Russia / Mideast

الجولة الأخيرة من محادثات السّلام السّوريّة ترسّخ آخر مناطق خفض التّصعيد

p
بقلم
بإختصار
التقى كلّ من روسيا، وتركيا وإيران مع معارضي نظام الرّئيس السّوري بشار الأسد لوضع اتّفاقيّة بشأن المناطق الآمنة الأربع.

أفضت الجولة السّادسة التي طال انتظارها من محادثات السّلام السّوريّة إلى التّوقيع على اتّفاقيّة ترسّم مناطق خفض التّصعيد الأربع في البلاد التي تمزّقتها الحرب الأهليّة منذ العام 2011.

وإنّ المحادثات، التي عُقِدت يومي 14 و15 أيلول/سبتمبر في أستانة بكازاخستان، جرت بسلاسة في معظمها. وهذه المرّة الأولى التي توافق فيها جماعة أحرار الشام السّلفيّة السّنيّة المسلّحة على القدوم إلى كازاخستان. فلطالما رفضت فصيلة المعارضة هذه المشاركة، لكنّها كانت تحرص على أن يجري تمثيلها بشكل غير مباشر من خلال وجود ألويّة صقور الشام.

تمكّن المشاركون من البتّ بمسألة المنطقة الرّابعة في إدلب؛ ونجد المناطق الأخرى في حمص، وجنوب سوريا، والغوطة الشرقيّة على الحدود مع الأردن. وقد وافق كلّ من روسيا وتركيا وإيران أن يكونوا بمثابة ضامنين لوقف إطلاق النّار.

في شهر آب/أغسطس، جرت جدولة المحادثات عدّة مرّات، وكان يجري إرجاؤها مرارًا وتكرارًا. وهذه المرّة انتظر الجميع بترقّب ليروا تفاصيل المنطقة الرّابعة المصمّمة لإضعاف ائتلاف هيئة تحرير الشّام المتطرّف. بالإضافة إلى إدلب، ستشمل المنطقة أجزاء من محافظات اللاذقيّة وحماة وحلب المجاورة لإدلب.

تُعتبَر التّرتيبات مؤقّتة، فهي تدبير مؤقّت لفترة محدّدة مدّتها ستّة أشهر. وستتمدّد الاتّفاقيّة تلقائيًّا إذا لزم الأمر، بالاستناد إلى توافق في الآراء بين الدّول الضّامنة. وقد أوضح رئيس الوفد الرّوسي ألكسندر لافرنتييف أنّ موسكو تأمل في أن تنخفض التوتّرات بما يكفي في غضون ستّة أشهر حتّى يكون أيّ تمديد إضافي وجيزًا.

وورد في بيان مشترك صدر بعد الاجتماع عن وزارة الشّؤون الخارجيّة بكازاخستان، أنّ إيران، وتركيا وروسيا ملتزمة بإنشاء مركز تنسيق مشترك وبنشر وحدات عسكريّة بشكل مؤقّت في إدلب لإدارة عمليّة خفض التّصعيد. وستستند المناطق إلى خرائط تمّ رسمها بشكل مشترك في 8 أيلول/سبتمبر في أنقرة، وستُعقد اجتماعات فنيّة لتحديد مناطق الانتشار.

أكّد لافرنتييف أنّ الدّول الضّامنة الثّلاث سترسل ما يصل إلى 1,500 مراقب إلى منطقة إدلب، وستنشر روسيا شرطة عسكريّة بدلاً من القوّات المقاتلة.

وحثّ المعارضة السّوريّة على مراجعة موقفها إزاء تغيير السّلطة في البلاد بالقوّة العسكريّة. فبعض مجموعات المعارضة تعمل على إنشاء ائتلافات موحّدة تحت راية الجيش الوطني السّوري لمواصلة قتالها ضدّ نظام الرّئيس بشار الأسد. وقال إنّ هدفها هو على ما يبدو "الإطاحة بالسّلطات الشّرعيّة والمعترف بها دوليًا في دمشق" ومن المرجّح أن يتضارب ذلك مع الحملة المستمرّة ضدّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة وجبهة فتح الشام، المعروفة سابقًا بجبهة النّصرة؛ وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الأخيرة تقود ائتلافًا يسيطر حاليًا على إدلب.

لكنّ موسكو تدعو المعارضة المعتدلة إلى المساعدة على قمع المتطرّفين في مناطق خفض التّصعيد مع أنّ تلك الفكرة تبدو مريبة بالنّسبة إلى المعارضة، إذ تعتبر بعض المجموعات المتمرّدة أنّ مناطق خفض التّصعيد ليست أداة للمصالحة بل تدبيرًا مؤقّتًا لإضعافهم وضمان تعاونهم مع النّظام في نهاية المطاف.

إلا أنّ الفكرة تبعث السّعادة في قلوب الجماهير المحلّيّة، وقال لافرنتييف – وهو أيضًا المبعوث الخاصّ للرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين من أجل التّسوية السّوريّة – إنّ السّكّان المحليّين يشجّعون بالفعل مجموعات المعارضة المعتدلة المسلّحة النّاشطة في مناطق خفض التّصعيد، على إصلاح العلاقات مع الحكومة المركزيّة.

من جهة أخرى، تستفيد موسكو من عقد الاتّفاقات مع الفصائل الفرديّة أكثر من عقدها مع مجموعة موحّدة تسعى إلى المركزيّة. وقد أبرز وفد المعارضة في أستانة هذه النّقطة في المحادثات، مشيرًا إلى أنّ اتّفاقيّات روسيا الأحاديّة الجانب مع مجموعات منفصلة تعفي القوّات الموالية للحكومة من مسؤوليّة انتهاك معاهدات أستانة.

قال العقيد فاتح حسون، رئيس وفد المعارضة السّوريّة، في المؤتمر الصّحفي الأخير بعد المحادثات، إنّ وجود فريقه على طاولة المفاوضات ليس معناه أنّ الأعضاء قبلوا بجميع بنود جدول الأعمال، ذاكرًا بشكل خاصّ اعتراضاتهم على أنشطة إيران ووضعها كمراقب.

وأعرب أيمن العسمي، وهو عضو آخر في وفد المعارضة، عن تخوّفه من الميليشيا المدعومة من إيران في جنوب حلب التي قد تقوم بنظره بخرق دليل قواعد أستانة. وعبّرت أيضًا وزارة الخارجيّة الأميركيّة عن قلقها من كون إيران أحد الضّامنين المتمتّعين بوجود عسكري، فالولايات المتّحدة ترى إيران قوّة معطِّلة محتملة في عمليّة السّلام.

بشكل عام، تبقى تفاصيل استراتيجيّة إدلب التي وضعها الضّامنون غير واضحة، إذ لم يجر إصدار أيّ مستندات باستثناء البيان المشترك. وفي وقت سابق، أفادت بعض وسائل الإعلام التّركيّة بأنّ تركيا وبعض مجموعات المعارضة ستعود إلى العمل لإنشاء منطقة عازلة بعمق 35 كيلومترًا داخل محافظة إدلب، مضيفة أنّ أنقرة بدأت بالفعل إعادة نشر قوّاتها في محافظة هاتاي المجاورة. أمّا بالنّسبة إلى الوقت الرّاهن، فيبحث خبراء في الشّأن السّوري عن كثب في سيناريو تقسيم إدلب إلى ثلاثة أجزاء: منطقة عازلة تديرها تركيا، ومنطقة خفض تصعيد يسيطر عليها ضامنو وقف إطلاق النّار ومنطقة عازلة ستجبَر فيها هيئة تحرير الشام على حلّ نفسها.

يدرك النّقاد الرّوس أنّ جهاديّي تنظيم القاعدة المتمرّسين، الذين يعتمدون على استراتيجيّة الجهاد العالمي، كانوا ماهرين في جعل الوجود الاقتصادي والعسكري لهيئة تحرير الشّام ممكنًا في إدلب. وإذا عُرقِلت خطوط الإمداد غير الشّرعيّة على الحدود السّوريّة التركيّة بحيث يُحرَم المسلّحون من المدخول، قد تتفكّك عندها في إطار الاستراتيجيّة مجموعة متنافرة العناصر جرى تكوينها لفوائد قصيرة الأمد بدلاً من أسباب أيديولوجيّة.

في الوقت عينه، قال ياسر عبد الرحيم، القائد العسكري لفيلق الرحمن، "لا نيّة لدينا ولا لدى حلفائنا الأتراك بالقتال ضدّ هيئة تحرير الشّام". وأضاف بقوله إنّ "التّقارير الإعلاميّة بشأن التحرّكات العسكريّة الوشيكة تهدف إلى خلق شرخ آخر بين الفصائل".

تبرز القضيّة الكرديّة بين المسائل الأخرى التي ستدعو الحاجة إلى معالجتها، وهي لم تلق آذانًا صاغية في محادثات أستانة. شدّد لافرنتييف على أهميّتها الكبيرة لحلّ النّزاع السّوري لافتًا إلى أنّه "سيجري بالتّأكيد البحث في هذا العنصر في الجلسات القادمة". وفي 6 أيلول/سبتمبر، أعلنت وزارة الدّفاع الرّوسيّة علنًا أنّها أنشأت منطقة عازلة في تل رفعت للحدّ قدر الإمكان من الاشتباكات بين الجيش السّوري الحرّ ورجال الميليشيات الأكراد. قد تكون المنطقة أيضًا محاولة للحرص على أن تبقى الأولويّة في المنطقة معطاة لتفكيك هيئة تحرير الشام، وليس لطموح تركيا القديم بإضعاف وحدات حماية الشّعب الكرديّة المتمركزة في عفرين.

تسعى موسكو إلى إشراك القوّات الكرديّة في الجهود الرّامية إلى تسوية الأزمة السّوريّة سياسيًا، وإلى جعلها أقلّ مقاومة للنّظام. وتحافظ وزارة الخارجيّة الروسيّة على تواصل مع المجلس الوطني الكردي في سوريا، وأيضًا مع حزب الاتّحاد الدّيمقراطي القومي الكردي. لكنّ النشاط الدّبلوماسي الرّوسي وحده ليس كافيًا لبناء علاقة تقوم على الثّقة بين الرّوس والأكراد، الأمر الذي يفهمه الكرملين جيّدًا.

قال للمونيتور مصدر على صلة بالمخابرات الرّوسيّة اشترط عدم الكشف عن هويّته إنّه في الأشهر الأخيرة، تحاول موسكو توسيع اتّصالاتها مع الأكراد عبر بعض ممثّلي الشّتات اليزيدي في روسيا.

وأضاف المصدر أنّه "على الرّغم من كون خلفيّة هؤلاء الأشخاص 'شبه إجراميّة' عمليًا، يُعتقَد أنّهم يرتبطون ببعض الشّخصيّات النّافذة في كردستان، وربّما يكون ذلك مفيدًا".

ومع قيام الجهات الفاعلة الرّئيسيّة بالحشد في سبيل قضيّة حلّ النزاع على المدى القصير، بدأ تركيز موسكو يتحوّل بشكل غير ملحوظ عن ضمان بقاء النظام، ليتوجّه نحو النّهوض بمصالحها الخاصّة على المستوى الإقليمي.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X