصار
فاجأت الحكومة المصرية الأوساط السياسية والقانونية بالإعلان عن مقترح لتعديل قانون "الجنسية المصرية" وسعت فيه من صلاحياتها في سحب الجنسية وإسقاطها عن الموطنين، وسط تحوفات من استخدام النظام للقانون كورقة لعقاب المعترضين على السياسات المتبعة.

القاهرة: أثارت موافقة مجلس الوزراء المصريّ في 20 أيلول/سبتمبر على مقترح تعديل قانون "الجنسيّة المصريّة" رقم 26 لسنة 1975، جدلاً في الأوساط السياسيّة والقانونيّة والحقوقيّة، وسط تخوّفات من احتماليّة استهدافه معارضين لسياسات النظام الحاليّ.

المقترح الحكوميّ زاد من سلطة رئيس الحكومة في اتّخاذ قرارات سحب الجنسيّة وإسقاطها عن المواطنين، حيث أضاف نصّاً يسمح بإسقاطها عن المصريّ المولود لأب وأم مصريّين في حال "صدور حكم بالإدانة في جريمة مضرّة بأمن الدولة من جهة بالخارج أو الداخل. كما أضاف نصّاً يقضي بسحبها من "الأجنبيّ" الذي اكتسب الجنسيّة، إذا انضم إلى أيّ جماعة أو منظّمة سواء كان مقرّها داخل البلاد أو خارجها، تهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة" –حسبما جاء في بيان رسمي لمجلس الوزراء عقب اجتماعه الأسبوعي 20 أيلول/سبتمبر.

ويخشى حقوقيّون ومراقبون من إساءة الحكومة استخدام القانون وسحب الجنسيّة أو إسقاطها عن أشخاص معارضين لها بزعم حماية أمن البلاد. وينتظر أن يعرض القانون على مجلس الدولة المصريّ لمراجعته قانونيّاً قبل إحالته على البرلمان الممتلئ بالمؤيّدين للرئيس الحاليّ عبد الفتّاح السيسي وحكومته، للتصويت عليه.

وأشار مساعد وزير الداخليّة المصريّ للجوازات والهجرة والجنسيّة اللواء أحمد الأنور في تصريحات لجريدة "اليوم السابع" في 26 أيلول/سبتمبر إلى أنّ تعديلات القانون رقم 26 لسنة 1975، تستهدف الحفاظ على الهوية والجنسيّة المصريّة، وقال: إنّ بعض الوافدين إلى البلاد من الدول غير المستقرّة أمنيّاً استغلّوا بعض النصوص في القانون القائم للحصول على الجنسيّة المصريّة، وهو ما أدّى إلى ظهور الحاجة إلى صياغة تعديلات على القانون.

ولفت إلى أنّ سحب الجنسيّة أو إسقاطها يعدّان سلطة جوازيه وتقديريّة لمجلس الوزراء فقط، يصدر بها قرار مسبّب منه، وفقاً "للمصالح العليا للبلاد ومقتضيات الأمن القوميّ".

وتعجّ محاكم القضاء الإداريّ في مجلس الدولة المصريّ بالدعاوى القضائيّة، التي تطالب بإسقاط الجنسيّة عن شخصيّات سياسيّة معارضة للنظام، وقيادات بجماعة الإخوان المسلمين بالداخل والخارج استنادا لصدور أحكام ضدهم في قضايا جنائية أو اتهام بعضهم بالتخابر أو لإقامتهم خارج البلاد وعملهم في جهات مناوئة للدولة المصرية. وفي حزيران/يونيو 2016، رفضت محكمة القضاء الإداري إسقاط الجنسية المصرية عن الرئيس الأسبق محمّد مرسي، وقالت إنه لم يثبت ارتكابه لأية أعمال تقوض الأمن الوطني أو تمس بالمصالح العليا للبلاد.

ومع إدانة "مرسي" نهائيًا في قضية "التخابر مع قطر" في 17 أيلول/سبتمبر، سارع محام في إقامة دعوى جديدة لإسقاط الجنسية المصرية عنه.

وبسؤال مساعد وزير الداخليّة المصريّ، عن وضع مرسي وقيادات الإخوان، قال: إنّ التعديل اشترط سحب الجنسيّة وإسقاطها بعد صدور حكم قضائيّ نهائيّ، وإسقاطها عن الرئيس المصريّ الأسبق محمّد مرسي هو أمر مرهون بقرار من مجلس الوزراء.

وقال عضو المجلس القوميّ لحقوق الإنسان المصريّ ناصر أمين لـ"المونيتور": "إنّ المقترح الحكوميّ مخالف بشكل صريح للمادّة 6 من الدستور المصريّ ومخالف للمواثيق الدوليّة التي وقّعتها مصر منها العهد الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة".

ولفت إلى أنّ الجنسيّة تعتبر حقّاً من الحقوق اللصيقة بشخص الإنسان، والتي لا يمكن أن تنفصل عنه. وبالتّالي، لا يجوز أن يسلب الشخص جنسيّته حتّى ولو بقانون، ولا تملك أيّ دولة أو حكومة أو نظام الحقّ في ذلك.

ونصّت المادّة 6 من الدستور المصريّ على أنّ "الجنسيّة حقّ لمن يولد لأب مصريّ أو لأم مصريّة، والاعتراف القانونيّ به ومنحه أوراقاً رسميّة تثبت بياناته الشخصيّة، حقّ يكفله القانون وينظّمه، ويحدّد القانون شروط اكتساب الجنسيّة".

وأشار ناصر أمين إلى أنّ "المقترح غريب ويثير السخرية. وإذا تمّ تمريره سيشكّل كارثة تشريعيّة كبيرة، لأنّه سيترتّب عليه الإبعاد القسريّ للمدنيّين"، وقال: "بالطبع، هذا القانون سيفتح الباب أمام الحكومة أو السلطة لاستخدامه في اضطهاد جماعة مدنيّة أو جماعة من المواطنين لأسباب سياسيّة".

أضاف: "لا أتصوّر أن يمرّ مشروع القانون على هذا النحو، إذ من المتوقّع أن ترسله الحكومة إلى قسم الفتوى والتشريع في مجلس الدولة المصريّ (وهو المسؤول عن مراجعة صياغة مشاريع القوانين التي يقدّمها البرلمان أو الحكومة، ويبحث مدى تطابقها مع نصوص الدستور والمواثيق الدوليّة) قبل أن تحيله بعد ذلك على البرلمان تمهيداً لمناقشته وإقراره".

أمّا أستاذ القانون الدستوريّ في جامعة المنصورة الدكتور صلاح فوزي، الذي شارك في صياغة دستور عام 2014، فلفت في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ المقترح لا يخالف الدستور ولا إعلان الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، وقال: إنّ الدستور لم ينصّ على منع إسقاط الجنسيّة عن المواطنين، وترك للحكومة تنظيم عمليّة منح الجنسيّة أو سحبها أو إسقاطها.

ورأى أنّ المقترح طُرح لمواجهة العمليّات الإرهابيّة والجرائم التي تتضمّن التخابر والتمويل الخارجيّ بما يضرّ بالأمن القوميّ، والانضمام إلى الجماعات الإرهابيّة، مشيراً إلى أنّ المقترح وضع ضمانات أن يكون قرار إسقاط الجنسيّة أو سحبها مُسبّباً. كما أنّه من حقّ المواطن المسقطة عنه الجنسيّة اللجوء إلى القضاء لإبطال قرار الحكومة، وقال: "إنّ القانون يضع قاعدة عامّة، ولا يستهدف أشخاصاً بعينهم".

وفي 14 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي، تقدّم النائب مصطفى بكري - المحسوب على النظام- وأكثر من 60 نائباً في البرلمان المصريّ، باقتراح أخفّ وطأة من تعديلات الحكومة يضمن إسقاط الجنسيّة عن "الإرهابيّين"، على أن يسمح القانون بإسقاط الجنسيّة عن كلّ من يرتكب "جناية إرهابيّة، ويصدر فيها حكم بات ونهائيّ"، لكنّ الاقتراح رفضته الحكومة وقتئذ وتمّ تأجيله.

وفي مقالة بجريدة "الوطن"، انتقد مصطفى بكري مقترح الحكومة الحاليّ، قائلاً: "قد يجرى استغلالها بالفعل لمعاقبة أصحاب الفكر والرأي المعارض".

من جهته، وصف الكاتب الصحافيّ عبدالله السناوي المقترح بأنّه "تطوّر تشريعيّ خطير"، حيث يسقط ولاية الدولة على مواطنيها وحقّ ملاحقة مرتكبي الجرائم في الخارج وفق القوانين الدوليّة، وقال لـ"المونيتور": إنّ المقترح يحذف أيضاً الجنسيّة من الأبناء البالغين للمرأة المصريّة المتزوّجة بأجنبيّ، ولا يمنعها عن القصر.

وأشار إلى أنّه "يمثّل ردّة عمّا حصلت عليه المرأة المصريّة المتزوّجة بأجنبيّ من حقّ منح أبنائها الجنسيّة، وذلك إخلال جسيم بقاعدة المساواة يهدّد استقرار الأسرة".

ورغم أن المقترح الحكومي لم يُقرّ بشكل رسمي، إلا أن المؤشرات تقول إن الحكومة ماضية في تعديل القانون والبرلمان جاهز لإقرار القانون بالنظر إلى أن أغلب المشرعين مؤيدين لنظام السيسي. فيما تظل مخاوف المعارضين لسياسات النظام الحالي قائمة تنتظر ما ستفعله الحكومة بعد إقرار القانون.

وجد في : children, muslim brotherhood, abdel fattah al-sisi, egyptian parliament, citizenship, mohammed morsi, nationality, egyptian constitution

محمد مجدي، صحفي مصري عمل كمحرر للشئون القضائية بجريدة الشروق، ومحرر للشئون السياسية لموقع مصراوي.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X