Russia / Mideast

لماذا ينبغي على الولايات المتحدة وروسيا تقليل القلق بشأن المنافسة بينهما؟

p
بقلم
بإختصار
يبدو الوضع في سوريا واعدًا، بعد الضربة الجوية الروسيّة الأخيرة ضد داعش، الاّ أن الوقت قد حان كي تتظافر الجهود الأمريكية الروسيّة لدحر التنظيم

موسكو — صعّدت روسيا خلال الأسابيع القليلة الماضية ضرباتها الجوية، دعمًا منها لتقدّم الجيش السوري ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في دير الزور. حتّى أن وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت أن الحرب الأهلية في سوريا باتت "بحكم المنتهية عمليًا".

لقد تمّ فصل الإرهابيين عن المعارضة، كما تمّت اقامة مناطق خفض التصعيد. وتفتخر موسكو افتخارًا كبيرًا بتحقيق هذين التطوّرين، ممّا يمكّنها من المضيّ قدمًا بحملتها في سوريا في مسارين: أوّلهما دبلوماسيّ مع المعارضة وذلك خلال محادثات جنيف وأستانا في كازاخستان، وثانيهما يتعلّق بالمزيد من الضربات الجوية ضدّ داعش. الاّ أن ذلك لا يعني بالضرورة أن موسكو لن تستهدف قوات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة بين الحين والآخر، في حال وجدت أن الجيش السوري يحتاج إلى مساعدة. إلاّ أن الهجوم الأخير على داعش اكتسب أهمّية عسكرية وسياسية.

عسكريًا، أعلنت وزارة الدفاع الروسية في 8 أيلول\سبتمبر أنها قتلت 40 مسلحاً من داعش من بينهم أربعة قادة بارزين في التنظيم، ومنهم غولمورود خاليموف المعروف أيضًا باسم "وزير الحرب" في داعش، وأبو محمد الشمالي المعروف باسم "شريف دير الزور".

وفي تصريح نادر للجيش الروسي، قالت وزارة الدفاع أنها كانت قد حصلت على معلومات أن أمراء حرب داعش سيجتمعون، وقيل أن الاجتماع يهدف إلى مناقشة "تدابير طارئة للردّ" على تقدّم الجيش السوري في دير الزور. وقالت صحيفة "كوميرسانت" الروسية إنه وفقاً لمصادرها الخاصة، أكّدت المخابرات الإيرانية صحّة المعلومات قبل أن يقوم الجيش الروسي بإعطاء الأمر بأن تشنّ المقاتلة القاذفة من طراز "سو-34 " و"سو-35" والمتمركزة في قاعدة حميميم الجوية "ضربة محددة" باستخدام قنابل "بيتاب-500" الخارقة للتحصينات. وتابعت الوزارة إن الغارة الجوية قد دمّرت مركزاً للقيادة والاتصالت تابع للارهابيين تحت الارض، اضافة الى تصفية 40 عنصرًا من تنظيم داعش.

تحمل تصفية "وزير الحرب" في داعش معنىً خاص بالنسبة لروسيا.

تلقّى خاليموف، وهو طاجيكستان، وكان فردًا من أفراد الوحدات الخاصة للشرطة الطاجيكستانية (سبيتسناز)، دورة تدريبيّة للمحترفين في موسكو. وبعدها، ووفقًا لوسائل اعلام روسية، تلّقى خمس دورات برعاية وزارة الخارجية الأمريكية حول مكافحة الإرهاب وكانت معدّة خصيصًا لطاجيكستان. وتمّت ترقيته إلى رتبة عقيد، تولّى بعدها قيادة الوحدات الخاصة للشرطة في بلده.

لقد وقع نبأ انضمام خليموف إلى داعش في العام 2015 كالصاعقة. اذ لم يحدث أن انضم سابقاً أيّ فرد رفيع من أفراد المؤسسة الأمنية في احدى دول ما بعد الاتحاد السوفيتي السابق إلى تنظيم داعش طوعاً. وسرعان ما أصبح خليموف عضوًا في مجلس الشريعة في داعش. اعتبرت الولايات المتحدة خليموف في شهر آب/أغسطس 2016 أحد قياديي داعش، كما عرضت مبلغاً وقدره 3 ملايين دولار مقابل [تحديد] "مكانه و\أو اعتقاله و/أو إدانته".

أي أنه وبمعنى آخر، كان [خليموف] هدفًا قيّمًا لكل من موسكو وواشنطن.

أما سياسيًا، فتبعث الضربة الروسيّة الأخيرة في سوريا بأقلّه ثلاث رسائل هامة.
أوّلًا، وعلى الرغم من اختلاف مصالحهما في سوريا، أبقت المخابرات العسكرية الروسية والإيرانية على التفاعل بينهما. في حديث مع "المونيتور"، قال أحد المراسلين الروس في سوريا والذي طلب عدم الكشف عن اسمه انه "قد لا تنظر كل من موسكو وطهران دائمًا إلى جماعات المعارضة [السورية] المختلفة بالطريقة نفسها، الاّ أن ثمرة جهودهما المتظافرة ضد [داعش] جيّدة".

ثانيًا، فبعد الغارات الجوية على قياديي داعش، قالت تقارير - لم يؤكّد الجيش الروسي صحّتها - ان موسكو أجرت اختبارًا لأقوى قنبلة غير نووية في العالم. انّها القنبلة الحرارية ذات الطاقة المتزايدة، والتي أطلق عليها لقب "أب القنابل"، والتي يصار منها تدمير التحصينات ومجموعة من الأماكن المغلقة الأخرى، والتي زُعم استخدامها الآن. ويضعها خبراء عسكريين في الخانة نفسها للقنبلة الأمريكية من طراز "جي بي يو – 43" والمعروفة باسم "أم القنابل"، والتي استخدمتها الولايات المتحدة في شهر نيسان/ أبريل في أفغانستان. وإذا كانت روسيا بالفعل قد استخدمت هذه القنبلة للمرة الأولى في القتال، فاستخدامها لم يقتصر على اختبار خصائصها وإمكاناتها المدمرة، وانّما أرادت روسيا من خلالها أن تُظهر أنها متقدّمة تكنولوجيًا أو متكافئة مع الولايات المتحدة في هذا المجال.

إنّ اعتبار هذه الأحداث "منافسة أمريكيّة-روسيّة" تفسير جزئيّ - على الرغم من أن ذلك ليس ذات أهميّة كبرى، طالما أنه يضمن انجاز المهمّة.

ثالثًا، لطالما أشار القضاء على كبار القادة العسكريين الى فعالية العمليّة العسكرية. أعلنت الولايات المتحدة في شهر أيار\مايو أنها قتلت ثلاثة من أمراء الحرب في داعش في سوريا. كما زعمت موسكو في شهر حزيران/ يونيو انها قامت بتصفية زعيم داعش، أبو بكر البغدادي، الاّ أن الجيش الأمريكي أورد في وقت لاحق إن الأمر غير صحيح. وفي شهر تموز\يوليو، أعلن البنتاغون مقتل أبو سيد، زعيم داعش - ولاية خراسان (التابع لداعش في أفغانستان) خلال ضربة أميركية. وتدّعي موسكو الآن قتلها أبر القادة العسكريين. إنّ اعتبار هذه الأحداث "منافسة أمريكيّة-روسيّة" تفسير جزئيّ - على الرغم من أن ذلك ليس ذات أهميّة كبرى، طالما أنه يضمن انجاز المهمّة.

لا ينبغي التقليل من أهميّة النظرة الشعبيّة لهذه "المنافسة" في عصر وسائل الإعلام. فقد لا يقدّم القضاء على كبار الإرهابيين مساعدة كبيرة فوريّة وعمليّة، اذ بات داعش كراكين قادر على الاستمرار بحد ذاته وعلى استبدال من يُقتل من المسلحين من دون أن يتسبب ذلك بخلل كبير في أدائه ميدانيًا. ويبدو أن كلّ من القادة العسكريين الروس والأمريكان يدركون ذلك تمام المعرفة، ولا يربط أي منهما استراتيجيته بالقضاء على قيادة داعش. الاّ أن عمليات كهذه مهمّة في الاستقطاب السياسي حول مسائل الشرق الأوسط وخارجه، ومن هنا، سيواصل الجانبان التصفيات ويستمرّان في الإعلان عنها.

الاّ أن الأهم في ما يتعلّق بقتل خاليموف هو اتقانه الممارسات الروسية والأمريكيّة الخاصة بوحدات الشرطة الخاصة على عدّة صعد. كما يشير ذلك إلى أنه لا يزال هناك مقاتلون متطرّفون - وعددٌ أكبر منهم من "المتعاطفين" - في أوراسيا والشرق الأوسط، وأن هؤلاء وقبل أن ينضمّوا إلى جماعات إرهابية قد التحقوا بالخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش السوفياتي أو تلقّوا تدريبات عسكرية أكثر فعاليّة، وأن مهاراتهم قد سُقلت في إطار البرامج الخاصة بالمؤسسات الأمنية القوميّة برعاية الولايات المتحدة. ويمكن ايجاد حالات مماثلة في العراق وأفغانستان وبعض دول ما بعد الاتحاد السوفيتي السابق كالقوقاز وآسيا الوسطى. الاّ أن عددهم ليس كبيرًا، فغالبية مقاتلي داعش هم في سنّ الشباب نسبيًا ولا يملكون هذه التجربة. الاّ أن أولئك الذين استفادوا من "التبادل التعليمي" يشكّلون التحدّي الأكبر.

وفي حين أنه من المهم وضع الأهداف القيّمة جانبًا، تحتاج كل من روسيا والولايات المتحدة إلى تقليل القلق بشأن المنافسة بينهما والتركيز أكثر على المشهد العام بدلًا من ذلك. وفي حال لم تتظافر جهودهما في هذه المرحلة النهائية، قد يخرج داعش منصرًا في نهاية المطاف.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X