نبض مصر

كيف يخطو العلاج بالموسيقى خطواته الأولى في مصر؟

p
بقلم
بإختصار
تنطلق وزارة الصحّة والسكّان المصريّة حاليّاً في حصر الأمراض المزمنة، وعلى رأسها ارتفاع ضغط الدم. وعلى الرغم من إيمان العديد من الفنّانين والأطبّاء النفسيّين في قدرة الموسيقى على العلاج من ذلك المرض وغيره من الأمراض، يبدو أنّ وزارة الصحّة والسكّان لا تنوي التوسّع في استخدام الموسيقى كعجلاج.

القاهرة - هل ظننت يوماً أنّ الموسيقى يمكن أن تكون علاجاً نفسيّاً لك أو لضغطك المرتفع؟ إن كنت مصريّاً فالإجابة على الأرجح "لا"، حيث أنّه حتّى المسؤولين عن ملفّ الصحّة لا يلفتون إلى الموسيقى كعلاج، على الرغم ممّا يبذلونه من جهد لمحاربة بعض الأمراض المزمنة المتفشّية في مصر، وعلى رأسها ضغط الدم المرتفع، حيث أطلقت وزارة الصحّة في 8 تشرين الأوّل/أكتوبر حملة حصر الأمراض المزمنة غير المعدية، ومن بينها ارتفاع ضغط الدم في عدد من المحافظات لتوفير الأدوية والعلاج اللازم لتلك الأمراض.

وتواصل "المونيتور" مع مصدر مطّلع في وزارة الصحّة والسكّان لسؤاله عن دراسة الوزارة لفكرة علاج الأمراض المزمنة، كارتفاع ضغط الدم والاكتئاب، بالموسيقى، فأجاب المصدر مفضّلاً عدم ذكر اسمه: "لا أظنّ أنّ جلسات العلاج بالموسيقى يمكن أن تكون ضمن خطّة الحكومة لعلاج بعض الأمراض، على الرغم من أنّنا نتوقّع أن تكون مصر ضمن أكثر الدول المصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم، وعلى الرغم من أنّنا نظنّ أنّ ذلك الارتفاع ناجم عن أسباب نفسيّة نتيجة كثرة الضغوط المادّيّة والاجتماعيّة".

إلّا أنّ الإيمان بقدرة الموسيقى على العلاج بدأ ينتشر على مستوى تدريجيّ محدود بين بعض الفنّانين والأطبّاء في مصر، حيث نظّم الاتّحاد العامّ لنساء مصر بالاشتراك مع عدد من عازفي الجاز من فرقة بنما ورشة عمل لتدريب أكثر من 100 سيّدة مصريّة من القاهرة والإسكندريّة والمنيا على علاج أنفسهنّ والمحيطين بهنّ من عدد من الأمراض المزمنة مثل التوتّر الزائد "الفوبيا"، وارتفاع ضغط الدم، من خلال تمارين للاسترخاء عن طريق الموسيقى، وكان ذلك على هامش زيارة عازفي مؤسّسة دانيلو بيريز البنميّة إلى القاهرة للمشاركة في مهرجان القاهرة الدوليّ للجاز، الذي انعقد من 28 أيلول/سبتمبر حتّى الساعات الأولى من 1 تشرين الأوّل/أكتوبر.

ومن خلال التواصل مع الاتّحاد العامّ لنساء مصر، تمكّن "المونيتور" من التواصل مع المشاركات في الورشة، حيث قالت مروة حسن، وهي عازفة من القاهرة، لـ"المونيتور": "الورشة لم تكن مقتصرة على التدريبات الموسيقيّة ولكنّها ضمّت عرضاً لتاريخ استخدام الموسيقى في العلاج، وبدأ ذلك الاستخدام لدى العرب في الأندلس، عندما كانوا يسخدمون الموسيقى في تهدئة مرضى الصرع والفوبيا والاكتئاب باعتبارها حالات من الجنون".

وأضافت: "ثمّ طوّرت أوروبّا نظريّات العلاج بالموسيقى في أبحاث علميّة أكّدت أهميّتها في علاج تلك الأمراض، إضافة إلى تخفيف التوتّر وما يتسبّب به من ارتفاع ضغط الدم، وتخفيف حالات الذعر والتوتّر لدى مرضى التوحّد أيضاً. لكنّني لا أتوقّع أن تلقى تلك التجربة رواجاً في مصر بسهولة، نظراً إلى تراجع مستوى البحث العلميّ والخدمات الطبّيّة في شكل عامّ، حيث أنّ العديد من الأدوية وطرق العلاج النمطيّة والتقليديّة غير متوافرة في مستشفيات الدولة التي تخدم العدد الأكبر من المصريّين، فما بالك بالموسيقى وهي إحدى الطرق غير التقليديّة"؟

