الأطفال المصريون يتعلمون التعاطف مع الآخرين عن طريق السفر الافتراضي

تسعى مبادرة مجتمعية جامِعة بين الثقافات تتخذ من القاهرة مقراً لها، إلى سد الثغرة في التعليم المحلي عبر تلقين الأطفال التعاطف مع الآخرين والتعددية الثقافية.

al-monitor .

المواضيع

tolerance, children, travel, diversity, egyptian society, education, multiculturalism, racism

أكت 22, 2017

وُضِع قالب حلوى أزرق وأخضر يتّخذ شكل كرة أرضية مع طائرة صالحة للأكل تحلّق فوقه، في وسط قاعة حيث كانت مجموعة من الضيوف المبتهجين، من كبار وصغار، ترقص وتضرب الـ"بينياتا". أُقيم الحفل، وموضوعه السفر والتعددية الثقافية، لمناسبة الذكرى الخامسة لانطلاق مشروع "سفرني" الذي يهدف إلى تلقين التنوّع إلى الأطفال المحرومين عن طريق ورش عمل للسفر الخيالي والتنقّل بين ثقافات مختلفة.

مشروع "سفرني" من ابتكار رافاييل عياش وتتولّى إدارته المجموعة المدنية "اتجاه"، والمقصود بكلمة "سفرني" "خذني في أسفار". الهدف منه تلقين النشء الطالع في مصر احترام التنوع الثقافي في بلادهم والعالم. وقد نظّم المشروع، منذ إطلاقه في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2012، مئات الرحلات الخيالية الممتدة لأسبوع كامل إلى أراضٍ أجنبية، عبر الاستعانة بأشخاص من الجاليات الاغترابية لتلك البلدان مقيمين في القاهرة، وأطعمة وأغراض للزينة والعرض خاصة بالبلدان المعنية. ونجح مشروع "سفرني"، عبر الاستعانة بمنظمات غير حكومية ولاجئين أو مغتربين أبدوا سروراً شديداً بالحديث عن بلدانهم، في خلق الأجواء التي يتميز بها عدد كبير من البلدان الأجنبية.

يغوص الأولاد، الذين يحصلون على التوجيه من "قبطان" متطوّع ويرحّب بهم "أصدقاء أجانب"، في اكتشاف أرض جديدة على مدار ثمانية أيام. يعني ذلك في معظم الأحيان لقاء أشخاص من البلد المعني والتحدث معهم، وتذوّق الطعام المحلي، واختبار الفولكلور الخاص بذلك البلد.

قالت عياش لموقع "المونيتور": "يبقى السفر ترفاً لا يتوافر سوى لحفنة قليلة من المصريين"، في إشارة ليس فقط إلى الصعوبات الاقتصادية إنما أيضاً إلى التشدّد في الإجراءات المتّبعة في منح تأشيرات للمصريين منذ بداية الاضطرابات في العام 2011. أضافت: "نستخدم مشروعنا من أجل الإضاءة على فوائد السفر – مثل التواصل مع أصدقاء جدد من ثقافات مختلفة، وتذوّق أطعمة مختلفة، والرقص على إيقاعات جديدة، والاطلاع على مسائل اجتماعية جديدة – من دون أن نغادر النطاق الجغرافي للحي حيث نعيش".

تستمر كل ورشة عمل لمدّة ثمانية أيام على الأقل، وتضم مجموعة من ثلاثين طفلاً تتراوح أعمارهم من 8 إلى 12 عاماً. يتحدّر معظمهم من عائلات مصرية متدنّية الدخل غير قادرة على تحمّل تكاليف السفر إلى الخارج. تهدف ورش العمل إلى سدّ الثغرة التي يخلّفها التعليم المحلي لناحية تلقين قيَم التنوّع والاحترام.

قال يحيى رفعت، وهو قبطان متطوّع يعتمر قبعة "سفرني"، ويؤدّي دور الدليل في الرحلات منذ العام 2014، لموقع "المونيتور": "ثمة ثغرة ناجمة عما يتعلمه الأولاد من أسرهم ومدارسهم، لا سيما في المناطق الفقيرة، حيث نوعية التعليم أسوأ".

وقالت عزة عثمان، وهي "صديقة أجنبية" سودانية في مشروع "سفرني"، تواظب على تقديم ثقافتها باعتزاز عبر ارتدائها الثوب التقليدي السوداني: "بما أنني لاجئة وأتعلّم في مدارس مصرية، شعرت بأن مفهوم التنوّع واحتضان الآخر لا يُلقَّن بطريقة واضحة في المدارس هنا"، مضيفة: "بما أنني نشأت كمواطنة سودانية في مصر، واجهت الكثير من المفاهيم الخاطئة عن هويتي وبلادي، فضلاً عن الأحكام النمطية والتعليقات العنصرية عن لون بشرتي". تابعت عثمان: "في الواقع، السبب وراء الافتراضات أو التعليقات هو الجهل، وليس رداءة الطباع أو سوء النية. ولذلك يمكن معالجتها بسهولة عن طريق تعليم الأطفال وهم لا يزالون ليّني العريكة ومطواعين. إنه السبيل من أجل الحصول على جيل أفضل وأكثر تقبّلاً للآخر".

أتاح مشروع "سفرني" للنشء الطالع في مصر التخلص من الأحكام المسبقة – مثل العنصرية حيال المهاجرين الأفارقة، لا سيما أولئك القادمين بصفة لاجئين من السودان والصومال وأثيوبيا. يُجمع أولياء الأمور الذين يشارك أولادهم في ورش عمل "سفرني"، على أن أبناءهم وبناتهم بدأوا، منذ مشاركتهم في الأنشطة، يفكّرون ملياً قبل الإقدام على سلوك ينمً عن كره للآخر، وفقاً لداليا مجدي، وهي والدة انخرطت في المشروع وأصبحت منسّقة أنشطته. وتحوّلت ورشة العمل أيضاً إلى فرصة كي تعيد عائلات بكاملها النظر في الأحكام المسبقة الشائعة التي يُمليها المجتمع المصري، وكي تتعلّم دروساً من الأخطاء، على حد تعبير مجدي.

من خلال تكنولوجيا الواقع الافتراضي، والفنون والحرِف اليدوية، والتمارين الذهنية، يتعلّم الأولاد المصريون رويداً رويداً كيف يتخطّون الحواجز. قال رفعت: "نبدأ أنشطتنا بمناقشة وتحديد بعض القواعد حول كيفية مواجهة الاختلافات التي سنقع عليها خلال أسفارنا. نتعهّد باحترام بعضنا بعضاً، واحترام المكان والمواد التي نستخدمها". عندما يلتزم الأولاد بهذه القواعد، يتم توجيههم عبر "محطات" مختلفة، الهدف من كل واحدة منها "توليد التعاطف والوعي الذاتي"، بدلاً من إعطاء معلومات بيبليوغرافية عن المكان.

من أهم الجوانب في منهجية "سفرني" مناقشة تحدٍّ اجتماعي تواجهه البلاد التي تتم زيارتها، ثم الطلب من الأولاد إيجاد حل لتلك المشكلة. قالت هبة بابكر، وهي قبطان ومخرجة فنية في مشروع "سفرني" منذ العام 2015: "محطة التحدّي هي الجزء المفضّل عندي لأنها تُظهر مدى ذكاء الأولاد". في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ناقش الأولاد التحدّي الاجتماعي الذي واجهته فرنسا حول كيفية دمج المهاجرين العرب وتخطّي العنصرية في البلاد، وأجروا عصفاً ذهنياً للتفكير في الحلول المحتملة وقدّموا عرضاً عن الموضوع.

في ختام ورشة العمل، يحتفل الأولاد بتخرّجهم، حيث يحصلون على شهادة "سفراء التنوع"، ويتعهّدون بالالتزام بنشر قيم التسامح والتعاطف تجاه الآخر.

أبعد من اكتشاف الثقافات الأجنبية، تسنّت للأولاد المشاركين في مشروع "سفرني" فرصة اكتشاف ثقافتهم الخاصة عن طريق رحلات خيالية إلى المناطق غير المعروفة في مصر، مثل اكتشاف النوبة أو الطابع اليوناني لمدينة الإسكندرية. الفكرة الأساسية وراء مشروع "سفرني" هي أن الأولاد المصريين ليسوا مضطرين إلى قطع مسافات بعيدة لرؤية التنوع وتقديره. نقرأ على صفحة المشروع عبر موقع "فايسبوك": "لدينا طعام من السودان، وملابس من الصين، وهندسة معمارية من تركيا، ومياه من أثيوبيا". في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، وبتشجيع من هذا الوعي المكتسَب حديثاً، أخذ الصغار زمام المبادرة وأصبحوا بأنفسهم قباطنة الرحلات.

تشرح عياش: "تعاونوا معنا لتحضير برنامج النهار، والتحق رعايا أجانب في القاهرة بمجموعات من الأولاد الذين أدّوا دور الأدلاّء السياحيين"، مضيفةً: "نظّمنا ورشة العمل هذه لأننا شعرنا بأن الأنشطة باتت تنصبّ أكثر من اللازم على اتجاهٍ واحد: يتعلّم الأولاد عن الآخرين، إنما أين هو التبادل الثقافي؟ أردنا أن تتسنّى لهم فرصة التفكير وتشارُك ثقافتهم".

يسعى مشروع "سفرني" إلى تصدير منهجيته لتنشئة مواطنين يتحلون بالوعي في عالم الغد. تختم عياش قائلة: "هدفنا المقبل هو تنظيم ورش عمل مع مجموعات مختلطة من الأولاد المصريين والمهاجرين لتسليط الضوء على الثقافة الجماعية المصرية، حيث أصبحت الأغراض أو التقاليد التي أحضرتها الجاليات الأجنبية معها، جزءاً لا يتجزأ من المجتمع المصري".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings