أحوال غزّة الكارثيّة تدفع بأهلها إلى أوروبا!

على الرغم من أجواء المصالحة الإيجابية إلا أن لا أحد يثق بمستقبل غزة بعد أكثر من عقد على الحصار الذي تخللته ثلاثة حروب دموية، فقد ازدادت أعداد المهاجرين من القطاع إلى أوروبا، ليصبح مصير اللاجئ الغزي جنباً إلى جنب مع اللاجئ السوري في البحر ومخيمات اللجوء بأوروبا وكندا.

al-monitor .

المواضيع

gaza blockade, gaza strip, mediterranean sea, refugees, palestinian refugees, refugee camps, europe, asylum seekers, asylum

سبت 28, 2017

تولوز - لجأ الشاب محمّد يوسف (24 عاماً) من غزّة، منذ الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على القطاع، إلى هولّندا هرباً من الموت عبر موت آخر، فقد وصل إلى أوروبا بركوب البحر. ومع ذلك، رفض طلب لجوئه مرّتين، إلاّ أنّه لا يفكّر في العودة إلى "سجن غزّة" مجدّداً.

وعلى الرغم من حل حركة حماس اللجنة الإدارية والبوادر الايجابية التي تشير إلى تقدم نحو المصالحة إلا أن لا أحد يثق بمستقبل هذه المدينة، خاصة بعد مرور أكثر من عقد على الحصار الإسرائيليّ على قطاع غزّة تخلّلته 3 حروب دمويّة، ما جعل الهجرة خياراً لجأت إليه نسبة كبيرة من الشباب، بل وعائلات كاملة.

ولاحظ "المونيتور" أنّ أعداداً كبيرة من الفلسطينيّين تقدّمت في السنوات الأخيرة بطلبات لجوء إلى دول أجنبيّة، لينافس اللاّجئ الغزيّ نظيره السوريّ بحثاً عن مستقبل أفضل سواء أكان في البحر أم في مخيّمات اللجوء بدول أوروبا وكندا.

وقد ذكر موقع "تايمز الاسرائيلي" على الانترنت أن عدد طلبات اللاجئين من الضفة الغربية وغزة إلى كندا قد تضاعف أكثر من أربعة أضعاف؛ فمن 50 طلب لجوء في عام 2010، إلى 242 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2016 وفقا لمجلس الهجرة واللاجئين في كندا.

وقال محمّد يوسف: "هربت من الحرب على غزّة في صيف عام 2014، هرّبت من حكم ديكتاتوريّ. كنت أشعر في غزّة بأنّي عبارة عن جثّة يمكن أن تهرس في أيّ حرب أو مرض خطير من دون فرصة للعلاج".

أضاف: "هاجرت لأختار أسلوب حياتي، بعيداً عن كلّ الأزمات، والحكم الإقصائيّ على معتقداتي وأفكاري".

ورغم رحلة الموت التي خاضها، كما قال، للوصول إلى أوروبا، والتي لم تمنحه الأمان بعد، إلاّ أنّه لا يفكّر في العودة إلى غزّة مجدّداً: "لن أعود إلى ذاك السجن، ولو رفضتني كلّ الدول".

وتذكّر هذه الرحلة بقوله لـ"المونيتور": "خرجت من غزّة تحت القصف الإسرائيليّ عن طريق الأنفاق مع مصر، تعرّضت للملاحقة من قبل الجيش المصريّ، وعشت ليلة رعب في رفح سيناء إلى أن وصلنا إلى اسكندريّة، ومنها بحراً إلى إيطاليا. وأخيراً، وصلت إلى هولّندا في أيلول/سبتمبر من عام 2014".

لم يكن يوسف الوحيد، الذي غادر غزّة خلال الحرب على غزّة في تمّوز/يوليو من عام 2014، والتي استمرّت أكثر من 50 يوماً، بل إنّ مئات غيره ركبوا البحر في طريقهم إلى أوروبا، وكانت الرحلة الأشهر التي انطلقت في 6 أيلول/سبتمبر من عام 2014 من بحر اسكندريّة. وبحسب المرصد الأورومتوسطيّ، فإنّ المركب حمل حوالى 450 لاجئاً نصفهم من الفلسطينيّين، غالبيّتهم من غزّة، وغرق الجميع باستثناء 8 فلسطينيّين، طفلة وفتاة سوريّتين، ومصريّ.

ورغم انتهاء الحرب الإسرائيليّة، إلاّ أنّ تداعياتها مع استمرار الحصار الإسرائيليّ زادت من الوضع المتردّي في القطاع، وزادت معه أعداد المهاجرين، ولكن لا توجد إحصائيّات رسميّة حولهم، نظراً لندرة الأبحاث المحليّة التي تقيس أسباب الهجرة ومعدّلاتها. كما أنّ الدول الأوروبيّة بغالبيّتها تعتبر الفلسطينيّ بلا بلد "ستيتلس"، الأمر الذي يجعل الأعداد المنشورة غير مقتصرة عليه بسبب وجود لاجئين آخرين تحت البند ذاته كالأكراد.

وأكّد صاحب مكتب القدس للسياحة والسفر في العاصمة اسطنبول أشرف المجايدة تزايد أعداد الواصلين إلى هناك من القطاع، وقال لـ"المونيتور": "إنّ المئات في تركيا يحاولون بالبرّ والبحر الوصول إلى أوروبا، وأغلبهم من سوريا وغزّة. ولقد رأيت عائلات كاملة من القطاع جاءت بعد أن باعت منازلها كي تستطيع الوصول إلى أوروبا".

وأشار إلى أنّ السفر عبر البرّ يكلف أكثر بكثير من السفر بركوب البحر بسبب مخاطره، متابعاً "التهريب براً يكلف من 1300 يورو إلى 1700 للشخص الواحد، وبحراً من 200 إلى 500 دولار للوصول إلى الجزر اليونانية".

وفي نيسان/إبريل من عام 2016، وصلت دانا نشوان (23 عاماً) بصحبة شقيقها ووالدتها إلى بلجيكا، بعد مكوثهم شهرين في تركيا، التي وصلوا إليها أيضاً بعد معاناة بسبب صعوبة الخروج من غزّة، وقالت لـ"المونيتور": "كنّا نبحث عن واقع أفضل وقدرة على تحقيق الطموحات، بدل المشاكل وخيبات الأمل في غزّة".

ورغم أنّ الحظّ حالفهم في الحصول على الإقامة في بلجيكا، إلاّ أنّ بقيّة العائلة، والدها وشقيقتها وشقيقها الصغير ظلّوا في غزّة قبل أن ينضمّوا إليهم حديثاً في آب/أغسطس من عام 2017.

أضافت نشوان: "كانت سنة ثقيلة، إلاّ أنّنا حاليّاً في وضع أفضل". وأشارت إلى أنّها لاحظت تزايد عدد العائلات الغزيّة اللاّجئة إلى بلجيكا خلال عام 2016.

ولقد وصلت نسبة البطالة في القطاع خلال عام 2016، بحسب تقرير الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، إلى 41.7 في المئة، مقابل 18.3 في المئة بالضفّة الغربيّة.

يارا شاهين (26عاماً) هي الأخرى وصلت إلى بلجيكا في تمّوز/يوليو من عام 2016، بصحبة ابنها عمر البالغ من العمر 3 أعوام، وقدّمت لجوءاً سياسيّاً، كما أشارت، وقالت أيضاً لـ"المونيتور": "تركت غزّة بسبب تردّي الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة بعد انقسام و3 حروب عشتها في ظلّ الكثير من الرعب".

أضافت: "غزّة أصبحت سجناً كبيراً خالياً من الرحمة والإنسانيّة بالذات تجاه المرأة. ولذلك، قرّرت أن أختار مستقبلاً أفضل لي ولابني".

وأظهرت نتائج نشرها الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ في آب/أغسطس الماضي أنّ 24 في المئة من الشباب في فلسطين لديهم الرغبة في الهجرة إلى الخارج، بواقع 37 في المئة بقطاع غزّة.

وفي مقابلة لـ"المونيتور" عبر "فيسبوك" مع عائلة من غزّة لجأت إلى كندا، وفضّلت عدم الكشف عن هويّتها، قالت الأم (37 عاماً): "بعد كلّ حرب على القطاع كان هناك أمل، لكنّ الناس وجدوا أنفسهم فجأة من دونه، وأنّهم محرومون تماماً من السفر وبناء المستقبل، فسارعوا إلى الرحيل، فهي ارتدادات الحرب التي تأخّرت، لكنّها ظهرت بقوّة الآن وبأثر رجعيّ".

أضافت: "الأمر لم يعد سياسيّاً فقط، بل هو إنسانيّ، البقاء في غزّة لا يعني سوى الضغط النفسيّ وانعدام الحقّ بالحصول على الأمان والمياه النظيفة وحريّة التنقل وفرص العمل".

أمّا الشاب خالد زياد (24 عاماً) "العالق في غزّة"، وينتظر دوره للسفر عبر معبر رفح، فقال لـ"المونيتور": "أمامي 30 ألف مسافر حسب قوائم وزارة الداخليّة. وبمجرّد أن يأتي دوري سأهاجر لأبحث عن حياة حقيقيّة من دون حرب وقمع وفقر".

من جهته، رأى الناشط الحقوقيّ صلاح عبد العاطي أنّ الهجرة من القطاع باتت "ظاهرة"، عازياً ذلك إلى "البحث عن الخلاص"، موضحاً لـ"المونيتور" أنّ سبب الطرق غير المشروعة التي يسلكها أغلب المهاجرين هو صعوبة حصول جواز السفر الفلسطينيّ لسكّان القطاع على "فيزا" الدول الأوروبيّة.

لا يعرف الشاب محمد يوسف ماذا سيحدث لتقديم طلب اللجوء للمرة الثالثة وإذا ما كان سيأخذ أوراق الإقامة في هولندا أم لا، كما لا أحد يعرف إذا ما كانت المصالحة بين حركتي فتح وحماس ستنجح هذه المرة، وقد تتوقف الأعداد المتزايدة للمهاجرين من القطاع إلى أوروبا وكندا، إلا أن الجميع يعرف أن غزة تحتاج إلى الكثير من الوقت لإعادة البناء، ورد الحقوق و زرع الأمل ومنح الحريات.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020