بينما كانت شيماء محمود، إحدى العازفات المشاركات في الورشة من المنيا، أكثر تفاؤلاً، حيث قالت لـ"المونيتور": "استخدام الموسيقى في العلاج في مصر ليس بعيداً عن فكر العديد من الأطبّاء النفسيّين والمتخصّصين في علاج التوحّد، حيث أنّ الصورة التي نراها في الأفلام السينمائيّة للطبيب النفسيّ وهو يدعو مريضه إلى الاسترخاء على الكرسي الطويل أثناء سماع الموسيقى ليست خياليّة، ويقوم بها العديد من الأطبّاء بالفعل، ولكن ما ينقصنا هو التوسّع في دراسة قدرة الموسيقى على التخفيف من تلك الأمراض وقدرتها على تحقيق شفاء كامل بالتدريج، وأظنّ أنّه مع الانفتاح على ثقافات أخرى من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعيّ، ستنتشر تلك الطريقة في مصر قريباً".

وبالفعل، نشر موقع اليوم السابع تقريراً مصوّراً في تمّوز/يوليو 2017 عن أحد المستشفيات المصريّة الخاصّة التي تستقبل المرضى بالموسيقى للتخفيف من توتّرهم ورفع معنويّاتهم، إلّا أنّ الموقع لم يكشف عن اسم المستشفى لكي لا يكون أحد أنواع الدعايا. كما كشف مدير مستشفى 57357 الخيريّ لعلاج الأطفال من مرض السرطان شريف أبو النجا في تصريحات صحافيّة في حزيران/يونيو 2017، أنّ المستشفى استحدث قسماً جديداً لعلاج الأطفال نفسيّاً من آثار السرطان عن طريق الموسيقى.

وتواصل "المونيتور" مع الطبيب النفسيّ المصريّ المتخصّص في العلاج بالموسيقى خالد سلام، حيث قال لـ"المونيتور": "الإنسان عندما يتعرّض إلى أيّ مؤثّر مثل الموسيقى، يرسل جهازه السمعيّ إشارات إلى المخّ الذي يترجم تلك الإشارات إلى انفعالات ناجمة عن تفاعل العقل الباطن مع الموسيقى، أو عن إفراز أنزيمات معيّنة تساعد على الاسترخاء أو الانفعال، وعلى الرغم من دقّة الأبحاث الدالّة على ذلك، لا يؤمن العديد من الأطبّاء في مصر بقدرة الموسيقى على العلاج والتشخيص نظراً إلى عدم اطّلاعهم على العديد من الأبحاث الأجنبيّة، ونظراً إلى تدهور البحث العلميّ في مصر، ولذلك يتوجّب على وزارة التعليم العاليّ والبحث العلميّ التوسّع في نشر هذه الثقافة".

فيما قال الطبيب النفسيّ مصطفى النحّاس لـ"المونيتور": "الموسيقى والغناء والفنون في وجه عامّ علاج نفسيّ نتعرّض إليه يوميّاً في شكل عفويّ من دون أن نشعر، حيث أنّه يساهم في خفض التوتّر وإدخال البهجة وطرد الأفكار السلبيّة ولو في شكل موقّت، وهي أغراض العلاج النفسيّ كافّة، أمّا التوسّع في استخدام الموسيقى في شكل منتظم كعلاج يحتاج إلى بحث علميّ دقيق، إضافة إلى تغيير ثقافة المصريّين عن الطبّ النفسيّ".

وتابع موضحاً: "العديد من المصريّين يكرهون زيارة الطبيب النفسيّ، خوفاً من أن يعتبرهم المجتمع مصابين بالجنون، وأتمنّى أن يتبنّى الإعلام حملة لتصحيح صورة المرض النفسيّ والفارق بينه وبين المرض العقليّ، خصوصاً أنّ أغلب حالات ارتفاع ضغط الدم في مصر -التي أصبحت في المركز الأعلى من حيث انتشار ذلك المرض- ناجمة عن أسباب نفسيّة وضغوط اجتماعيّة، ولا يمكن أن يتطوّر الطبّ النفسيّ في استحداث أساليب جديدة في مصر مثل الموسيقى، من دون إيمان المرضى بضرورة العلاج النفسيّ".

وبين تدهور البحث العلميّ وتدهور الخدمات الطبيّة وعدم إيمان العديد من المصريّين بالعلاج النفسيّ، يخطو العلاج بالموسيقى في مصر خطواته الأولى، ويراهن الجميع على قدرة العلاج بالموسيقى على الانتشار في مصر والتوسّع فيها، إلّا أنّ البعض يتوقّع أن يحتاج ذلك وقتاً طويلاً، ويأمل البعض الآخر في أن يكون لذلك العلاج مكان في وقت قريب.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : egyptian society, mental illness, mental health, psychology, medicine, healthcare, music, psychiatry

ديفيد عوض صحفي مصري بدأ حياته العملية كمتدرب في الأهرام الاقتصادي ثم انتقل ليكون معدا في راديو مباشر الاقتصادي، مهتم بقضايا الاقتصاد والإعلام والفنون.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept